ليست كل الحروب تدون في كتب التاريخ، فبعضها يكتب على وجوه الأطفال، وفي ارتجافة أيديهم الصغيرة، وفي نظراتهم التي تكبر قبل أوانها.
هناك حيث يفترض أن تكون السماء نافذة للأمل، أصبحت باباً دائماً للرعب، حتى غدا صوت الطائرات جزءاً من نبض القلب، لا يغادره إلا ليعود أشد قسوة.
ما أقسى أن يولد الإنسان وفي داخله استعداد فطري للحياة، ثم يجبر على أن يتعلم الخوف قبل أن يتعلم الكلام.
وما أشد مرارة أن تصبح الطفولة، التي خلقت للركض خلف الفراشات، منشغلة بعد الثواني الفاصلة بين هدير الطائرات والانفجار.
الطفل لا يفهم معنى الحرب، ولا يعرف خرائط السياسة، ولا يحفظ أسماء القادة، لكنه يحفظ جيداً ذلك الإحساس الذي يجعل جسده يرتجف كلما انشق الهواء بصوت طائرة.
يعرف أن قلبه يخفق بسرعة، وأن حضن أمه لم يعد قادراً دائماً على طرد الخوف، وأن الليل لم يعد وقتاً للنوم، إنما موعداً جديداً مع القلق.
وحين يصل الرعب إلى هذه الدرجة، لا يعود مجرد شعور عابر، ولكنه يتحول إلى لغة كاملة تسكن الجسد.
لغة لا تحتاج إلى كلمات، لغة تظهر في العيون المرهقة، وفي النوم المتقطع، وفي الصمت الطويل، وفي طفل يعانق لعبته وكأنه يعانق ما تبقى له من العالم.
إن أكثر ما يؤلم في الحروب أنها تسرق من الأطفال قدرتهم على الدهشة، وعلى الضحك من أعماق القلب، وعلى النظر إلى السماء دون أن ترتجف أرواحهم.
فالسماء التي خلقت لتكون سقفاً للأحلام، تحولت إلى مصدر دائم للفزع، حتى صار مجرد صوت بعيد كفيلاً بإيقاظ ذاكرة ممتلئة بالرعب.
ولأن الطفولة لا تعرف الكراهية، فإنها لا تسأل: من المخطئ؟ ومن المصيب؟ كل ما تريده أن تعيش يوماً عادياً، أن تستيقظ على صوت العصافير لا على صفارات الإنذار، وأن تذهب إلى مدرستها وهي تحمل حقيبتها، لا خوفها.
تريد أن تعود إلى بيتها مساء لتخبر أمها بما تعلمته، لا بما رأته من مشاهد يصعب على الكبار احتمالها.
كم يبدو العالم متناقضاً حين يحتفل أطفال في أماكن كثيرة بعيد ميلادهم، بينما يحتفل أطفال آخرون فقط لأنهم نجوا يوماً إضافياً.
وكم تبدو الإنسانية عاجزة حين تستطيع أن تبني ناطحات السحاب، لكنها تعجز عن أن تمنح طفلاً ليلة واحدة ينام فيها بلا فزع.
الصدمات التي تعيشها الطفولة لا تنتهي بانتهاء أصوات المدافع.
إنها تنمو مع أصحابها، وترافقهم في أحلامهم، وفي يقظتهم، وفي كل صوت مرتفع يعيد إليهم تلك اللحظات.
فالذاكرة لا تنسى بسهولة ما سجل فيها بالخوف، خصوصاً حين يكون القلب صغيراً إلى هذا الحد.
ورغم ذلك، يبقى الأطفال أكثر الكائنات إيماناً بالحياة.
يكفي أن يجدوا مساحة آمنة، أو كرة صغيرة، أو قصة ترويها أم، حتى تعود الابتسامة إلى وجوههم، وكأن الفرح كان مختبئاً ينتظر فرصة للعودة.
لهذا يبدو الدفاع عن الأطفال دفاعاً عن مستقبل البشرية كلها، لا عن حاضرهم فقط.
الحروب تنتهي يوماً، لكن آثارها لا تغادر سريعاً.
هناك قلوب صغيرة تحتاج إلى أعوام طويلة كي تصدق أن السماء قد تعود مكاناً للطير، لا للطائرات، وللمطر، لا للقذائف.
إن قيمة الإنسان تقاس بقدرته على حماية الأضعف.
وأضعف من في الأرض هم أولئك الذين لم يختاروا أوطانهم، ولم يختاروا الحروب، ولم يرتكبوا ذنباً سوى أنهم ولدوا في زمن صار فيه الخوف لغة يومية.
سيأتي يوم يعود فيه الأطفال إلى رسم الشمس بألوان زاهية، وإلى تلوين السماء بالأزرق، لكن الندوب التي تركتها الحرب في أرواحهم ستظل شاهدة على زمنٍ فقد فيه العالم شيئاً من إنسانيته.
ولعل أكثر ما يحتاجه هذا العالم اليوم ليس مزيداً من السلاح، ولا مزيداً من الشعارات، بل مزيداً من الرحمة.
فالطفولة لا تطلب المستحيل… إنها تطلب حقاً بسيطاً جداً، أن تنام مطمئنة، وأن تستيقظ على صباح يشبه الحياة، لا على خوف يتسلل من السماء إلى القلب.
لم تكن مرام تعرف أن صباح ذلك اليوم سيقسم طفولتها إلى نصفين… نصف يسبق الانفجار، ونصف يقضي عمره كله في محاولة العودة إليه.
كانت تلعب كأي طفلة في السادسة من عمرها، حين سقط صاروخ على مركز الإيواء.
في لحظة واحدة، تحوّل عالمها إلى ركام، وتحولت الضحكات إلى صمت ثقيل.
أصيبت في رأسها وبطنها إصابات بالغة، وغابت عن الوعي.
ثم أعلن الفريق الطبي وفاتها ووضعوها في كفن.
لكن أمها أرادت أن تودعها ففكت كفنها وحين مسكت يدها، شدت الصغيرة على يد أمها، فصرخت الأم ابنتي مازالت حية، فأسرع الفريق الطبي ونقلها إلى غرفة العناية المركزة حيث أمضت خمسة وأربعون يوماً، أمضتها في غيبوبة كاملة.
خمسة وأربعون صباحاً كانت أمها تدخل عليها وهي لا تعرف إن كانت ابنتها تسمعها، لكنها كانت تمسك يدها كل يوم، وكأنها ترفض أن تتركها تسقط في ذلك الظلام وحدها.
حين فتحت مرام عينيها، لم تر شيئاً.
سألها والدها بحذر:«هل ترينني؟ » أجابت بكلمة واحدة: «لا.
»لم يكن الظلام وحده ما عاد معها.
فقدت بصرها، وأصيبت بشلل شبه كامل في الجهة اليسرى من جسدها.
كانت الطفلة التي كانت تركض بالأمس عاجزة عن الحركة، فيما كان الأطباء يواجهون الأسرة بعبارات ثقيلة، حتى إن بعضهم قال: ادعوا لها بالرحمة.
وفي مستشفى العريش تكررت الجملة نفسها: «لا يوجد أمل.
»لكن الأمل لا يعيش دائماً في تقارير الأطباء.
أحياناً يختبئ في قلب أم ترفض الاستسلام.
ثم جاءت نقطة التحول.
وصل الوفد الإماراتي، ونقلت مرام بطائرة إلى أبو ظبي لتبدأ رحلة علاج جديدة.
هناك خضعت لسلسلة طويلة من العمليات الجراحية… جهاز في الرأس، وأنبوب يصل إلى البطن، وتأهيل يومي شاق، وتمارين لا تنتهي، وأيام كان النجاح فيها يعني حركة إصبع، أو ابتسامة، أو محاولة للوقوف.
تسعة أشهر كاملة.
تسعة أشهر من الصبر، والخوف، والانتظار.
ثم التفتت مرام إلى أمها وقالت الجملة التي كانت تستحق كل تلك الرحلة: «ماما… أستطيع أن أرى.
»أي معجزة يمكن أن تكون أعظم من أن يعود الضوء إلى عينين كان الجميع يعتقد أنهما لن تبصرا مجدداً؟ اليوم تمشي مرام.
تخضع للعلاج الطبيعي، نعم، وما زالت أمامها رحلة طويلة، لكن الطفلة التي كان يظن أنها لن تعود، عادت.
ليست كما كانت تماماً، لكنها عادت أقوى مما تخيل الجميع.
ليست هذه الحكاية عن الطب وحده، ولا عن الحرب وحدها، ولا حتى عن النجاة وحدها.
إنها حكاية أم أثبتت أن اليد التي لا تملك دواء قد تمنح الحياة.
وحكاية أب ظل يسأل ابنته إن كانت تراه، حتى جاء اليوم الذي رأته فيه من جديد.
وحكاية أطباء ومعالجين آمنوا تمسكوا بالأمل.
كما أنها تذكير بالدور الإنساني الذي لعبته دولة الإمارات في نقل الطفلة وتوفير العلاج الذي منحها فرصة جديدة للحياة.
أما مرام، فلم تعد مجرد طفلة نجت من الحرب.
أصبحت شاهداً صغيراً على حقيقة كبيرة: قد ينهار بيت، وقد يصمت جسد، وقد يخفت نور العينين، لكن ما دام هناك من يتمسك بيدك، ويؤمن بأن الغد ما زال ممكناً، فإن الحياة تستطيع أن تعود، ولو بدأت، بضغطة يد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك