تطوّرت الأزمة في مضيق هرمز بعد قيام إيران، الثلاثاء الماضي، باستهداف ناقلة الغاز القطرية «الركيات»، وناقلة النفط السعودية «وديان»، مما أدى لرد فعل قوي من الدوحة التي استدعت القائم بالأعمال الإيراني وسلمته مذكرة احتجاج، واستنكار الرياض التي اعتبرته «انتهاكا جسيما للقانون والأعراف الدولية».
ردّت الخزانة الأمريكية على الواقعة بإعلانها إلغاء الترخيص العام «المؤقت» الذي كان يجيز بيع النفط الإيراني حسب مذكرة التفاهم التي وقعها الجانبان في العاشر من شهر حزيران/يونيو الماضي، وقامت القوات الأمريكية بضرب عشرات الأهداف في إيران التي ردّت بدورها بإعلان قصفها قواعد عسكرية في البحرين والكويت.
خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أثناء حضوره قمة حلف شمال الأطلسي المنعقدة في العاصمة التركية أنقرة ليعتبر أن «الاتفاق انتهى».
في الأثناء، وبعد تهجم ترامب بعبارات قاسية على قادة إيران، لم تنجح محاولات الرئيس التركي رجب طيب اردوغان في تخفيف الأجواء المكهربة التي صنعتها تصريحات أخرى لترامب ولكن هذه المرة تجاه قادة حلف «الناتو» أنفسهم.
بدلا من السعي لتوحيد قادة الاثنتين وثلاثين دولة الأعضاء قام الزعيم الأمريكي بتوصيف العلاقة معهم بـ»الأحادية والسخيفة»، خاصا إيطاليا وألمانيا وفرنسا وإسبانيا بالهجوم على عدم تعاونها في الحرب على إيران، كما أعاد إشعال الغضب الدنماركي بإعلانه أن غرينلاند مهمة للولايات المتحدة، ورد كوبنهاغن مجددا عليه بأنها «ليست للبيع».
إصرار إيران على تأكيد هيمنتها على الخليج يبعدها عن الدول الخليجية التي حاولت لعب دور وساطة مع أمريكا مثل قطر وعُمان، كما يعزز الشرخ مع السعودية، التي أغضبت أمريكا بامتناعها عن المشاركة في «مشروع الحرية» لفتح المضيق بالقوة، كما أرسلت وفدا رفيعا للتعزية في المرشد علي خامنئي.
في المقابل تساهم هجمات ترامب على حلفائه في إبعادهم عنه، كما أن تقليل الدعم الأمريكي عن أوكرانيا يجعل هؤلاء الحلفاء في وضع أضعف استراتيجيا أمام التهديد الروسي، وهو ما يجعل مشاركتهم في الصراع، الذي سعى له رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو ضد إيران، أمرا غير منطقيّ كونه يضعف قدراتهم على صد الخطر الروسي.
تريد طهران إثبات أنها صاحبة اليد العليا في الخليج، لكنها تفعل ذلك بطريقة تضرب أهم رصيد استراتيجي تحتاجه، وهو قابلية دول الخليج للحياد أو الوساطة، واستهداف سفن قطرية وسعودية، حتى لو بررته طهران بمنطق «تنظيم الملاحة» أو «فرض قواعد اشتباك»، يحوّل الدول المترددة إلى دول غاضبة، ويجعل الحياد الخليجي أصعب سياسيا وأمنيا.
من جهته، يريد ترامب إظهار أن أمريكا تقود الغرب وتفرض الانضباط على الحلفاء، لكنه يفعل ذلك بطريقة تجعل القيادة تبدو ابتزازا لا تحالفا.
الهجوم القاسي على إسبانيا، والضغط على إيطاليا، واستفزاز الدنمارك في ملف غرينلاند لا يقوّي الجبهة مع إيران بل يخلق شعورا أوروبيا بأن الخطر لا يأتي فقط من الخصوم، بل أيضا من الحليف الأكبر الذي اعتادت الاحتماء تحت ظلاله.
يضعف هذا قدرة واشنطن على بناء ائتلاف طويل النفس، خاصة في وجود أزمة ملاحة وطاقة وحرب إقليمية تحتاج قواعد، وموانئ، وأجواء، وشرعية سياسية، ومشاركة استخبارية.
ضمن هذه المعادلات المتشابكة، يبالغ الطرفان في سياسة الهيمنة بدل سياسات التحالف.
تقول إيران لدول الخليج: أمنكم البحري يمر عبر موافقتي، وترامب يقول للأوروبيين، أمنكم يمر عبر الخضوع لي، وفي الحالتين لا تستخدم القوة ضد الخصم فحسب، بل أيضا ضد الشركاء والجيران، وهذا خطير لأن الهيمنة على الخصوم قد تكون مفهومة في الصراع، أما الهيمنة على الحلفاء والوسطاء فتنتج نفورا وتآكل ثقة وخسائر على المدى الاستراتيجي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك