نادية تويني شاعرة لبنانية فرنكفونية، شكل جمالها الاستثنائي وحياتها المأساوية ملامحَ أعمالها الأدبية العميقة وتجاربها الشعرية الفريدة، فقد تناولت في شِعرها موضوعات الطبيعة والوطن والهوية والمنفى، وأصبح الشعر ملاذها الوحيد بعد رحيل ابنتها نايلة في سن السابعة؛ الأمر الذي دفعها إلى القول إنها تحلم بأنهارٍ تتدفق عكس اتجاهها، تنقل الموتى إلى ديارهم، وتُعيدهم إليها ببساطة!وقد انبثق صوت تويني من أعماق التاريخ، فامتد صداه عابراً حدود الزمان والمكان، حتى غدت قراءة شِعرها أشبه بمواجهةٍ مباشرة لحقيقة الفقد والانتماء؛ إذ عكست حياتها وأعمالها عالماً موشوماً بالذاكرة والثقافة والصراع، وبدت تجاربها مرآةً تكشف التحولات التي تصيب ملامح الأمة والذات الرومانسية المنكسرة، فهي التي قالت يوماً إن يديها لا تستطيعان احتضان السنين؛ لأنها تتلاشى كبتلات الزهور في مهب الريح، غير أن صدى ضحكتها، لا يزال يتردد في الظلال، لحناً أبت الأرض أن تُخفيه.
ولطالما أشاد كُل من التقى بتويني بفرادة جمالها وحضورها الآسر، وتُظهر صورها امرأةً بدت رقتها انعكاساً لعمقها الشعري المتجلي في أعمالها ورؤاها، إلا أن ما منحها تميزها الحقيقي كان قدرتها على استيعاب هشاشة عالمها وتحويلها إلى تجربةٍ إبداعية نابضة؛ فقد حملت في قصائدها عبءَ لبنان المنقسم، وأضفت على معاناته بُعداً إنسانياً يتجاوز حدوده الجغرافية؛ لذا يكتسب شِعر تويني حضوراً خاصاً لدى المنحدرين من أصولٍ لبنانية وسورية، الذين استقروا في جزر الهند الغربية، ولاسيما في ترينيداد؛ إذ تتقارب تساؤلاتها وتأملاتها مع تجاربهم في البحث عن الهوية والصمود والتشبث بالجذور، حتى وهم ينسجون إيقاع حياتهم بعيداً عن أرز لبنان.
فنادية تويني وُلدت عام 1935 في بلدة بعقلين، البلدة الدرزية الوادعة التي تتكئ على سفوح جبال الشوف، ونشأت في بيئةٍ تداخلت فيها المرجعيات الثقافية والحضارية، فكان لهذا التنوع أثرٌ بالغ في صقل شخصيتها وتشكيل وعيها، وقد كان والدها محمد علي حمادة دبلوماسياً كثير التنقل في فضاءٍ سياسي كانت الخرائط فيه تُعاد صياغتها باستمرار، في حين مثلت والدتها المثقفة الفرنسية بوابتها الأولى إلى الأدب الفرنسي؛ إذ فتحت أمامها منذ طفولتها عوالم شعراء كبار مثل بودلير ومالارميه، فامتزج في وجدانها عبق الطبيعة اللبنانية بألق الثقافة الأوروبية، وتكون من هذا الامتزاج صوتٌ شِعري يجمع بين حرارة الوجدان وعمق التأمل، وظل هذا الصوت الشعري يزداد تفرداً وجمالاً حتى بعد زواجها من الصحافي والدبلوماسي اللبناني غسان تويني.
وعاشت تويني طفولتها وشبابها في لبنان، في مرحلةٍ حفلت بالتحولات التاريخية والسياسية، ساعيةً إلى استيعاب معنى الانتماء والهوية وسط واقعٍ اتسم بالاضطراب والتقلب، فبعد قيام الانتداب الفرنسي عقب انهيار الإمبراطورية العثمانية شهدت البلاد مظاهرَ من الحداثة لم تخلُ من التناقضات والهشاشة، ثم جاء الميثاق الوطني اللبناني في عام 1943 ليؤسس صيغةً للتوازن بين الطوائف اللبنانية، بيد أن هذا التوازن ظل يخفي تحت سطحه توتراتٍ كامنة سرعان ما أخذت تتجلى في العقود اللاحقة، وفي خضم تلك التحولات لم يكن اهتمام تويني منصباً على الشأن السياسي بقدر ما كان موجهاً نحو الشعر الذي وجدته المجال الأرحب لفهم الذات والوجود؛ إذ رأت في جبال لبنان ذاكرةً حية تختزن تاريخ البلاد وأحزانها، وجعلت من الطبيعة وسيطاً للتعبير عن هذا الإحساس العميق، فكتبت: «تنحني أشجار الأرز في حزنٍ مكتوم، / جذورها تتشبث بأسرار التربة/ صمت الجبل أثقل من أعلى صرخات المدينة».
وإلى جانب ذلك اتخذت تويني من اللغة الفرنسية أداةً للتعبير عن التناقضات التي تنطوي عليها تجربتها الوجودية، فجاءت أعمالها متأرجحةً بين الحميمية والانفتاح، في محاولةٍ لردم الهوة الفاصلة بين لبنان وفرنسا، وفي مجموعتها (Vingt Poèmes pour un Amour)، عادت إلى استحضار ثيمة المنفى، لا بوصفه حيزاً جغرافياً إنما بوصفه حالة وجدانيةً تستعصي على النسيان، إذ تتساءل: «ما الوطن؟ أهو أنفاسُ؟ أم حجرٌ أثقل من أن يحمله البحر؟ أم الوعودُ التي نُقِضت قبل أن يتمكن أصحابُها من الجهر بها؟ »، وكان لبنان تويني بلداً يضم العديد من الطوائف والمكونات، المسيحيين الموارنة، والمسلمين الشيعة والسنة، والدروز، وهو تنوعٌ أضفى على البلاد عناصر القوة بقدر ما جعلها عرضةً للهشاشة والانقسام، وانطلاقاً من كونها امرأةً درزيةً تلقت تعليمها في ظل التقاليد الفرنسية، أدركت أن التفاوض يمثل نهجاً للحياة أكثر من كونه ممارسةً سياسية، وبينما تأسست دبلوماسية والدها على منطق التحالفات والتسويات، آثرت في شِعرها أن تعبر عما تعجز اللُغة المباشرة عن الإفصاح عنه، فجعلت من الصمت والإيحاء والفراغات الفاصلة بين الكلمات فضاءً تتشكل فيه الدلالات، وتنبثق منه المعاني الأكثر عمقاً.
وعلى أثر الحرب الأهلية اللبنانية (1975 – 1990) تبدلت ملامح العالم الذي عاشت فيه تويني، إذ انهار التوازن الهش الذي بَقِيَ يؤطر حياتها لسنوات طويلة، فبيروت التي عُرفت بحيويتها تحولت إلى ساحة صراع مفتوحة، ولم تكن الحرب بالنسبة إليها حدثاً عابراً، بل أصبحت جزءاً متغلغلاً في تفاصيل الحياة اليومية، وفي كتابها (أرشيفات عاطفية للحرب في لبنان)، قدمت توثيقاً للحرب لا يقوم على مشاهد الدمار الصادمة، إنما على استكشاف أثر الألم والصمت والغياب، إذ تقول: «الأنهار تنسى أغانيها/الجبال تنزف من دون أن تسقط/والبحر الشريك الأبدي/يبتلعُ الجثث من دون أن ينبس ببنت شفة»، ومن ثم أصبحت الكتابة الشعرية لديها وسيلة لرؤية ما يصعب التعبير عنه باللغة، بحيث تبدو قراءة نصوصها نوعاً من مواجهة ثِقل التاريخ وحدوده؛ لذلك تنأى تويني عن السرديات المبسطة حول المنفى والانتماء، وتبحث عن المعنى في المساحات التي تتداخل فيها هذه المفاهيم وتتشابك، وهو ما يتجلى في قولها: «الذاكرة ليست طريقاً/ بل كحجرٍ يُلقى في الماء/ تلامس تموجاتُه الشاطئ/ ثم تختفي».
واتسمت أعمالها اللاحقة بنزعةٍ تأمليةٍ عميقة، وبمواجهةٍ جريئةٍ لصور الحرب واستدعاءات الذاكرة، حتى كتبت في أحد أكثر مقاطعها تأثيراً: «أحلم بأنهارٍ تجري عكس مجراها، / حاملةً الموتى إلى ديارهم»، ومن هُنا تتشكل عوالمها الشعرية المثقلة بالأسى والمغمورة بالحزن، لكنها مشدودةٌ في الوقت نفسه إلى خيطٍ رفيعٍ من الأمل، ليغدو هذا التوتر لب إرثها الإبداعي، ويواصل شِعرها ترميم ما تهدم، قطعةً بعد أخرى عبر اللغة، ويمتد صداه من لبنان البعيد إلى ترينيداد ومناطق أخرى من الكاريبي، حيث أعادت الجاليات الشامية نسج تقاليدها داخل فضاء ثقافي جديد بعد عبورها المحيطات، وهناك يجد هذا الإرث المشترك صوته المتجدد في قصائدها وتأملاتها في الانتماء والفقدان، بما يلامس تجارب من يعيشون مثلها، ازدواجية الثبات والترحال.
إن قصائد تويني تُحرك لدى القارئ رغبةً في مواجهة التصدعات الداخلية، وتدفعه إلى إعادة التفكير في الهوية واللغة بوصفهما سيرورتين دائمتي التحول لا تثبتان على حال، وعلى الرغم من أنها رحلت عن العالم في عام 1983، بعد صراعٍ مبكر مع السرطان أنهى مسيرتها الإبداعية، فإن أثر كلماتها ظل ممتداً، يُذكرنا بأن الجمال قد يتجاور مع الألم، بل قد يولد منه أحياناً، ويستمر هذا الأثر عبر حفيدتيها، نايلة تويني وميشيل تويني، الصحافيتين اللتين تنشغلان بأسئلة الهوية والانتماء في أعمالهما الثقافية، وتحتلان موقعاً بارزاً في صحيفة «النهار»، المؤسسة اللبنانية العريقة التي أسستها العائلة، كما مثلتا لبنان في البرلمان، جامعَتَين بين البعدين الشخصي والسياسي على نحوٍ يوازي تجربة جدتهما المؤثرة، ويبدو صوتهما المتشكل من تقاليد متوارثة وتحولات متداخلة امتداداً لما بدأته الجدة، وتجسيداً لأثرٍ ما زال حياً حتى اليوم.
أما أولئك الذين يكتشفون أعمال نادية تويني في زمننا هذا، فكثيراً ما يصلون إلى قصائدها عبر منصات إلكترونية تُعنى بالأدب اللبناني، كأرشيف صحيفة «النهار» أو المواقع المتخصصة بالشعر، حيث تُقدم مختارات من نصوصها، وتبدو هذه النصوص وكأنها تحمل في كلماتها ثقل لبنان نفسه، هذا البلد الذي لا يزال يواصل خطابه لأبنائه سواء أولئك الذين تفرقوا في المنافي أو الذين بقوا في أرضه.
وعليه أصبح شِعر تويني الشخصي عالمياً، وما فُقد منه يبقى حاضراً في الذاكرة، إذ تدعونا قصائدها دائماً إلى تخيل طريقة مختلفة للنظر، وإلى حمل الحزن والأمل معاً، واحتضان الصمت والكلمات، والعثور على الشفاء في ثنايا الكسور والآلام، وفي هذا السياق نستحضر قصيدتها العالمية التي دونت فيها ذكريات حبها الأول لبيروت، والتي تقول فيها: «في ضباب المشهد/بعد موت المدن/ على خيط الحُب، /جسدُكِ ذكرى/يا بستانية الذاكرة/ ازرعي زهرة يقين/وأخبريني باسم البيت الذي شكله في شكلي/ وظله في ظلي/ أخبريني عن الشجرة التي تشبه الأرض حيث سأجلس/ حين يمتزج النور والليل».
وفي النهاية بقيت بلادُ تويني بعيدةً كأرضٍ أجنبية، تُعاد صياغة جغرافيتها بضربةٍ واحدة، وتُدان فيها زهرة لمجرد كونها زهرةً، ثم تنقلب وتثور كحمامةٍ جريحة، ومع ذلك تبقى بلادُها كما هي؛ لأنها يجب أن تبقى، بلاد تشبه تلك الشهب التي تومض في الليل من دون سابق إنذار، بلاد تغدو كرحلةٍ بين الأحلام والفجر، يفقدها المسافر على الطريق يوماً ما.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك