منذ انتصار الفريق الوطني الجزائري على الفريق الألماني في مونديال 1982، والرياضة الجزائرية تُلِحّ على ضبط المستوى الدولي المُستقِر، على ما هي الأمم المتقدمة، التي حازت سمعة ومكانة ومستوى عالميا، تعاند في البقاء في دائرة المجموعة الأولى في مجال كرة القدم، ولما لا في بقية الرياضات.
المكانة التي تقلَّدتها الجزائر في تلك الدورة، هي التي أوحت بالمؤامرة عليها من قبل ألمانيا والنمسا لإبعادها عن الدور القادم.
ما يقابل هذا الإخفاق في الرياضة الجزائرية هو ما كانت ستحوزه الجزائر كدولة وأمة ومجتمع، من دولة عظمى بسبب الثورة التحريرية الكبرى التي اضطلعت بها، ضد أعتى قوة في العالم.
فقد كان انتصارها مع تاريخ يتجه نحو الهزيمة الذاتية وتبديد القدرات التاريخية التراثية منها والحديثة، على ما أنجزته دول وأمم عريقة وكيانات حديثة ومعاصرة، عرفت كيف تُكَيِّف نفسها مع عصر يوفر إمكانية تحقيق الطموحات الشرعية.
كل التحاليل والكلام المتداول يؤكد حالة فساد على صعيد فيدرالية كرة القدم، وهي العينة البَيِّنة والواضحة لفساد الرياضة الجزائرية برُمَّتها.
فقد كانت الجريمة الحقيقة التي كشفت فساد انطلاقة الفريق الوطني لكرة القدم، بعد رحيل المدرب السابق جمال بالماضي، هي تعيين فلاديمير بيتكوفيتش وكيلا يستخدم لفائدة عصابة الفيدرالية بناءً على معايير لا تمت بصلة ولو واهية إلى حقيقة الإشراف على فريق وطني يُشَرِّف حتما الجزائر، في المناسبات الدولية، مثل المونديال الذي يجري هذه الأيام في القارة الأمريكية.
فالمدرب الجديد يستوفي كل طموحات هيكل الفيدرالية، التي تحترف اختيار المدرب على أساس من تمرير الأموال ليس لفائدة الوطن والبلد والأمة والدولة، بقدر ما يسَوِّقها من أجل الأغراض الخاصة، فقد استحكمت علاقة التنافي بين الرياضة والسياسة، لحد جلب مدرب لا يمكن التواصل معه، ليس نوعا من التواصل، بل بكل صلة ممكنة.
صنم بالكاد يتحرك ويتفاعل مع عناصر الفرقة والمساعدين بوعي ومن دون وعي.
المدرب بيتكوفيتش يستوفي كل طموحات هيكل الفيدرالية، التي تحترف اختيار المدرب على أساس من تمرير الأموال ليس لفائدة الوطن والبلد والأمة والدولة، بقدر ما يسَوِّقها من أجل الأغراض الخاصةالذين يَحْتَجون اليوم على أداء الفريق الوطني الجزائري في هذا المونديال، يجب أن يعودوا فورا الى الجماعة التي تولت اختيار بيتكوفيتش رئيسا فنيا للفريق الوطني، لأن كل مواصفات الجريمة قائمة عند فتح ملف التحقيق، خاصة عندما يتم التأكد من أن الفريق الوطني يلعب بناء على قدرات الجزائريين الحاملين جنسيات أخرى، وأضحى في المدة الأخيرة يعتمد على تشجيع الجزائريين المقيمين في الخارج.
وأن المال الذي يقدم لإدارة الفريق يعتمد فيه على العملة الأجنبية، الشرط اللازب لإدارة الفريق، والمحَفِّز الحقيقي، الذي يسيل له لعاب هيكل الفيدرالية وعناصرها الخائبة دائما.
فقد تأكد أن الذي يصنع أمجاد الجزائر المعاصرة هو، الانتصارات التي يحققها الرياضيون الجزائريون في الخارج عندما يصدح النشيد الوطني ويعلو العلم الجزائري.
غير أن التنافي بين الرياضة والسياسة يؤكد حالة اغتصاب سياسي للرياضة في الجزائر.
تاريخيا، في مجال الرياضة والسياسة، أن لحظة انتصار الثورة هي لحظة مصادرة لها بداية من تاريخ استقلال، على رأي الزعيم المثقف الراحل فرحات عباس، ، وأن الانتصار الكبير الذي حققه الفريق الوطني ضد ألمانيا هو مصادرة للرياضة وصَرْفِها عن مراكمة التجربة التاريخية والمعنوية للرياضة، بكل أنواعها، للإفصاح عن دولة جديدة لها شرعية احتلال المنصة الدولية، والبقاء فيها لإدارة لعبة كرة القدم على الصعيد العالمي، كطرف أصيل يجري عليه ما يجري على كبار العالم.
الجزائر، في التحليل العميق الذي يبرز شكل الوعي الكبير، أنها ليست مثل باقي الدول العربية والافريقية، وإن كانت منها، لأنها الوحيدة التي يتواصل فريق كرة القدم مع ما كانت عليه هذه اللعبة زمن الاحتلال الفرنسي، حيث يتابع الجزائريون كل تفاصيل اللعبة ويلعبون فيها في الفرق كافة إن كان في الجزائر أو في فرنسا.
ولكن، دائما يظهر الفرق بين الجزائر وفرنسا، بسبب فساد التسيير والتدبير والتفكير أيضا.
فقد تمكّنت فرنسا من استبطان الخبرة والتجربة الجزائرية واستيعابها في الداخل الوطني، فيما فشلت العملية في الداخل الجزائري، لأنها كانت مُضمرة بنوايا سيئة، لتنتهي خاوية الوفاض.
جدل التنافي بين الرياضة والسياسة في الجزائر، أنه قائم على عدم وجود حقيقي للرياضة من ناحية، وعدم وجود للسياسة من ناحية أخرى، لا يعترف الواحد بالآخر، لأن تاريخها غير قائم من أجل أن يؤكد التجربة، ويضفي عليها الشرعية الحقيقية، لأنه انتصار رائع على ألمانيا، في لحظة اكتمال عقدين من تاريخ الاستقلال، يعد بداية لعهد جديد، تودع فيه الجزائر التخلف في مجال الرياضة، بل يسعفها في تنمية القدرات الشاملة للبلد.
وهذا ما لم يحدث للأسف الشديد.
ولعّل اختيار إجرامي للمدرب بيتكوفيتش على رأس الفريق الوطني لكرة القدم، هو الذي يؤكد لنا حقيقة التنافي بين السياسة والرياضة، عندما يترك هذا الفعل بعيدا عن المساءلة وعن المحاكمة، أي عن سياسة حقيقية أخفت في متابعة الملف والاهتمام به الى آخر أوراقه وتفاصليه كنوع من وجود سياسة ووجود رياضة في الوقت ذاته.
جدل التنافي المتبادل بين السياسة والرياضة في الجزائر، تفصح عنه العُقدة الدُّونية التي تلازم جزائريين تسيطر عليهم حالة التَّخلف أمام الأوروبيين في مجال الرياضة، مع أنهم أقرب إليهم لو كانوا يعرفون، لأن الجنس والعنصر الجزائري نفسه يقدم روائعه في الفرق الأوروبية، خاصة منها فرنسا.
فالعُقدة الدُّونية هي بمثابة مِتْراس نفْسي قاتل يحْبِس عقول الجزائريين عند المقارنة الخاطئة بين الأوروبيين والجزائريين في مجال الرياضة بصورة عامة ورياضة كرة القدم بصورة خاصة.
في مقابل هذه العُقدة المستقرة في أعماق الوعي الجزائري، نجد السلطة تستغل هذه الحالة وتتعامل معها كومضات خاطفة في المناسبة المواتية، ثم لا تلبث أن تضيع وتبهت كما راحت وضاعت خبرات وتجارب سابقة، كان يمكن لها أن تساعد على مراكمة المستوى والبقاء الدائم عند الأمة القوية، والدولة المتقدمة دائماً، ولا تلعب فقط بالخطاب المناسبتي الترقيعي، الذي يتواصل مع التمويه والتستر على حقائق أشياء تجري على مستوى وزارة الرياضة، وفيدرالية كرة القدم.
ما يؤسف له حقا أن الوطن صار يصنعه من لاذوا الى الخارج وأن مفهوم الدولة المجردة والمنزهة يُعَبّئ محتواه الذين غادروا البلد، ودخلوا في عملية استثمار رائعة بين الداخل والخارج، الوطني والأممي في صيغة محكمة تعود بالوفرة والغناء والمستوى الرفيع على البلد الأوروبي المستقبِل، وفي الفترة الأخيرة على البلد الأمريكي المستقبِل أيضا، الذي صار يطلق عليه بلد الوطن والهجرة معاً، ولن يطول الوقت لكي تنعدم كلمة الهجرة والغربة والأجنبي من الخطابات السياسية والثقافية في البلدان الغربية.
في مقابل هذا الجَدَل من التَّنافي المتبادل بين السياسة والرياضة في الجزائر، نجد حالة من السياج السياسي والأخلاقي مضروبا على الوطن يحرمه من الاستثمار المشترك لخيراته وتراثه وقدراته ومقوِّماته، التي صارت في السنوات الأخيرة مسخرة للمحليين والطفيلين والانتهازيين، يغرفون منه ما شاء لهم من النهب المنظم منه والمنفلت، وما شاء لهم من السطو والسرقة الفنية والعلمية والأدبية وحتى الرياضية، على ما تبينه مسألة اختيار بيتكوفيتش ناخبا وطنيا للجزائر، لتتلقى، ويا لصدف الأقدار، الهزيمة والإقصاء من بلده سويسرا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك