تتعدّد أوجه معاناة النازحين في قطاع غزة المنكوب من جرّاء الحرب الإسرائيلية الأخيرة، فتتخطّى الجوع والعطش وفقدان المأوى التي صارت من الثوابت، لتُضاف بالتالي الأمراض المعدية إلى مركّبات الأزمة الإنسانية المتفاقمة.
وفي مخيمات النزوح المكتظة بعشرات آلاف العائلات في مختلف أنحاء القطاع، تتحوّل الخيمة الواحدة إلى مأوى لعدد من العائلات، فيما تفتقر بغالبيتها إلى الحدّ الأدنى من مقوّمات النظافة والرعاية الصحية.
وفي الأيام الأخيرة، راح جدري الماء ينتشر بسرعة لافتة في مخيمات قطاع غزة، مستفيداً من ظروف صحية وبيئية بالغة السوء.
ومع تزايد أعداد الإصابات، تتزايد مخاوف العائلات من انتقال العدوى بين أفرادها، خصوصاً الأطفال منهم، مع العلم أنّ الأمم المتحدة أشارت في هذا الإطار إلى تسجيل أكثر من تسعة آلاف إصابة في أسبوعَين.
ولا يُنظَر إلى تفشّي جدري الماء في قطاع غزة بوصفه أزمة صحية منفصلة، بل نتيجة مباشرة لواقع النزوح القاسي الذي تعيشه مئات آلاف العائلات، والذي يهيّئ لبيئة مثالية لانتقال الأمراض المعدية، في وقت تتراجع فيه خدمات المياه والصرف الصحي وتتكدّس النفايات بين مواقع الإيواء.
وتنعكس هذه الأوضاع بصورة قاسية على أطفال غزة خصوصاً، فهؤلاء يشكّلون النسبة الكبرى من سكان المخيمات.
ومع ضعف التغذية، وانخفاض المناعة، وعدم توفّر المياه النظيفة، يصيرون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض الجلدية والفيروسية، فيما تضطرّ الأمهات إلى رعاية أكثر من طفل مريض في داخل خيمة ضيّقة تفتقر إلى التهوية، ومن دون القدرة على عزل المصابين أو توفير العلاج المناسب لهم.
في هذا الإطار، حذّرت الأمم المتحدة، الأربعاء، من تفشّ واسع ومتسارع لمرض جدري الماء في مخيمات ومراكز إيواء النازحين بقطاع غزة المحاصر، بعد تسجيل نحو 9,300 إصابة خلال أسبوعَين فقط، في مؤشّر رأت الفرق الإنسانية أنّه يعكس تدهوراً صحياً خطراً يهدّد مئات آلاف المدنيين، خصوصاً في ظلّ استمرار النزوح الجماعي وانهيار المنظومة الصحية.
وأعادت الأمم المتحدة هذا الانتشار السريع إلى عوامل متداخلة، أبرزها الاكتظاظ الشديد في الخيام، وتراجع خدمات المياه والصرف الصحي، والانهيار البيئي، وارتفاع درجات الحرارة، بالإضافة إلى انتشار القوارض والحشرات والطفيليات في نحو 83% من مواقع النزوح، إلى جانب تراكم آلاف الأطنان من النفايات وتجمّع المياه الراكدة بين الخيام، الأمر الذي من شأنه أن يزيد احتمالات تحوّل الأزمة إلى كارثة وبائية أوسع نطاقاً.
وتقول الفلسطينية ملك مسعود (34 عاماً)، أمّ لخمسة أطفال وتقيم في خيمة نزوح بمدينة غزة راهناً، إنّ المرض انتشر بين الأطفال بسرعة كبيرة، لدرجة أنّها لا تستطيع الجزم من الذي أُصيب بدايةً.
تضيف لـ" العربي الجديد" أنّ" الأمر بدأ بارتفاع حرارة ابني الصغير، ثمّ ظهرت حبوب حمراء على جسمه، وبعد يومَين أصيب شقيقاه بالأعراض نفسها.
والآن أخشى انتقال المرض إلى بقيّة الأطفال، فنحن نعيش في خيمة صغيرة، ولا إمكانية لعزل أحد؛ جميعنا ننام في المكان نفسه".
وتوضح مسعود أنّ الظروف في المخيّم تجعل الوقاية شبه مستحيلة، إذ" لا تتوفر مياه كافية للاستحمام ولا لغسل الملابس، والنفايات تحيط بالخيام من كلّ اتجاه، والحشرات لا تفارق المكان".
وتشدّد: " حتى لو أردنا حماية أطفالنا، فإنّنا لا نملك الوسائل لذلك، وفي كلّ يوم نسمع عن إصابات جديدة بين الجيران".
ولا يتوقّف الخطر عند حدود المرض نفسه، بل يمتد إلى مضاعفاته المحتملة لدى الأطفال والحوامل والأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة وذوي المناعة الضعيفة، في ظلّ النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، وتراجع قدرة المستشفيات والمراكز الصحية على تقديم الرعاية اللازمة.
من جهته، يقول النازح أحمد اصليبي (46 عاماً) لـ" العربي الجديد" إنّ المخيّم حيث يقيم اليوم صار بيئة لانتشار الأمراض بعد تراكم النفايات وتجمّع المياه العادمة بين الخيام.
يضيف: " لا يمرّ يوم إلا ونسمع عن طفل جديد أُصيب بجدري الماء أو بمرض جلدي آخر.
فالخيام متلاصقة والأطفال يلعبون معاً طوال الوقت، لذلك ينتقل المرض بسرعة كبيرة، ولا أحد يستطيع السيطرة عليه".
ويشير اصليبي إلى أنّ العائلات تعيش حالة من الخوف والقلق، خصوصاً مع ضعف الخدمات الطبية، قائلاً: " إذا مرض طفل واحد في الخيمة، فمن الصعب ألا يصاب الجميع، مع عدم توفّر أماكن للعزل، ولا أدوية كافية، وحتى الوصول إلى المراكز الصحية يحتاج ساعات من الانتظار".
ويبيّن متخصّصون صحيون أنّ جدري الماء، على الرغم من كونه مرضاً السيطرة عليه ممكنة في الظروف الطبيعية، يتحوّل في بيئات النزوح إلى تهديد حقيقي، نظراً إلى سهولة انتقاله عبر الهواء أو الملامسة المباشرة، وصعوبة عزل المصابين في المخيمات، في غياب اللقاحات الدورية ونقص الأدوية.
ويقول الطبيب المتخصّص في الصحة العامة محمد حجيلة إنّ الانتشار المتسارع لجدري الماء في مخيمات النزوح لم يكن مفاجئاً، بل يُعَدّ نتيجة طبيعية للظروف الإنسانية والبيئية التي يعيشها النازحون منذ أشهر طويلة.
يضيف حجيلة لـ" العربي الجديد" أنّ" جدري الماء من الأمراض الفيروسية شديدة العدوى، وينتقل بسهولة عبر الرذاذ أو الملامسة المباشرة"، وبالتالي" عندما يعيش عشرات الأشخاص في مساحة ضيّقة في داخل خيام متلاصقة، فإنّ انتقال العدوى يصير أمراً شبه حتمي، خصوصاً بين الأطفال الذين يمثّلون النسبة الكبرى من سكان المخيمات".
ويشير حجيلة إلى أنّ المشكلة لا تقتصر على المرض بحدّ ذاته، بل تتعلّق بالبيئة التي تساعد في انتشاره، موضحاً أنّ" الاكتظاظ، ونقص المياه، وتراجع مستويات النظافة الشخصية، وتراكم النفايات، وانتشار الحشرات والقوارض، كلّها عوامل تسرّع انتقال الأمراض المعدية، ليس جدري الماء فحسب بل كذلك مختلف الأمراض الجلدية والمعوية والتنفسية".
ويؤكد أنّ استمرار هذه الظروف ينذر بتوسع رقعة الأمراض، قائلاً: " إذا لم تتحسّن الظروف البيئية والصحية بصورة عاجلة، من خلال توفير المياه النظيفة، وإزالة النفايات، وتحسين خدمات الصرف الصحي، وتعزيز الرعاية الصحية الأولية، فإنّ القطاع قد يشهد موجات متلاحقة من الأمراض المعدية يصعب احتواؤها، في ظلّ الضغط الهائل الذي تعانيه المنظومة الصحية".
في سياق متصل، يحذّر عاملون في القطاع الصحي من أنّ تفشّي جدري الماء ليس سوى مؤشّر جديد إلى حجم الانهيار الصحي والبيئي الذي يعيشه قطاع غزة، مؤكدين أنّ استمرار الظروف الحالية، من دون تحسين الخدمات، سوف يجعل المخيمات عرضة لموجات متتالية من الأمراض المعدية، بما يفاقم الأزمة الإنسانية التي يعيشها النازحون منذ أشهر طويلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك