تشهد منطقة «محيط الغسق» أو المنطقة الميزوبيلية، التي تبدأ عند عمق مائتي متر تحت سطح البحر، أكبر هجرة جماعية طبيعية للكائنات الحية على وجه الأرض بشكل يومي.
ومع حلول ظلام كل ليلة، ترتفع تريليونات المخلوقات البحرية الدقيقة، في مقدمتها العوالق الحيوانية وأسماك الفانوس، من الأعماق السحيقة نحو السطح للتغذي على العوالق النباتية التي تحتاج إلى ضوء الشمس للنمو، قبل أن تعود أدراجها إلى الظلام الدامس مع شروق الشمس هربًا من الحيوانات المفترسة التي تعتمد على الرؤية البصرية.
وتُعرف هذه الظاهرة علميًا باسم «الهجرة الرأسية اليومية»، وتقدر كتلتها الحيوية بنحو عشرة مليارات طن، وهو ما يمثل نحو 95% من إجمالي الكتلة الحيوية للأسماك في العالم.
وقد رصدت هذه الحركة لأول مرة خلال الحرب العالمية الثانية بواسطة أجهزة السونار التي استقبلت إشارات مرتدة متحركة، ظنَّ الفنيون حينها أن قاع البحر يتحرك صعودًا وهبوطًا، لتكشف الأبحاث لاحقًا عن وجود هذا المعبر الحيوي المزدحم بالكائنات المضيئة حيويًا.
ولا تقتصر أهمية هذه الهجرة على كونها ركيزة أساسية في الشبكة الغذائية البحرية التي تغذي الأسماك الكبيرة كالتونة وأبو سيف، بل إنها تؤدي دورًا مصيريًا في تنظيم مناخ كوكب الأرض.
وتسهم هذه الكائنات الصغيرة في نقل ما يصل إلى ستة مليارات طن من الكربون سنويًا من الطبقات السطحية إلى أعماق المحيطات، تجاوزًا لألف متر، وهو ما يعادل ضعف انبعاثات السيارات حول العالم، حيث يظل الكربون محبوسًا هناك قرونا طويلة بعيدًا عن الغلاف الجوي.
رغم هذه الأهمية البيئية الكبرى تواجه منطقة الغسق تهديدات متزايدة جراء التغير المناخي والاحتباس الحراري الذي يغير النطاقات الجغرافية للمخلوقات، بالإضافة إلى ذوبان الجليد البحري الذي يسمح لأشعة الشمس بالنفاذ لأعماق أكبر، ما يربك مواقيت الهجرة.
كما بدأت شركات الصيد التجاري في توجيه شباكها نحو هذه الأعماق، ما دفع الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة للمطالبة بوقف التوسع في صيد هذه الكائنات حتى يتم فهم هذه البيئة الحساسة بشكل كامل لحماية العمود المائي للمحيطات.
.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك