كلما قرّرت دولة عربية شن حملة لمكافحة الفساد، تنتشر آمال كبيرة لدى الشعوب العربية، وتأتي أصداؤها كما تقع البشرى على أسماع مواطنيها، لأنهم يعرفون أن السبب الأول لبؤسهم هو الفساد العصي على العلاج في العالم العربي.
وحين جاءت الأنباء على حملة" صولة الفجر" من العراق، زادت الآمال نتيجة المكانة التي يحظى بها هذا البلد، ونتيجة الموروث الشعبي لدى أبناء الشعوب العربية عن العراق الغني الذي كان يطعم من يقصده بعملٍ أو تجارةٍ أو حتى عِلم.
وبسبب تجذُّر الفساد فيه، فإن أي حملة من هذا النوع، قد ينظر إليها كثيرون من موقع المتشكك الذي يعرف كم تحتاج من جهد ومثابرة وقدرات، لكي تنجح في مواجهة طواغيت الفساد والسياسة والطائفية، المسيطرين على كل مفاصل الدولة، والمتورّطين بالفساد حتى النخاع.
لذلك، إن اعتماد استراتيجيات مختلفة عن المعهود في حملات كهذه، وحده كفيل بنجاحها، تبدأ بتدخل كل القوى الأمنية وحتى الجيش فيها، ولا تنتهي بإشراك المجتمع وقواه وأبناء الشعب فيها، حتى تصبح قضية رأي عام تثمر بعد أن يتبنّاها الجميع.
اعتدنا في العالم العربي عدم جدّية الحكومات في مهمة مكافحة الفساد، لأسباب كثيرة، لعل أهمها تلك العلاقة العضوية بين تضخم المؤسّسات الحكومية، وانتشار الفسادين، المالي والإداري فيها، وسيطرة أقطابه عليها.
وقد تجذَّر الفساد وتمأسس، حتى وصل إلى درجة من القوة، بات معها أكثر تأثيراً وفعالية من تلك الأجهزة في التحكّم بالبلاد، حين تحالفت معه رموز من الطبقات الحاكمة.
كذلك اتسعت الرقعة التي ينتشر فيها الفساد في قطاعات البلاد الاقتصادية أفقياً وعمودياً، حتى صار ثقافة مجتمعية، وحلت القوانين التي تفرضها شبكاته محل القوانين التي تدار بها البلدان.
وبذلك، أي محاولة لمكافحته والتخلص منه لن تؤتي ثمارها، إلا بعد مرور سنوات طويلة على أولى الخطوات الجدّية والناجحة لتلك المكافحة.
تخطى الفساد عبر السنوات التي تلت إطاحة صدّام حسن والاحتلال الأميركي للعراق كل المعقول، وفاقت وقائعه كل المؤشّرات في العالمومن شدة تجذُّر الفساد وقوته وقدرته على التحكم بالبلدان المُبتلاة به، تبيَّن أن حكاماً كثيرين يخشونه بعدما لمسوا بأياديهم مدى الخطورة التي يشكلها الاقتراب من معاقله، وعرفوا أنهم سيخوضون معركة خاسرة إن واجهوه بشكل غير جدّي، فيتركونه من دون مسٍّ، شرط عدم تهديد سلطتهم.
وقد قالها الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، صراحةً، بداية سنة 2018، حين أقر لهم بحرية العمل: " عارف الفاسد مين، عارفهم كويّس، لكن لأمانة المسؤولية، اللي هيقرَّب من الفاسدين من الكرسي دا، (ويقصد كرسي الرئاسة)، يحذر مني".
وفي هذا تشريعٌ لوجود الفاسدين، واعترافٌ صريحٌ بحقهم في الاستمرار بعملهم، شرط عدم الاقتراب من أركان السلطة وتهديد كرسي الرئاسة.
إلى متى يمكن السماح للفساد بأن يوصل البلدان العربية إلى حد الهلاك الاقتصادي والاجتماعي، ويفقر الشعوب ويدفع أبناءها إلى الهجرة والموت في طرقات اللجوء والنفي الطوعي، ويُفرِّغ المجتمع من قواه المدنية والعلمية؟ وهل يمكن للفساد الصمود أمام حملات جديدة يقودها القضاء، وتتسلّح فيها الحكومات بالقرار الجماعي، وتحشد لها قوى البلاد الأمنية والعسكرية والشعبية، لأن المعركة ضده توازي المعركة ضد أي عدوٍّ خارجي بسبب التهديد الذي يشكله؟ لقد جاء الجواب من العراق هذه المرّة، مع حملة" صولة الفجر" على ما أطلقوا عليها" شبكات الفساد".
وشرعت الحكومة بمعركتها ضد الفساد عبر حملة اعتقالات وضبط أموال، في 28 الشهر الماضي (يونيو/ حزيران)، طاولت عشرات المسؤولين المتّهمين بسرقة المال العام وتهريبه خارج البلاد.
وضمت لائحة المعتقلين الأولية أعضاء في البرلمان ومحافظين ومستشارين سابقين لدى الحكومة وزعماء أحزاب وسياسيين من الصف الأول، وغيرهم من معاونين ومرافقين ومتورّطين.
ولاقت الحملة التي يقودها القضاء ترحيباً شعبياً كبيراً، وأيدتها قوى سياسية ودينية، منها موقف الزعيم الشيعي، مقتدى الصدر، الذي أشاد بها، وموقف رئيس تيار الحكمة، عمار الحكيم، الإيجابي منها، كذلك استمدّت قوتها من توافق مجلس القضاء الأعلى ومجلس النواب ومجلس الوزراء على دعمها ومؤازرتها.
إذا ما استمرّت الحملة ضد الفساد في العراق، وبدت أنها ليست كيدية ستجد كثيرين ممن سيسارعون للتطوّع فيها من أجل إنجاحهاوقد تخطى الفساد عبر السنوات التي تلت إطاحة صدّام حسن والاحتلال الأميركي للعراق كل المعقول، وفاقت وقائعه كل المؤشّرات في العالم.
وسمعنا من قصص الفساد التي يحكيها أصدقاء عراقيون ما تشيب له الولدان.
لذلك لا يمكن استغراب ما كشفه القاضي منير حدّاد، الذي يشغل موقع المستشار القانوني لرئيس مجلس الوزراء العراقي، حين قال قبل أيام: " حجم الأموال المنهوبة من العراق منذ عام 2003 يتجاوز حاجز تريليوني دولار".
وهذه الأرقام معروفة لدى أبناء العراق وصحافته وقضائه، فكثيراً ما دفع الفساد مئات آلاف العراقيين إلى الخروج في تظاهرات غاضبة ضد الحكومات وأقطابها الذين ينهبون مقدَّرات البلاد، منها الاحتجاجات الدائمة على واقع الكهرباء الذي قيل إنه كلف الدولة أكثر من 25 مليار دولار من دون أي نتيجة.
وقبل حدّاد تحدث مصدر عراقي، في سبتمبر/ أيلول 2020، عن فضائح تتعلق بموافقات قدمتها الحكومات العراقية المتعاقبة، بعد الغزو الأميركي، لتمويل أكثر من ستة آلاف مشروع، 30% منها برعاية أميركية، ثم تبين أن جميعها مشروعات وهمية، ذهبت الأموال التي خُصصت لها، والمقدّرة بـ 178 مليار دولار، أدراج الرياح، مع العلم أن القضاء العراقي لم يشهد تسجيل أي قضيةٍ تستدعي التحقيق في أيٍّ من تلك المشروعات الوهمية.
ستكلف" صولة الفجر" لمكافحة الفساد في العراق مواطني البلاد وأجهزتها الأمنية وصحافتها وقضاءها جهداً كبيراً وتضحيات كثيرة، حتى تثمر تقويضاً لأسسه، مقدمةً من أجل التخلص منه.
أما إذا توقفت عند الحد الحالي المتعلق بمن وردت أسماؤهم في القائمة التي تَقدَّم بها عدنان الجميلي، وكيل وزارة النفط، المعتقل بسبب الفساد، والتي تضم 128 شخصاً متورّطين في قضايا فساد، وإهمال آخرين وقضايا أخرى، فإن الفساد سيعود ليصبح أكثر قوة في هذا البلد، كما جرى في كل زمان ومكان.
غير أن الحملة إذا ما استمرّت، وبدت أنها ليست كيدية، كما في حملات أخرى في دول عدة، فستجد كثيرين ممن سيسارعون للتطوّع فيها من أجل إنجاحها، كذلك ستجد أناساً ينصاعون للقضاء من تلقاء أنفسهم، بعد أن يعرفوا أن الأمر جدّيٌّ، وأنهم على قوائم الانتظار للاعتقال ليس إلا، مهما تأخّر الأمر أو ظنّوا أنفسهم سالمين بما اقترفوه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك