حظيت مجموعة من المؤلفات التي تناولت تجربة السجن باهتمام إعلامي واسع، خاصة تلك المرتبطة بحدث سياسي أو ملف قضائي أو شخصية مثيرة للجدل، على حساب القيمة الأدبية أو الفكرية، مثلما حدث مع الكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال عندما أصدر كتابه" الأسطورة" الشهر الماضي، وقبله الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي في كتابه" مذكرات سجين".
على الضفة الأخرى، توجد نصوص سجنية أكثر تعقيداً، مثل كتابات جان مارك رويان الذي اتهم بتمجيد الأعمال الإرهابية، بعد تصريحات وصف فيها منفذي هجمات باريس في 13 نوفمبر/ تشرين الثاني 2015 التي تبناها تنظيم داعش، بأنهم" شجعان" مع تأكيده في الوقت نفسه رفض أيديولوجيتهم، وحكم بسبب ذلك لمدة ثمانية أشهر، 3 سنوات فقط على خروجه منه بعد أن قضى فيه 25 سنة.
أودع جان مارك رويان السجن من عام 1987 إلى عام 2012 بسبب أنشطته داخل منظمة" العمل المباشر"، وكان كتاب" أنا أكره الصباحات" الذي صدر عام 2001، عن تجربة السجن، أول مؤلفاته.
وبحسب ناشريه فإنه كُتب لمقاومة التجريد البطيء من الإنسانية الذي يفرضه الاعتقال، وقد أعقبه بأكثر من 12 كتاباً تحكي عن تجربته الحركية والسياسية.
لا تعتمد نصوص رويان على حبكة سردية واضحة ولا على خطاب مباشر يمكن تسويقه بسهولة.
هذه الكتابات تقوم على اليوميات المتكسرة، والتأملات الطويلة في الزمن والجسد واللغة، وهي كتابة تتطلب قارئاً مستعداً للبطء والتأمل.
توجد نصوص سجنية أكثر تعقيداً، مثل كتابات جان مارك رويانيقول في كتابه" أكره الصباحات": " ها قد مرت أكثر من ثلاث عشرة سنة وأنا أدور في فلك أرقام السجون.
لقد نسيتُ الكثير.
نسيتُ معنى الليل؛ فالليل لا يحل أبداً في سجونكم.
نحن دائماً تحت أضواء الكشافات ذات الهالة البرتقالية، تماماً كما هو الحال في الطرق السريعة البلجيكية ومواقف السيارات في المتاجر الكبرى.
ونسيتُ الصمت؛ فالسجن لا يعرف الصمت أبداً، إذ يتدفق منه دائماً أنين، أو صرخة، أو ضجيج مبهم.
لم يعد هناك مشنوقون متدلون من أغصان الأشجار، فنحن نعيش في عصر الرأسمالية الديمقراطية، عصر التمثيل الأيديولوجي لـ" المنظومة غير القاتلة".
خلف الأسوار، يُغتال المرء بـ" حتمية" قانونية وإدارية.
يتم التخلص من غير المتوافق مع النظام.
يُذوّب في حمض الوقت، ويُقضى عليه تماماً كما تُباد البكتيريا".
رويان رغم استمراريته وعمق تجربته، لا يحتل موقع" النجم الثقافي" في السوق الأدبي، لأنه يفرض على القارئ الدخول في زمن آخر للقراءة ولا يقدّم سردية قابلة للاستهلاك السريع.
وأعماله رغم غناها، تبقى أقل حضوراً في الفضاء العام.
ويمكن ملاحظة انقسام واضح بين نوعين من الكتابة: نصوص تحظى بانتشار واسع لأنها مرتبطة بشخصيات سياسية أو قضايا قضائية مثيرة، ونصوص أخرى أكثر كثافة وتجريباً تبقى في الهامش.
هذه المفارقة تطرح سؤالاً أساسياً: لماذا لا تتصدر الكتابات الأكثر عمقاً واجهة المشهد الثقافي، بينما تهيمن الأعمال الأكثر" قابلية للتسويق"؟أصل القصة لا يقول هذه النتيجة حيث إن تتبع هذا النوع من الكتابات يوضح أنها حظيت بمنزلة مختلفة سابقاً، فالناقد الأميركي فيكتور برومبير في دراسته المعنونة بـ" السجن الرومانسي" حلل كيف تحولت صورة السجن في الأدب الفرنسي بعد دراسة أعمال فيكتور هوغو، وستاندال، وبلزاك، وغيرهم، ورأى أن هذا المكان في الأدب يخلق مساحة للتأمل وإعادة اكتشاف الذات، فالعزلة تمنح الشخصية فرصة للنظر إلى العالم من خارجه، ولذلك يتحول الحيز إلى مختبر فلسفي تتكشف فيه الأسئلة الكبرى حول الهوية، والعدالة، والكرامة، والزمن.
ومن هنا فإن أهمية أدب السجون تنبع من كونه يوثق تجربة الاعتقال، ويمنح هذه التجربة بعداً إنسانياً يتجاوز حدود المكان والحدث.
العزلة تمنح الشخصية فرصة للنظر إلى العالم من خارجهأما الكاتب والمؤرخ جان-مارك فارو الذي جمع في كتاب نصوصاً لشعراء وكتّاب عاشوا التجربة أو كتبوا من داخلها تحت عنوان" شعراء في السجن: من شارل دوق أورليان إلى جان جينيه"، فوجد أنه حين يُحرم الإنسان من الحركة، تصبح الكلمات هي المجال الوحيد الذي يستطيع أن يمارس فيه حريته، ولذلك تميل الكتابة السجنية إلى الاقتصاد في التعبير، وإلى التركيز الشديد، وإلى تحميل كل جملة كثافة شعورية وفكرية استثنائية ولهذا فإن كثيراً من النصوص التي وُلدت هناك تحتل مكانة بارزة في تاريخ الأدب، لأنها نتاج تجربة وجودية قصوى دفعت اللغة إلى حدودها.
الكاتب رينيه فريني الذي أمضى أكثر من عشرين عاماً متنقلاً بين السجون الفرنسية، حيث ينظّم ورشات للقراءة والكتابة للسجناء، لاحظ أنهم عندما يبدؤون الكتابة يتجاوزون الحديث عن ملفاتهم القضائية، ويمضون نحو أمهاتهم وطفولتهم، وأنهار القرى، وتجارب الحب، والذكريات التي تحاول القيود طمسها، ورصد في كتابه" دفاتر السجن، أو نسيان الأنهار" كيف تتحول الكتابة، في فضاء تحكمه العزلة والروتين والحرمان، إلى وسيلة لاستعادة الصوت الشخصي والذاكرة والكرامة.
فالكلمة، في نظره، ليست ترفاً ثقافياً، وإنما فعل مقاومة ضد محو الهوية الذي يفرضه الاعتقال.
إن البحث عن إجابة لسؤال تفضيل 'الخفة على العمق' في سوق النشر، من خلال العودة إلى أصل فكرة السجن، قد يمر عبر تحليل ميشيل فوكو؛ فهو لم يرَ في السجن مكاناً معزولاً، بل جزءاً من جهاز أوسع لإنتاج المعرفة والضبط.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك