تعكس البيانات الدورية الصادرة عن البورصة الإسبانية، تحوّلاً في المشهد الاقتصادي في البلاد، إذ تظهر أن مراكز الثقل الفعلي في الاقتصاد الإسباني لم تعد في مدريد أو برشلونة أو فالنسيا، كما كانت الحال لعقود طويلة، بل أصبحت خارج البلاد، حيث تشير البيانات إلى أن المستثمرين الأجانب يمتلكون اليوم الحصة الأكبر من إجمالي الأسهم المتداولة في السوق الإسبانية بنسبة تتجاوز 60% عند قياسها بالقيمة السوقية، ارتفاعاً من 40% إلى 45% منذ 10 سنوات، وهو ما يعكس توسّع الشركات الكبرى والأكثر قيمة في حيازاتها.
وبلغت القيمة السوقية للأوراق المالية الأجنبية في السوق الإسبانية حوالي 487.
4 مليار يورو بنهاية عام 2025، بزيادة 9.
51% عن عام 2024.
ويعكس هذا التحوّل البنيوي مدى تأثير المستثمر الأجنبي داخل السوق المالية الإسبانية، كذا تُظهر البيانات أن الشركات الإسبانية نفسها صارت أقل ارتباطاً باقتصادها المحلي.
ويبدو ذلك جلياً بالنظر إلى مؤشر" إيبكس 35"، وهو المؤشر الرئيسي لبورصة مدريد، ويضم أكبر 35 شركة إسبانية، إذ تحقق الشركات الإسبانية المدرجة في هذا المؤشر نسبة 65% من إيراداتها من الأسواق الخارجية.
يقول بيدرو بوليدو، أستاذ الاقتصاد في جامعة أوتونوما، والخبير في البورصة الإسبانية لـ" العربي الجديد"، إن" هذا المشهد في السوق الإسبانية يعكس مدى التراجع المثير للقلق في حضور المستثمر الإسباني، وهذا بدوره يعود إلى موجة انتهاء الخصخصة التي دفعت الكثير من الإسبان إلى دخول البورصة، ولكن مع تراجع جاذبية الاستثمار في الأسهم، وانفجار فقاعة شركات التكنولوجيا مطلع الألفية وخلال الأزمة المالية العالمية، تكبد هؤلاء خسائر كبيرة، فخرجوا من البورصة.
هنا وجدت الشركات العملاقة الفرصة مواتية لدخولها والسيطرة عليها".
ويتابع مؤكداً أن الشركات الإسبانية" ساهمت أيضاً في هذا التحول، لا سيما أنها اتبعت سياسة تقوم على تقليص تسويق أسهم العملاء، وترويج منتجات استثمارية تحقق لها عوائد أكبر".
بدوره، يرى الخبير الاقتصادي في الشركات الأوروبية خوسيه لوبا، في حديثه مع" العربي الجديد"، أن وجود المستثمر الأجنبي في إسبانيا له مزايا عديدة، إذ" يوفر زيادة في السيولة المالية، ومن شأنه أن يحسّن من معايير الحوكمة والجودة، ما يوفّر مصادر تمويل مستقرة للشركات، ناهيك عن رفع الجاذبية السوقية أمام رؤوس الأموال".
مع ذلك يحذر لوبا في الوقت نفسه من أن هذا التحول يحمل عواقب، فهو" يجعل هذه الشركات نفسها عرضة لتقلبات السوق، كما يؤدي إلى تراجع القدرة المحلية في السيطرة على القرارات الاستراتيجية في قطاعات حيوية، مثل الطاقة والمصارف.
وهو ما يحدث الآن في معظم الدول الأوروبية، ومنها إسبانيا".
وتظهر المؤشرات الهيكلية الأخيرة لبيانات الملكية في سوق الأسهم الإسبانية أن القوة الاستثمارية في السوق الإسبانية تتوزع بين ثلاثة مستثمرين عالميين كبار، تبلغ القيمة الإجمالية لمساهماتهم وحدها ما يقارب 113.
687 مليار يورو (129.
8 مليار دولار).
ويأتي في مقدمة هؤلاء المستثمرين شركة" بلاك روك" الأميركية التي تدير في إسبانيا استثمارات بقيمة 94 مليار يورو، منها 59 مليار يورو في سوق الأسهم، و20 ملياراً في الديون السيادية، و12 ملياراً في القروض المؤسسية، و3 مليارات أصول غير مدرجة (1.
08 دولار لكل يورو).
ويكاد يندر وجود أي شركة في مؤشر إيبكس 35 الإسباني لا تصل إليها هذه الشركة، إذ تساهم في بنوك ومؤسسات كبرى مثل" سانتاندير" و" BBVA"، فضلاً عن حصص في شركات" تلفونيكا" و" ريبسول".
ويأتي صندوق" فانغارد" الأميركي في المرتبة الثانية، إذ يدير أصولاً عالمية بقيمة 12 تريليون دولار حول العالم، ويمتلك في إسبانيا حصصاً في بنك سانتاندير تصل إلى 6.
1%، ونسبة 4.
75% من شركة إيبردولا للطاقة، إضافة إلى شركات أخرى متنوعة.
أما المستثمر الثالث فهو" الصندوق السيادي النرويجي"، الذي يبرز بوصفه قوة هائلة بأصول تبلغ 2.
2 تريليون دولار، إذ وسع في العقد الأخير استثماراته داخل الشركات الإسبانية، ضمن استراتيجية طويلة الأمد تقوم على أساس معايير صارمة في الحوكمة والاستدامة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك