عندما قرأت خبر حصول نبيل فهمي على الإجماع العربي لترؤس جامعة الدول العربية خلفاً لأحمد أبو الغيط، عاد بي التفكير إلى سؤال ظل يلاحقني منذ سنوات: لماذا نحتفل بتعيين أمين عام جديد في مؤسسة يعرف كل متابع لها أنها “مهندسة” لعدم الإنجاز؟لا أقصد هنا التقليل من فهمي شخصياً، فسيرته الدبلوماسية تتحدث عن رجل عمل في ظروف معقدة.
لكن المشكلة ليست في الأشخاص الذين يتولون المنصب، بل في البنية التي يدخلونها.
منصب بروتوكولي في “نادٍ للحكام”منذ تأسيس الجامعة عام 1945، تعاقب على منصب الأمين العام ثمانية أمناء، سبعة منهم مصريون وتونسي واحد فقط.
هذا العرف الدبلوماسي غير القانوني يقول شيئاً عن طبيعة المؤسسة قبل أن نقول أي شيء آخر.
يصف مراقبون المنصب بأنه “بروتوكولي يفتقر لأدوات السلطة الفعلية”، والجامعة نفسها بأنها “نادٍ للحكام العرب” لا يمثل الشعوب.
هذه التوصيفات، التي تتردد في أروقة الدبلوماسية العربية، ليست مجرد تشاؤم عابر، بل هي تشخيص دقيق لمؤسسة فقدت القدرة على التأثير في معادلات الإقليم منذ عقود.
“من الظلم الحكم على أبو الغيط”يقول الكاتب الصحفي يحيى غانم شيئاً يستحق التوقف عنده: “من الظلم الحكم على أبو الغيط ومحاولة استكشاف إنجازاته في منظمة إقليمية تمت هندستها بحيث يكون من الصعب والمستحيل أن تتوافر لديها أية إنجازات”.
هذه المقولة تلخص مأزق الجامعة.
تميزت السنوات الأخيرة بعدم وجود مشاريع تنموية عربية مشتركة أو سياسة موحدة، في ظل تهديدات إقليمية ودولية وضعت العالم العربي في بؤرة الحدث.
الجامعة التي تأسست لحماية مصالح الأمة العربية، باتت عاجزة عن حتى بلورة موقف جماعي في الأزمات التي تمس أعضاءها.
يعاني ميثاق الجامعة العربية من عيب هيكلي جوهري يتمثل في نظام التصويت بالإجماع.
المادة السابعة من الميثاق تنص على أن ما يقره المجلس بالإجماع يكون ملزماً لجميع الدول الأعضاء، وأما ما يقره بالأكثرية فيكون ملزماً لمن يقبله فقط.
هذا النظام يمنح كل دولة حق الفيتو، ويحول دون اتخاذ أي قرار حاسم في الأوقات الحرجة.
الدكتورة الشيماء إبراهيم، الأستاذة في كلية السياسة والاقتصاد بجامعة بني سويف، ترى أن هذا الشرط “كفيل وحده بتعطيل أي قرارات قد تنتهي إليها الجامعة”.
وتضيف أن الميثاق الحالي “لا يتماشى مع التحديات القائمة على الساحة العربية، ولا يمنح الجامعة أي آليات مُلزمة لتنفيذ قراراتها”.
مليار ونصف دولار من دون عائدتُقدر المخصصات التي رُصدت لميزانية الجامعة ومنظماتها الفرعية بنحو مليار ونصف مليار دولار على مدار الخمسة عشر سنة الماضية.
جزء كبير من هذه الأموال يُنفق على منظمات تابعة للجامعة، من بينها خمس وعشرون بعثة ومكتباً في الخارج يستنزف ما يوازي ثلث الميزانية، دون أن تلعب تلك المنظمات أي دور مشهود في متطلبات العمل العربي المشترك.
في قمة الجزائر عام 2022، أُدرج ملف إصلاح الجامعة في الأجندة للمرة الأولى بشكل رسمي.
لكن التوقعات كانت محدودة، إذ رجح محللون أن يكون الإصلاح “بحد أدنى”، وأن تظل قضايا جوهرية مثل تدوير منصب الأمين العام وإلغاء نظام الإجماع “محط خلافات”.
في مقابلة مع الجزيرة نت، شدد نبيل فهمي على أن “الأمن القومي العربي يتطلب استعداداً”.
لكنه لم يُعلن عن رؤية إصلاحية جذرية للمؤسسة التي يتولى قيادتها.
الجامعة العربية، في النهاية، مرآة تنعكس عليها طبيعة العلاقات العربية والإرادة العربية.
طالما بقيت الدول الأعضاء تفضل المصالح القطرية الضيقة على المصالح الجماعية، وطالما بقي ميثاقها يمنح كل دولة حق الاعتراض على أي قرار، سيظل تغيير الوجه في قمة هرمها مجرد تبديل للكراسي في قاعة اجتماعات فارغة.
التعيين الجديد قد يكون محاولة لإعادة تلميع صورة مؤسسة في حالة “موت سريري”، لكن دون إصلاحات هيكلية حقيقية، يبقى المستقبل مرهوناً بالعرف نفسه: منصب بروتوكولي في جامعة لم تتجاوز حدود التوصيات غير الملزمة.
د.
عوض النقر بابكر محمد- السعودية- الرياض-966537626864.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك