أحيانا، وأنا أمشي في شوارع غزة المنهكة وسط الركام، تصفعني فكرة غريبة وتترك في حلقي غصة؛ أشعر بالخجل الشديد لمجرد أنني أقوم بشيء" عادي".
أقف لأشتري شيئا، أو أمشي بخطى رتيبة، فأتساءل في نفسي: هل نحن حقا أمة واحدة؟ كيف تمضي الحياة في حواضر العرب والمسلمين بكل هذه" العادية" والبرودة، بينما نُسحق نحن هنا تحت أطنان البارود والخذلان؟ وكأن شيئا لم يحدث!وسط هذه العتمة، ثمة شيء تغير إلى الأبد.
نحن اليوم نرى سوريا تتنفس أخيرا عبير التحرر، وتنفض عن كاهلها غبار الطغيان، لندرك يقينا أن الدماء لا تذهب سدىبين ركام غزة وذاكرة الخذلانلا أخفيكم، هذا الوجع ليس جديدا علي.
قبل أكثر من عقد من الزمان، كنت أختبر هذا الإحساس القاسي ذاته، ولم أكد أفقده يوما.
كنت أرى شلالات الدم تتدفق في سوريا؛ في الغوطة، وحلب، وإدلب.
كانت المجازر تُرتكب هناك على الهواء مباشرة، بينما كانت حياتنا" العادية" هنا وفي بقية العواصم مستمرة ومملة، بائسة في اعتياديتها.
اليوم، دارت الأيام دورتها، وتنثر أشلاؤنا نحن في أزقة غزة.
بات النظام العالمي، بل وحتى ذوو القربى، يتعاملون مع فواجعنا كشريط إخباري باهت يمر أسفل الشاشات، لا يحرك فيهم ساكنا ولا يكسر فيهم إلف الحياة.
لكن الألم المتراكم، حين يبلغ ذروته، لا يصبح يأسا، بل يصبح زلزالا.
الطوفان.
نقطة الصفر نحو الخلاصوسط هذه العتمة، ثمة شيء تغير إلى الأبد.
نحن اليوم نرى سوريا تتنفس أخيرا عبير التحرر، وتنفض عن كاهلها غبار الطغيان، لندرك يقينا أن الدماء لا تذهب سدى، وأن ليل الظالمين مهما طال فلا بد أن ينجلي.
وهنا في غزة، من قلب المذبحة، نوقن أن معركة" طوفان الأقصى" لم تكن مجرد جولة تصعيد عابرة، بل كانت نقطة الصفر الفعلية لمشروع التحرير الشامل.
لقد كان الطوفان زلزالا كسر أوهام المحتل المزعومة، وأعاد للقضية بوصلتها، وأيقظ في وجدان الأمة حساسية كانت تتبلد، مبشرا بمرحلة خلاص كبرى بدأت ملامحها تتشكل، تماما كما تشكلت بشائر الفجر في دمشق.
فضيلة الخجل في زمن التبلدبالعودة إلى شعوري بالخجل من ممارسة" الحياة العادية"، أقولها بصدق: لم أندم يوما على هذا الشعور.
نعم، نحن محاصرون بعجز ثقيل عن إيقاف آلة البطش، لكنه عجز يخص الجيوش المكبلة والمنظومات السياسية المترهلة، وليس عجزا إنسانيا أو شللا في الإرادة يمنعنا نحن من العمل.
يفرض علينا الواقع أن نستمر في تفاصيل حياتنا لضمان البقاء، هذا مفهوم.
لكن الكارثة تبدأ حين ننزلق إلى حياة اللهو والترف والانبساط العبثي الذي يقتل فينا الإحساس ويميت غيرة الانتماء.
حين تتساوى في قلبك مشاهد الإبادة مع يوميات الحياة العادية، فتلك هزيمة لا يصنعها عدو، بل تصنعها اللامبالاة.
صدقوني، هذا الخجل الذي يكوي صدورنا ليس ضعفا، بل هو دليل قاطع على أن ضمائرنا لم تتعفن بعد، وأن في الجسد حياة تُرجى.
الفجر الذي أشرق في دمشق، والذي انطلقت شرارته الكبرى من طوفان غزة، لن يكتمل بالأمنيات، بل سيكتمل بأيدي من يرفضون أن يعتادوا على الخذلانأن نحفر في الصخر.
تمعُر الوجوه للهما المطلوب إذن؟ المطلوب منا – نحن الذين ندفع ضريبة الطوفان ونرى خذلان العالم بأعيننا – أن نحيل هذا الخجل إلى طاقة عمل.
علينا أن نبذر بذور الوعي من جديد، وأن نلتفت بجدية ومسؤولية لمعالجة أمراضنا الفكرية والتربوية والاجتماعية التي أوصلت أمتنا إلى هذا القاع؛ من إعادة بناء منظومة القيم في النشء، إلى تجذير الهوية والانتماء في الأجيال القادمة، إلى رفع سقف الوعي السياسي في المجتمعات التي طالما آثرت الصمت.
علينا أن نحفر في الصخر بأظافرنا إن لزم الأمر.
اجعلوا من شعوركم بالعجز وخجلكم من التقصير زادا حقيقيا لمشروع البناء.
إياكم أن تفقدوا هذه اليقظة؛ حافظوا على مشاعر الخجل، وحافظوا على" تمعُر" وجوهكم غضبا لله وغيرة على دماء الأمة ومقدساتها.
الفجر الذي أشرق في دمشق، والذي انطلقت شرارته الكبرى من طوفان غزة، لن يكتمل بالأمنيات، بل سيكتمل بأيدي من يرفضون أن يعتادوا على الخذلان.
هذا المشروع الذي نستميت من أجله قد لا يوقف المذابح اليوم، لكنه محاولتنا الصادقة لتغيير واقعنا المتردي، وحجتنا التي نرجو أن نقف بها أمام الله.
إن الأمم لا تُهزم حين تُقصف، بل حين تنسى أن تخجل.
وما دام في قلوبنا هذا الجمر الحي، فلن ننهزم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك