أخيراً، ظهر الصحافي حيدر قنديل بعد ثلاثة أسابيع من الاختفاء داخل إحدى الجهات الأمنية المصرية، منهياً مرحلة من الغموض أحاطت بمصيره منذ انقطع الاتصال به في 22 يونيو/حزيران الماضي، عقب خروجه من مقر عمله في صحيفة الدستور، التابعة لمجموعة المتحدة للخدمات الإعلامية، لكن ظهوره لم ينهِ القضية، إذ لا يزال محتجزاً من دون عرضه على أي جهة تحقيق، ولم تعلن السلطات رسمياً أسباب احتجازه أو وضعه القانوني، فيما تواصل نقابة الصحافيين اتصالاتها مع الجهات المعنية، سعياً إلى الإفراج عنه، بحسب مصادر نقابية تحدثت إلى" العربي الجديد".
وكان اختفاء قنديل قد أثار قلقاً واسعاً داخل الأوساط الصحافية والحقوقية، بعدما رجّحت أسرته وأعضاء في مجلس نقابة الصحافيين توقيفه، قبل انضمام منظمات حقوقية محلية ودولية، من بينها لجنة حماية الصحافيين، إلى المطالب بالكشف عن مكان وجوده وضمان حقوقه القانونية.
وتزامن تطور القضية مع دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي، مطلع الأسبوع الحالي، إلى فتح المجال العام وتعزيز حرية التعبير، عبر إطلاق مؤتمر سنوي للحوار الإعلامي يُعقد للمرة الأولى في الثالث من ديسمبر/كانون الأول المقبل.
ورأت نقابة الصحافيين في هذه الدعوة فرصة لإعادة طرح الملف الذي تعتبره المدخل الحقيقي لأي إصلاح إعلامي، وهو إنهاء حبس الصحافيين وسجناء الرأي.
وبحسب مصدر في النقابة، فإن الجهود الحالية لا تقتصر على السعي للإفراج عن قنديل، بل تأتي ضمن تحرك أوسع يستهدف إطلاق سراح جميع الصحافيين والمتهمين في قضايا الرأي، وإنهاء سياسة" الاتهامات الفضفاضة التي جعلت العمل الصحافي محفوفاً بمخاطر الملاحقة الأمنية".
وقال المصدر الذي فضل عدم الكشف عن اسمه، لـ" العربي الجديد"، إن النقابة ترى أن أي حديث عن إصلاح الإعلام سيظل ناقصاً ما لم يُقترن بضمانات حقيقية لحرية الصحافيين، مشيراً إلى أن الدعوة الرئاسية أعادت فتح النقاش حول العلاقة بين إصلاح المؤسسات الإعلامية وإصلاح البيئة القانونية التي يعمل فيها الصحافيون، باعتبار أن حرية المهنة تسبق الحديث عن تطويرها.
وفي هذا السياق، رحّب نقيب الصحافيين خالد البلشي بالدعوة الرئاسية، وأكد استعداد النقابة للتعاون مع وزارة الدولة للإعلام وسائر مؤسسات الدولة في أي جهد يستهدف إصلاح المنظومة الإعلامية، لكنه شدد، في الوقت نفسه، على أن الإفراج عن جميع الصحافيين المحبوسين، وإنهاء الحبس في قضايا الرأي، وتهيئة بيئة قانونية تضمن حرية العمل الصحافي، تمثل شروطاً أساسية لأي إصلاح حقيقي.
جاء موقف النقابة في وقت بدأت فيه الدولة إحياء ملف الإعلام على نحو غير مسبوق منذ سنوات.
ورصدت" العربي الجديد" خلال الأيام الماضية تحركات رسمية لإعادة ترتيب المنظومة الإعلامية، تجلّت في اجتماع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي مع وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان لبحث تصور لتطوير القطاع، وذلك بعد إعلان السيسي عن المؤتمر المخصص للإعلام، لكن بينما انصبّ الاهتمام الرسمي على مستقبل الإعلام ومؤسساته، أعادت نقابة الصحافيين توجيه النقاش إلى البيئة التي يُنتج فيها الإعلام.
فمن وجهة نظرها، لا يمكن فصل تطوير المؤسسات عن أوضاع العاملين فيها، ولا يبدأ الإصلاح بإعادة هيكلة القطاع أو عقد المؤتمرات، بل بضمان قدرة الصحافي على ممارسة عمله من دون خوف من الملاحقة أو الحبس.
ولهذا، لم يقتصر بيان البلشي على الترحيب بالدعوة الرئاسية، بل تضمن قائمة مطالب اعتبرتها النقابة الأساس الذي ينبغي أن يُبنى عليه أي مشروع لإصلاح الإعلام.
وفي مقدمة هذه المطالب الإفراج عن جميع الصحافيين المحبوسين، وإنهاء الحبس في قضايا الرأي، إلى جانب إصدار قانون لحرية تداول المعلومات، تنفيذاً للمادة الـ68 من الدستور، وإلغاء العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر وفق المادة الـ71، ومراجعة التشريعات المنظمة للصحافة والإعلام، ورفع الحجب عن المواقع الصحافية، وإنهاء القيود المفروضة على إصدار الصحف والمنصات الإلكترونية، ومواجهة الاحتكار الذي يحد من التعددية داخل السوق الإعلامية.
بالتوازي مع تحركات النقابة، جدّد الأمين العام لحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، مدحت الزاهد، في حديث لـ" العربي الجديد"، دعوته إلى" تبييض السجون من أصحاب الرأي"، معتبراً أن أي حديث عن إصلاح سياسي أو إعلامي سيظل منقوصاً ما لم يُغلق هذا الملف.
وفي الاتجاه نفسه، رأى أمين التيار المدني، أحمد بهاء الدين شعبان، أن الدعوة إلى إصلاح الإعلام تضع السلطات أمام اختبار عملي، قائلاً لـ" العربي الجديد": " هل تستطيع الدولة أن تطلب من الإعلام أن يكون أكثر حيوية وتعدداً بينما يظل جزء من العاملين فيه خارج المشهد؟ وهل يصبح مؤتمر ديسمبر محطة لتغيير حقيقي في البيئة الإعلامية، أم يقتصر على مناقشة شكل الإعلام من دون معالجة أحد أكثر ملفاته حساسية؟ ".
هذا الملف تحديداً شهد تطوراً الشهر الماضي مع الإفراج عن الصحافي محمد إبراهيم، المعروف بـ" محمد أكسجين"، إلى جانب الناشط السياسي شريف الروبي.
في المقابل، لا يزال صحافيون خلف القضبان، بينهم مدحت رمضان المحتجز منذ عام 2020، والمصور الصحافي حمدي الزعيم المحبوس منذ 2020، ورسام الكاريكاتير أشرف عمر المحبوس منذ 2024.
ولا تقتصر المطالب بالإفراج على أعضاء نقابة الصحافيين، فالقوائم التي ترفعها قوى سياسية ومنظمات حقوقية تشمل أيضاً عدداً من الأكاديميين والكتّاب وأصحاب الرأي، ومن أبرزهم الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق، والكاتب والسياسي يحيى حسين عبد الهادي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك