نواكشوط –«القدس العربي»: في تطور مرشح لإضافة المزيد من التعقيد إلى المشهد السياسي والقضائي في موريتانيا، أصدرت محكمة الاستئناف حكمًا يقضي بسجن نائبتين معارضتين وتجريدهما من الحقوق السياسية، في قضية تحولت من ملف قضائي إلى عنوان جديد للصراع بين السلطة والمعارضة حول استقلال القضاء وحدود الحصانة البرلمانية.
ويأتي الحكم في وقت تتشابك فيه رهانات الحوار السياسي مع مطالب المعارضة بضمان الحريات العامة، ما دفع الأخيرة إلى اعتبار القرار «سابقة خطيرة» تضرب الحصانة البرلمانية وتمثل رسالة سياسية تتجاوز حدود النزاع القضائي، بينما يتابع المهتمون بهذا الملف انعكاسات هذه القضية على مناخ الثقة الضروري لإنجاح أي مسار توافقي في البلاد.
والظاهر أن الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف في نواكشوط لم يكن مجرد تعديل لعقوبة سالبة للحرية، بل حمل في طياته أبعادًا سياسية ودستورية تتجاوز الملف الجنائي نفسه.
فبينما خففت المحكمة العقوبة السجنية بحق النائبتين مريم الشيخ وقامو عاشور من أربع سنوات إلى سنتين نافذتين، أضافت بعدًا أكثر تأثيرًا بإقرار حرمانهما من الحقوق السياسية والمدنية لمدة خمس سنوات، وهو ما ينذر بانتقال القضية من أروقة المحاكم إلى قلب الجدل السياسي والدستوري في البلاد.
ويكرس الحكم، الذي صدر أمس، مرحلة جديدة في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة، بعد أن كانت النيابة العامة قد أحالت النائبتين، المنتميتين إلى حركة «إيرا» والمنتخبتين عبر حزب الصواب، إلى القضاء وفق مسطرة التلبس، بتهم شملت المساس بالرموز الوطنية، ونشر خطاب عنصري، والتحريض على العنف والإخلال بالأمن العام عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ورغم أن محكمة الاستئناف خففت العقوبة السالبة للحرية، فإنها أبقت على جوهر الإدانة، كما ثبتت العقوبات التبعية التي تمس مستقبلهما السياسي، وفي مقدمتها الحرمان من الحقوق المدنية والسياسية، إلى جانب مصادرة الهواتف والوسائط الإلكترونية المستخدمة في النشر، وإزالة المحتويات الرقمية محل المتابعة، واتخاذ الإجراءات القانونية لإغلاق الحسابات والصفحات المرتبطة بها.
ولم يحضر فريق الدفاع جلسة النطق بالحكم، بعدما أعلن مسبقًا مقاطعته جلسات المحاكمة، في خطوة تعكس حجم الخلاف القانوني الذي طبع مجريات القضية منذ بدايتها.
وما يمنح هذا الحكم ثقله ليس فقط طبيعته القضائية، وإنما كونه يتعلق بنائبتين تتمتعان، بحسب المعارضة، بحصانة برلمانية، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة النقاش حول العلاقة بين السلطة القضائية والسلطة التشريعية، وحدود تطبيق مسطرة التلبس على البرلمانيين.
وفي هذا السياق، اعتبر رئيس حركة «إيرا» النائب بيرام الداه اعبيد أن الحكم يكشف، بحسب وصفه، عن غياب استقلال السلطات، معلنًا بدء سلسلة من المعارك القضائية للطعن في الإجراءات التي رافقت الملف.
كما وصف القضية بأنها سابقة في التاريخ السياسي الموريتاني، معتبرا أنها المرة الأولى التي يفقد فيها نائب معارض حقوقه المدنية والسياسية منذ انطلاق التعددية الديمقراطية سنة 1992.
ويستند هذا الطرح إلى اعتبار أن الحصانة البرلمانية لم ترفع قبل متابعة النائبتين، وهو ما يراه دفاعهما وأنصاره إخلالًا بالضمانات الدستورية والإجرائية.
ولم يقتصر الاعتراض على حركة «إيرا»، إذ سارعت الكتل البرلمانية المعارضة إلى إصدار بيان مشترك وصفت فيه الحكم بأنه يتجاوز الأثر الجنائي إلى المساس بجوهر الشرعية الدستورية.
وترى هذه الكتل أن المحكمة لم تأخذ بعين الاعتبار الدفوع المتعلقة بالمادة 50 من الدستور، والمادة 85 من النظام الداخلي للبرلمان، إضافة إلى ما تعتبره مقتضيات خاصة بالجرائم السيبرانية تستوجب خبرة فنية وتحقيقًا قضائيًا قبل الإحالة إلى المحاكمة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بنواب يتمتعون بالحصانة.
كما اعتبرت الكتل البرلمانية المعارضة، أن القرار قد يفتح الباب أمام اختلال في مبدأ الفصل بين السلطات إذا لم تتم مراجعته من قبل المحكمة العليا، التي علقت عليها المعارضة آمالها لإعادة النظر في الحكم وما ترتب عليه من آثار سياسية ودستورية.
وفي المقابل، يعكس الحكم استمرار توجه السلطات القضائية نحو التعامل بحزم مع القضايا المرتبطة بخطاب الكراهية والتحريض عبر المنصات الرقمية، وهي السياسة التي برزت خلال السنوات الأخيرة مع تشديد المتابعات المتعلقة بالمحتوى الإلكتروني، خاصة عندما تعتبره النيابة العامة مهددًا للسلم الأهلي أو للوحدة الوطنية.
ومن هذه الزاوية، قد يُقرأ تخفيف العقوبة السجنية باعتباره استجابة جزئية لاعتبارات التناسب، بينما يمثل الإبقاء على العقوبات السياسية والقانونية رسالة تؤكد تمسك القضاء بالإدانة وبخطورة الأفعال التي بُنيت عليها المتابعة.
المحكمة العليا أمام اختبارومن المرجح أن تنتقل المواجهة القانونية إلى المحكمة العليا، التي ستكون مطالبة بالفصل في طعون تمس قضايا تتجاوز الوقائع الجنائية إلى أسئلة دستورية أكثر تعقيدًا، من بينها حدود الحصانة البرلمانية، وشروط تطبيق مسطرة التلبس على النواب، والعلاقة بين حرية التعبير وتجريم خطاب الكراهية والتحريض، فضلاً عن مدى جواز إسقاط الحقوق السياسية عن نائب منتخب قبل استنفاد جميع درجات التقاضي.
وبذلك، لم ينه حكم الاستئناف الجدل، بل أعاد تشكيله في صورة أكثر تعقيدًا؛ إذ خفف سنوات السجن، لكنه رفع منسوب النقاش السياسي والدستوري حول استقلال السلطات، وحدود الحصانة البرلمانية، والتوازن بين حماية النظام العام وصون الحقوق السياسية، وهي ملفات مرشحة للبقاء في واجهة المشهد الموريتاني خلال المرحلة المقبلة، مع انتظار الكلمة الأخيرة للمحكمة العليا.
وفي خضم الجدل الذي أثاره الحكم، برزت قراءات قانونية مختلفة بشأن مدى تأثيره على الوضعية البرلمانية للنائبتين مريم الشيخ وقامو عاشور.
ويرى المحامي يعقوب السيف أن الحكم، إذا أصبح نهائيًا، يفتح المسطرة القانونية المؤدية إلى فقدان العضوية البرلمانية، مستندًا إلى المادة (7) من القانون النظامي المتعلق بانتخاب النواب، التي تنص على أن المجلس الدستوري هو الجهة المختصة بتأكيد فقدان الصفة النيابية في حالة صدور إدانة لاحقة على الانتخاب، وذلك بناءً على طلب من النيابة العامة لدى المحكمة التي أصدرت الحكم.
وبحسب هذا التفسير، فإن إعلان المجلس الدستوري فقدان الصفة النيابية يسبق مباشرة استكمال الإجراءات داخل الجمعية الوطنية، حيث يُبلَّغ رئيس البرلمان بالقرار، قبل إشعار اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات لاتخاذ الإجراءات المتعلقة بشغل المقعدين، وفق مقتضيات المادة التاسعة من النظام الداخلي للجمعية الوطنيةورغم أن الحكم تضمن الحرمان من الحقوق السياسية والمدنية لمدة خمس سنوات، فإن ذلك لا يعني، من الناحية القانونية، فقدان النائبتين مريم الشيخ وقامو عاشور لعضويتهما في البرلمان بصورة تلقائية، حسبما أكده أستاذ القانون الدستوري بجامعة نواكشوط، الدكتور محمد عبد الجليل يحي، الذي أكد في تعليق له على الحكم «أن الحرمان من الحقوق السياسية والمدنية يعد من أبرز الأسباب التي قد تؤدي إلى زوال أهلية النائب للاستمرار في عضوية البرلمان، غير أن هذا الأثر لا يتحقق بمجرد صدور حكم محكمة الاستئناف».
وأوضح أن إسقاط المقعد البرلماني يظل رهينًا باستنفاد جميع درجات التقاضي، ثم استكمال المسطرة الدستورية المنصوص عليها، باعتبار أن المجلس الدستوري هو الجهة صاحبة الاختصاص في البت في استحقاق المقعد البرلماني، وليس محكمة الاستئناف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك