من المؤكد أن السينمائى النيويوركى مارتن سكورسيزى، الذى يعتبر اليوم «أكبر مخرج هوليوودى حى»، لم يكن يمزح ولا يشاكس ولا يحاول أن يشتم، حين أبرز على ملصق واحد من أهم أفلامه عبارة فحواها أن «أمريكا قد وُلدت فى الشارع».
كان ذلك بالنسبة إلى فيلمه التاريخى المدهش، «عصابات نيويورك»، الذى أوصل التاريخ الأمريكى على شاشات الفن السابع إلى سابقة لا تضاهى.
وأثبت بالصوت والصورة أن تلك الأمة التى كانت من أوائل الأمم التى نالت استقلالها فى التاريخ الحديث، إنما وُلدت حقًا فى الشارع، وفى الشارع بالمعنى الابتذالى للكلمة، وكان أبناء ذلك الشارع «الزعران» قابلتها القانونية.
فهل معنى ذلك أن أمريكا تلك، وأمريكا الحقيقية بالتالى، المنشغلة فى أيامنا هذه وسط أحداث مدوخة وحروب رهيبة وقلق سياسى مريع، تحتفل بتلك الولادة فى ذكراها الـ250، مصرة على أنها لا تزال فى الشارع، بكل معانى الكلمة؟ ويقينًا أننا لسنا، فى زمن رئيسها دونالد ترامب، فى حاجة إلى أى تعداد للبرهنة على ذلك.
لكننا فى حاجة بالتأكيد إلى التذكير بما لم يكن ليدور فى البال حين تحقق ذلك الاستقلال قبل ربع ألفية على يد الرئيس المؤسس، جورج واشنطن، والتساؤل عن الذى حدث حقًا طوال ذلك الحيز الزمنى، بحيث بات تاريخ أمريكا، وأكثر من أى تاريخ آخر، مدونًا على شاشات السينما بأكثر مما يفعل فى أى مكان آخر، وبأكثر مما يحدث بالنسبة إلى أية أمة أخرى؟فالواقع أن الربط بين التاريخ الأمريكى، الاستقلالى على الأقل، والشاشة السينمائية، يتميز بفرادة مدهشة فى مسرى الحكاية الأمريكية.
وربما لهذا السبب يمكن القول، دون لف أو دوران، إن مئات الملايين من رواد السينما، وفى شتى أنحاء العالم بالتأكيد، طوال القرن العشرين وعقود بعد انتهاء هذا القرن، يعرفون التاريخ الأمريكى بأكثر مما يعرفون تاريخ بلدهم.
ويشمل هذا الكلام حتى الشعوب العربية الملتفة من حول السينما المصرية عادة، وشعوب المكسيك والهند بين شعوب أخرى.
ومن الواضح أننا نخص فى حديثنا هذه الشعوب باعتبارها من أكثر شعوب العالم إنتاجًا للأفلام ونشرًا لثقافة الفرجة السينمائية، بحيث ليس ثمة مثلها من يضاهى السينما الأمريكية، من ناحية الكم على الأقل، وهى بالتالى شعوب كان، وربما لا يزال، للسينما فى حياتها اليومية مكان أثير، رغم تضاؤل عدد صالاتها، فالتلفزة هناك تمارس اللعبة نفسها، ومن بعد التلفزة وسائل بث للشرائط لا تهدأ طوال ساعات وساعات، كل يوم وكل حين.
والحقيقة أننا مهما تحدثنا عن هوليوود بكونها مصنع أحلام تجتذب زبائنها، أمريكيين وغير أمريكيين، نحو موضوعات تغيبهم عن واقعهم، فإننا، ولفترة بسيطة، سنجد أنفسنا دائمًا أمام كم هائل من أفلام تقول كل ما تريد أن تقوله حول «التاريخ الأمريكى» مرميًا على الشاشة: حروب أمريكا، رؤساء أمريكا، انتصارات أمريكا، خيبات أمريكا، وحتى الصراعات الطبقية فى أمريكا، دون أن ننسى تفرد الأمريكيين بفرعنة القارة وغزوهم للغرب وتبجيلهم حتى للجريمة المنظمة، والتغلغل داخل البيئات العائلية، سواء مباشرة عن طريق الموضوعات العائلية، أو من طريق تلك التى تصور كنايات عن العائلة والسلطة وما شابه ذلك فى الواقع الأمريكى (وفى انتظار تفصيل أكثر وضوحًا حول هذا الأمر، لنتذكر مثلًا فيلم «العراب»، الذى يعكس تلك العلاقة بين العائلة والسلطة والسياسة والجريمة المنظمة، تصورًا سنعود إليه فى حلقة مقبلة من هذه السلسلة على أية حال).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك