بدأ مشروع مدارس الأحد فى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية قبل أكثر من مئة عام، وتحديدًا فى عام 1918، على يد أحد أهم رموز النهضة القبطية فى القرن العشرين، الأستاذ حبيب جرجس.
رأى الأستاذ جرجس أن التعليم الدينى داخل الكنيسة القبطية لا يولى الاهتمام الكافى بالفئات العمرية الأصغر سنًّا، وأن هناك ضرورة لإنشاء فصول داخل الكنيسة بهدف تنشئة جيل مسيحى يقرأ الكتاب المقدس، ويعيش وفقًا للقيم الدينية المسيحية منذ الصغر.
جاءت أهمية مشروع حبيب جرجس فى ظل إهمال مادة الدين فى المدارس الحكومية وبعض المدارس الأهلية فى ذلك الوقت.
نجح مشروع مدارس الأحد، وانتشرت فصوله فى كافة أنحاء مصر.
وتطورت مدارس الأحد لاحقًا، فصارت لها مناهج، وكذلك لائحة تنظم عملها.
وقد كان لهذا المشروع أثر كبير فى نهضة الكنيسة خلال القرن العشرين.
فخرج من رحم مشروع مدارس الأحد أهم رموز الكنيسة القبطية خلال القرن الماضى، وفى مقدمتهم الأستاذ نظير جيد، الذى أصبح فيما بعد البابا شنودة الثالث.
لكن عقب مرور أكثر من مئة عام على بداية مشروع حبيب جرجس، طرأت تغييرات عميقة على المجتمع المصرى، ومعها تغيرت كذلك مدارس الأحد.
ويمكن القول، دون تردد، إن أهم تغيير طرأ على المجتمع المصرى خلال العقود الأخيرة هو الأسوار الحقيقية والافتراضية التى باتت تفصل بين طبقاته الاجتماعية.
خصص محمد العجاتى، مدير منتدى البدائل العربى للدراسات، سلسلة مقالات لتحليل هذه الظاهرة تحديدًا.
ويرصد العجاتى كيف تم بناء الأسوار بين الطبقات الاجتماعية المختلفة فى مصر من خلال مجتمعات السكن المسوَّرة وأنظمة التعليم التى صارت تختلف باختلاف الطبقات التى يرتادها الطلاب.
فى الماضى، اعتاد أبناء الطبقات المختلفة الدراسة فى المدارس والجامعات العامة والحكومية، ما خلق قدرًا من الفهم والتشارك بين الطبقات الاجتماعية المختلفة.
أما اليوم، فقد تآكل هذا النموذج التعليمى لصالح أنظمة تعليمية ذات بعد طبقى، تعيد إنتاج التفاوت عوضًا عن تجاوزه.
ولم يمر وقت طويل حتى وجدت الكنيسة المصرية نفسها فى مواجهة هذا المشهد الطبقى المعقد.
وبات عليها أن تتعامل مع أبنائها المنتمين إلى طبقات اجتماعية لم تعد تلتقى لا فى فضاء عام ولا خاص.
فاشتكى رجال مدارس الأحد من وجود مشاعر الاستعلاء والطبقية لدى أبناء الطبقات العليا تجاه الطبقات الأقل حظًا، وكذلك يُتهم أبناء تلك الطبقات بأنهم أيضًا يشعرون بالغيرة من أبناء الطبقات المحظوظة اجتماعيًا.
هذه المشاعر السلبية من الطرفين، على مرارتها، هى نتيجة طبيعية للتحولات التى شهدها المجتمع المصرى خلال العقود الأخيرة، حيث غابت فرص اللقاء والتفاعل بين الطبقات الاجتماعية المختلفة، ليحل محلها مشاعر الخوف والغيرة والعداء.
كان يمكن لمشروع حبيب جرجس أن يواجه هذه المشاعر السلبية، ويعيد بناء جسور الفهم والتفاعل بين الطبقات الاجتماعية المختلفة، إلا أن بعض مسئولى فصول مدارس الأحد اختاروا، عوضًا عن ذلك، إعادة إنتاج التقسيم الطبقى ذاته الذى عرفه النظام التعليمى.
بدأت هذه الظاهرة قبل نحو عشرة أعوام داخل بعض فصول مدارس الأحد التى يرتادها مسيحيون من الطبقات الاجتماعية المختلفة.
فقُسِّمت تلك الفصول إلى واحدة لأبناء المدارس الدولية، وثانية لأبناء المدارس الخاصة، وثالثة لأبناء المدارس الحكومية.
يرى بعض مسئولى مدارس الأحد أن هذا التقسيم هو مجرد حل عملى لمشكلة لم يصنعوها.
فهذا التقسيم يمكنهم من تجنب المشكلات بين أبناء الطبقات المختلفة، وكذلك يسمح لهم بتقديم دروسهم الدينية بأسلوب يناسب البيئة التعليمية لكل من تلك الطبقات الاجتماعية.
وهى وجهة نظر لها وجاهتها، فقط لأنهم لا يرون أن عليهم دورًا مجتمعيًا فى مواجهة التمييز الطبقى العميق الذى يعرفه المجتمع المصرى خلال العقود الأخيرة.
فاختاروا القرار الأسهل، ببناء الحواجز بين الأطفال داخل مدارس الأحد، عوضًا عن القرار الأصعب، بمواجهة مشكلة العزلة بين الطبقات المختلفة، بإعطائهم فرصة للقاء والتفاعل داخل الكنيسة.
لن يكون الأمر سهلًا بالتأكيد، وكل مخاوف مسئولى الكنائس من تنمر وغيرة بين الأطفال المنتمين إلى طبقات اجتماعية مختلفة سوف تتحقق، على الأرجح، لكنها كلها يمكن التعامل معها، وهى تستحق المحاولة والعناء، إذا ما رأت الكنيسة أن جزءًا من قوتها ورسالتها هو مواجهة هذا التمييز الطبقى الحاد فى مجتمعنا اليوم.
فلا يمكن اختزال رسالتها الاجتماعية فقط فى خدمة الفقراء، بل عليها أيضًا أن تواجه محاولات عزلهم داخل المجتمع الكنسى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك