خرج محمد وهبي المدير الفني للمنتخب المغربي من مونديال 2026 بقصة تستحق أن تُروى رغم الهزيمة أمام فرنسا 2-0 في لقاء الدور ثمن النهائي الذي جرى الخميس، إذ لم يخض" المدرب مومو" كما يُعرف مساراً تقليدياً، ولا نجماً سابقاً ارتدى قميص المنتخب، بل كان رجل بدأ رحلته من قاعات الدراسة، قبل أن يجد نفسه على مقعد قيادة" أسود الأطلس" في حدث بحجم كأس العالم 2026.
وهبي، كان أحد أبطال مواجهة المغرب وفرنسا حتى قبل الهزيمة والخروج من المونديال، على وقع الأحلام في بلوغ النهائي والتفوق على الإنجاز السابق لمواطنه وليد الركراكي الذي بلغ نصف نهائي مونديال قطر 2022، حيث أصبح" أسود الأطلس" أول منتخب إفريقي يبلغ المربع الذهبي في تاريخ كأس العالم، لكنه كان يحمل حلماً كبيراً اصطدم بجدار منتخب يعد المرشح الأبرز لخطف اللقب العالمي، وما يحسب له أنه قدم مونديالاً تاريخياً مع المغرب.
أستاذ التربية البدنية ومحب المواهبوذكر تقرير نشرته صحيفة ماركا الإسبانية أن وهبي بدأ بوظيفة أستاذ للتربية البدنية في مدرسة بمدينة بروكسل البلجيكية، حيث قضى نحو 15 عاماً في تعليم الأطفال بين السادسة والثانية عشرة من العمر، ولم يكن لاعباً محترفاً، ولم يصعد إلى التدريب عبر شهرة كروية سابقة.
كان يومه يبدأ في المدرسة، لكنه لا ينتهي هناك، فبعد انتهاء الدروس، كان ينتقل إلى ملاعب التدريب ليواصل شغفه الحقيقي، بين تعليم كرة القدم أو تكوين المواهب، وكذلك صقل اللاعبين الصغار، وهو السبب الذي دعا الجميع ليطلق عليه لقب" المدرب مومو"، أو" الأستاذ"، لأنه تعامل مع كرة القدم بعقلية المعلم قبل عقلية المدرب.
وولد وهبي في بلجيكا داخل عائلة مغربية، لكن ارتباطه بالمغرب بدأ مبكراً، فقد روى في أكثر من مناسبة أن مشاركة المنتخب المغربي في كأس العالم 1986 تركت أثراً عميقاً داخله، بعدما بلغ" أسود الأطلس" آنذاك دور الـ16 في إنجاز تاريخي للكرة المغربية والعربية والأفريقية.
وبدأ وهبي مسيرته التدريبية وهو في سن الـ21 مع نادي مكابي بروكسل، قبل أن تأتي المحطة التي غيّرت مساره بالكامل.
ففي عام 2003، فتح له أندرلخت البلجيكي أبواب أكاديميته، وهناك قضى 17 عاماً يعمل مع الفئات العمرية، من فرق تحت 9 سنوات وصولاً إلى أدوار داخل الجهاز الفني، بل ووصل في مراحل معينة إلى منصب مساعد مدرب الفريق الأول.
في أندرلخت، لم يكن وهبي مجرد مدرب ناشئين، بل كان مربياً ومكوّناً، يراقب تطور اللاعبين فنياً وسلوكياً ودراسياً أيضاً.
ومن بين الأسماء التي مرّت عليه أو عمل معها في مراحل التكوين: روميلو لوكاكو، يوري تيليمانس، جيريمي دوكو ودودي لوكيباكيو، وجميعهم أصبحوا لاحقاً من نجوم المنتخب البلجيكي.
وعن ذلك قال وهبي بحسب الصحيفة قبل أشهر متذكراً: " كان لوكاكو معنا في أندرلخت حتى فئة تحت 19 عاماً".
ويشرح المدرب فلسفته قائلاً" عندما كنت في الفئات السنية لأندرلخت، لاحظنا أن اللاعبين الذين يصلون إلى الفريق الأول هم الذين كانوا يملكون شهادة الثانوية.
اليوم كرة القدم منظمة جداً.
اللاعبون يحتاجون إلى الانضباط، والتعليم يساعدهم كثيراً في هذا الجانب".
ولم تكن خلفية وهبي كأستاذ تربية بدنية تفصيلاً جانبياً، بل كانت جزءاً من قوته، فقد بنى سمعته على الدراسة، والانضباط، والقدرة على فهم اللاعبين الصغار، لا على الصراخ أو النجومية حيث كان مؤمناً بأن اللاعب لا يحتاج إلى الموهبة وحدها، بل إلى التربية والالتزام والقدرة على التعلم.
وشكل الاتصال من قبل فوزي لقجع رئيس الاتحاد المغربي لكرة القدم التحول الكبير في مسيرته عام 2022، حيث تابع لقجع عمله في بلجيكا، ورأى فيه الرجل المناسب لمشروع تكوين مغربي طويل المدى، وهكذا تولى وهبي قيادة منتخب المغرب تحت 20 عاماً، ليبدأ فصلاً جديداً في مسيرته.
ومع مرور الوقت، أثبت" المدرب مومو" أن الرهان عليه لم يكن عابراً، إذ قاد منتخب الشباب المغربي إلى إنجاز عالمي، بعدما تُوج بكأس العالم تحت 20 عاماً في تشيلي 2025، عقب الفوز على الأرجنتين في النهائي، وكان ذلك أول لقب عالمي لمنتخب مغربي، وواحدة من اللحظات التي فتحت أمام وهبي أبواب المنتخب الأول.
وتم تعين وهبي مدرباً للمنتخب الأول بعد رحيل وليد الركراكي عن قيادة المنتخب المغربي، بل قبل أشهر قليلة فقط من كأس العالم 2026، وهو القرار الذي بدا مفاجئاً لكثيرين لأنه لم يكن اسماً مشهوراً على مستوى المنتخبات الكبرى، ولم تكن لديه تجربة طويلة مع فرق الرجال، لكن النتائج التي دونها مع لاعبيه منحت القرار شرعيته.
وقاد وهبي منتخباً شاباً، معدل أعمار لاعبيه من بين الأصغر في البطولة، ونجح في إبقاء المغرب داخل دائرة الحلم حتى ربع النهائي قبل الخسارة أمام فرنسا 0-2، وقبل أيام من المواجهة، تحدث وهبي بلغة طموحة عن منتخب بلاده الذي يضم لاعبين بمتوسط أعمار يبلغ 26.
4 عاماً فقط، وكثالث أصغر منتخب في البطولة، وواحداً من أكثر المنتخبات قدرة على المنافسة.
وقال وهبي عن هذه المجموعة" عادة ما يُنتقد الشباب لأنهم لا يستمعون إلى الكبار ويذهبون في طريقهم الخاص، لكن في هذا المنتخب يحدث العكس تماماً، إنهم يستمعون كثيراً إلى الجهاز الفني وإلى اللاعبين أصحاب الخبرة، هناك احترام متبادل هائل".
لم يتحقق الحلم المغربي أمام فرنسا، لكن الحكاية لم تخسر معناها، فالمدرب محمد وهبي بقي رمزاً لطريق مختلف في كرة القدم، حيث بات المغرب قوة عظمى في كأس العالم، وبقيادة مدرب لم يحتج إلى ماضٍ كبير كلاعب ليصنع لنفسه مكاناً في اللعبة، بل مجرد أستاذ تربية بدنية حمل دفتره أولاً ثم حمل حلم بلد كامل وسيواصل الحلم لما تبقى من استحقاقات كبيرة تنتظر أسود الأطلس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك