يلاحظ المتأمل في الجغرافيا السياسية للقارّة الأفريقية انتشار العنف والفوضى والحروب الأهلية وموجات من الانقلابات العسكرية المتتالية وجيوش من المرتزقة وتدخل للقوى الدولية والإقليمية على امتداد القارّة السمراء.
وتثير هذه الأوضاع تساؤلات محيرة بشأن مستقبل القارّة، وتعيد إلى الاذهان المشاكل البنيوية التي صاحبت تأسيس الدول الأفريقية في المرحلة ما بعد الكولونيالية.
إذا نظرنا إلى الممارسة السلطوية في أفريقيا ما بعد الكولونيالية، يبدو أن هناك نوعاً من" الاستثناء الأفريقي".
ففي قضايا رئيسية، كالدولة، وممارسة السلطة، وطبيعة الأنظمة السياسية، والعلاقة بين الحكام والمحكومين، تبرز في أفريقيا تحديداً المشكلات الأكبر، ويمكن اختصارها في مشكلة التداول على السلطة.
ويتساءل بعضهم عن أسباب هذا" الاستثناء" ويفسّرونه باستراتيجيات الوصول الى الحكم والاستمرار في المنصب، بينما يرى آخرون أن هذه الأوضاع تُعزى، من بين أمور أخرى، إلى خصوصية المجتمعات الأفريقية التي لا تتلاءم مع الديمقراطية.
شهدت القارّة في السنوات الخمس الماضية 11 انقلاباً عسكرياً ناجحاً في تسع دول: مالي (2020 و2021)، غينيا (2021)، تشاد (2021)، السودان (2021)، بوركينا فاسو (مرّتين في 2022)، النيجر (2023)، الغابون (2023)، مدغشقر (2025)، وغينيا بيساو (2025).
تُعدّ مشكلة رفض القادة التنحي عن مناصبهم مشكلة مزمنة تواجه دولاً أفريقية عديدةأعقبت هذه الانقلابات موجة من الانتفاضات الشعبية التي بدأت في أواخر عام 2010 مع الربيع العربي.
وأدت سبع من هذه الحركات إلى إطاحة الحكومات القائمة، ولا سيما في ليبيا ومصر وتونس في 2011، وبوركينا فاسو في 2014، وزيمبابوي في 2017، والسودان في 2019.
وأُجهِضَت كل هذه الانتفاضات الشعبية بانقلابات عسكرية مثلما جرى في مصر (2013) وبوركينا فاسو (2022)، أو بانقلاب دستوري في الحالة التونسية (2021)، فيما انحرفت الأوضاع إلى حروب أهلية كما هو الحال في ليبيا والسودان.
تُعدّ مشكلة رفض القادة التنحي عن مناصبهم مشكلة مزمنة تواجه دولاً أفريقية عديدة، فهم يُعدّلون دساتير بلادهم للسماح بأكثر من فترتين رئاسيتين، ويتدخلون في الانتخابات، ويرفضون قبول نتائجها عند خسارتهم.
ويخشى بعضهم التنحّي، خشية أن يكشف خلفاؤهم أدلة على فسادهم.
بين عامي 2000 و2023، عدّل ثلث الدول الأفريقية دساتيره لإلغاء تحديد مدة ولاية الرئيس.
وفي الآونة الأخيرة، لجأ الحكام الأفارقة إلى استخدام الأدوات القانونية على نطاق واسع لقمع المعارضة، ما يُبرز حقيقة أن تقويض الديمقراطية يتقدّم بوتيرة أسرع من الأطر المعيارية الأفريقية.
وينبع أساساً طول أمد الحكم السياسي لعديدين من رؤساء الدول في المنطقة من الطبيعة الاستبدادية للسلطة التي يمارسونها، إلى جانب عوامل اجتماعية ونفسية تثنيهم عن قبول التغيير الديمقراطي.
ومع اقتراب نهاية ولايتهم، تُغري هذه" الحكومات الدائمة" بتجديد نفسها من خلال قادة جدد من العائلات الحاكمة، ما يُرسي بذلك ظهور" جمهوريات وراثية".
بين عامي 2000 و2023، عدّل ثلث الدول الأفريقية دساتيره لإلغاء تحديد مدة ولاية الرئيسنظرياً، يُفسَّر وجود الحكومات الدائمة بغياب القيود الدستورية على مدة ولاية الرئاسة، ففي دول أفريقية عديدة، نُقِّحَت الدساتير وعُدِّلَت بشكل متكرّر، ما أدّى تدريجيّاً إلى إلغاء القيود المفروضة على مدّة الرئاسة التي فُرضت في أثناء الفترات الديمقراطية التي أُجهِضَت.
وعملياً، تنبع هذه" الرئاسات التي لا تنتهي" من نزعة متأصّلة نحو احتكار السلطة السياسية في أفريقيا.
ويمكن تتبع أصول" مؤسّساتها" إلى حقبة أنظمة الحزب الواحد التي أُسّست في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات.
في ظل هذا الإطار الأحادي، حيث حلت الاستفتاءات الرئاسية محل الانتخابات الحرّة والتنافسية، أصبح الانقلاب العسكري الوسيلة الأساسية لخلافة السلطة أو تداولها، ولم تُغير العودة إلى الديمقراطية الانتخابية الوضع جذرياً: فليس فقط أن إطاحة القادة المنتخبين غير القانونية لا تزال ممارسة شائعة في القارّة (نماذج إطاحة الرؤساء المنتخبين ديمقراطياً في مصر والنيجر)، بل إن" خنق" هامش الحريات من خلال إجراءات دستورية وانتخابية يُؤبد ظاهرة الحكومات السلطوية التي تغلق الأبواب أمام إمكانية التداول السلمي على السلطة، حيث يشكل انتقال السلطة الرئاسية مفارقةً في السياقات السياسية الأفريقية، وقنبلةً موقوتةً حقيقيةً لأجزاء من القارّة، التي قد تُغرق دولاً أفريقية عديدة في حالة من عدم الاستقرار، كذلك فإنه يُؤجّج الرغبات في التغيير الجذري، ولا سيما في شكل انقلابات عسكرية.
هذا الخطر الواضح المتمثل باللجوء إلى" العلاج بالانقلاب" هو الوجه الآخر لأزمة الجمهوريات الأفريقية، حيث تعاني الشعوب من قلق اليوم التالي لرحيل صاحب السلطة (بالموت الطبيعي أو الإنهاء القسري) ويظل حل مشكل الحكم والتداول على السلطة بعيداً عن العنف والفوضى ومنطق الانقلابات هو المدخل الوحيد للاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي والتقدّم الاجتماعي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك