سمتان تبرزان في أفلام عدة، مشاركة في مسابقة الكرة الكريستالية بالدورة الـ60 (3 ـ 11 يوليو/تموز 2026) لمهرجان كارلوفي فاري السينمائي: العنف وتفكّك الأسرة (مُجدّداً).
أحياناً، يتداخل العنف بالأسرة، فيجعلها تنهار، ويندر أن يبلغ الجميع نهاية سعيدة.
أحياناً أخرى، يتغلغل العنف في مراهقين ومراهقات، في بيئات عاجزة عن منحهم أماناً وراحة وسكينة، أو بعض هذا على الأقلّ.
والتداخل يصنع لحظة غير متوقّعة، بل غير مرئية لشدّة عاديتها، فتكون سبباً مباشراً لكشف كل شيء مخبّأ في ذات شخصية، أو لبّ علاقة، أو جوهر شعور.
هذا كلّه (الذات واللبّ والجوهر) يوهم أفراداً بأن كل شيء على ما يرام، قبل بلوغهم تلك اللحظة.
أما العنف الطاغي في سلوكٍ مُراهِقٍ، فغير متحرّر كلّياً من عيش يومي في بيئات، تعاني ضغوط راهن وأحوال يوميات.
وما يُروى على الشاشة، رغم اكتفائه بتصوير العنف ومسالكه وآليات انكشافه (مُلمّحاً إلى أسبابه)، يُمرّر إشارات إلى بيئة وعلاقات، من دون تفسير ومباشرة، لأن المروي غير معني البتّة بتفسير ومباشرة، بل بمُعاش ومحسوس وتفاصيلهما.
وفرة أفلام الأسر، وعلاقات كل فرد فيها بذاته والآخر، في هذه الدورة كما في دورات سابقة لمهرجانات أخرى، تطرح دائماً سؤال النتاج السينمائي الغربي المنجذب إلى مسألة، يبدو واضحاً أن أوروبا (والغرب عامة) تعاني أهوالها.
ولعلّ الانهيارات الاقتصادية، وسطوة اليمين المتطرّف، وتوهان الحريات الفردية والجماعية بعيداً عن قيمها، وغيرها من المطبّات، تؤدّي إلى انهيار أسري، وتمزّق علاقات، وعنف يُمارَس بسلوك ومواقف وآراء، أو باعتداءات جسدية.
" حِجامة" للإيراني نادر سَيْفار مثلٌ أول: عائلة مسلمة تُقيم في برلين.
الأب/الجدّ متسلّط، يتمسّك غالباً بتعاليم الدين الإسلامي والقرآن.
له علاقة متينة بإمام الجامع.
ابنه البكر متزوّج من امرأة مهاجرة من كوسوفو (مسلمة)، لكنهما معاً غير متديّنين كالأب/الجدّ (له حفيدٌ صغير منهما، يُشاهد بعينيه كل خراب حاصل حوله).
الابن الثاني يعاني ضغطاً نفسياً، فهناك من يمتلك صوراً توثّق علاقته المثلية بشاب آخر.
التداخل بين الديني والذكوري والسلطوي مشغول بجمالية بصرية لا تفتعل قولاً، ولا تبغي أحكاماً، ولا تحيد عن وقائع، فتنقل شيئاً منها إلى حكاية، لعلّها مُكرّرة سينمائياً، لكن أسلوب اشتغال سَيْفار يُثير متعة متابعة، رغم قسوة العلاقات، المنكشفة تدريجياً، فإذا بالمخبّأ المكبوت يُظهر أكاذيب ومصالح وسلطات، وبعض السلطات مبني على الدين والإيمان (! ).
الأجمل بصرياً يكمن في اللقطات المُصوّرة ليلاً، إذْ تكشف الملامح كبتاً وغضباً وخوفاً وضياعاً، ورغبة في خروج آمن من فوضى حياة، لعل معظم أفراد الأسرة غير راغب بها (الحياة).
ومع أن البنية الدرامية الأساسية معقودة على معاينة المسار الانحداري للأسرة، يتمّ إدخال شيءٍ من ماضٍ ألماني أليم، مع شخصية سيدة تعاني اضطرابات نفسية، إذْ تنتظر عودة حبيبها إليها، هي الهاربة من" شتازي" (جهاز أمن الدولة بألمانيا الشرقية)، وحبيبها مقتولٌ، ولعل مقتله سبب اضطراباتها.
حضور تلك الشخصية (يعتبرها الابن البكر فرداً من العائلة، فيهتم بها رغم مصائبه)، مع ما تحمله من اضطرابات وثقل تاريخ وانكسار حاضر، غير نافر، ويبدو أنه إكمال غير مباشر لاضطرابات يعانيها أفراد الأسرة، فهم أيضاً يعيشون حاضراً منكسراً، ويحملون ثقل تاريخ قاس.
" بعد ثلاثة أسابيع" للبلغاري ميروزلاف دايَرزيتش مثلٌ ثان: في الثواني الأولى، يُشاهَد مبنى يحترق، قبل اختفاء كلّ صوت، باستثناء طَرقات حذاء شابٍ يمشي منحني الرأس، باتجاه مبنى آخر للقاء صديق له، كي يذهبا معاً إلى مكان لقاء زملاء المدرسة وزميلاتها، استعداداً لرحلة برّية إلى ريفٍ بعيد.
في الباص، الجميع يلعبون ويتبادلون النكات والسخرية، باستثناء شاب منزو، يُفهَم أنه يتناول مهدّأت طبية، لسبب يظهر لاحقاً.
شبان حوله يتنمّرون عليه، لكنهم أمام المشرفين على الرحلة يقولون إنه صديق لهم، وإنهم يهتمون به.
في فندق، يصلون إليه بسبب حادث غير متوقّع، تبدأ الخفايا بالانكشاف.
ومع الانكشاف، يُرسل العنف إشارات تقول إن موعد بلوغه إياهم قريبٌ.
حوارات تبدو مقدّمة للمقبل الأخطر، ثم رقص وتفاصيل عادية.
لحظة مصارحة تستعيد حادثة قديمة، يُدفع الشاب الهادئ (ظاهرياً) إلى ارتكابها، ما يجعل الآخرين يتنمّرون عليه، ويستهزئون به الوقت كله.
ذروة النص؟ اعتداء وحشي عليه، غير مُصوّر مباشرة، وهذا سينمائياً رائع، فالعنف" يُشاهَد" عبر" سماع" ارتكابه.
فضحُ عنف شبابي في بلغاريا مشغول بالتقاطٍ سينمائي سلس، سيكون الأفضل بصرياً في إظهار المخبّأ.
استخدام الرمادي، غالباً، في تصوير (داميان رادوفانوفيتش) حالات العنف، خاصة لقطة الذروة، بديعٌ في تغلغله بعمق الحاصل غير المرئي، مُضيفاً إليه شخصية شابة مهتمة بهاتفها الخلوي، قبل تصويرها ما يجري أمامها بلا مبالاة، ثم تقول للشبان المنهالين ضرباً على الشاب المنزوي: " كفى.
أنا ضجرة".
" الأسد ورائي" للقبرصية تونيا ميشْيالي مثلٌ ثالث: بجزء منه، تختار ميشْيالي ثنائية العنف والأسرة، مع أن العنف الأكثر ظهوراً على الشاشة مختصّ بصبيّة وشابة، تعاني إحداهما (الشابة) أهوالاً جمة، بينما الأخرى تحقّق، وإن بعد اختبارات وتحديات صعبة، نوعاً من توازن سوي في عيشها، ما يجعلها متفائلة ومحبِّة للحياة.
أما الشابة فمدمنة مخدرات، تحاول التخلّص منه (الإدمان).
تدريجياً، يُعرف ماضيها، وتدريجياً أيضاً توافق على صداقة الصبيّة الأصغر سنّاً منها.
ماضي الشابة مليء بدعارة ومخدرات، ما يُكلّفها إبعاداً قسرياً عن ابنتها.
هذا الإبعاد يُزيد توتّرها، ويدفعها أكثر فأكثر إلى المخدرات، فتحتال على إدارة ملجأ للأولاد اليتامى، تعمل فيه، كي لا تكشف التحاليل الطبية أنها لا تزال مدمنة.
الصبية سوداء البشرة تخرج من الملجأ ببلوغها 18 عاماً، لكنها تعجز عن التأقلم في عالمٍ تجهله (أهي خائفة منه أيضاً؟ )، قبل أن تعثر على وظيفة.
علاقتها بالشابة تتوطّد تدريجياً، كأن كل منهما ترى في الأخرى خلاصاً وأماناً.
لكن الشابة لن تخرج من خرابها إلاّ بمعاودة فعل جنسي عنفي، مُصوّر (مانو تيلينسكي) بحدّة لا تقلّ قسوة عن عنف الفانتازيا الجنسية، اللاحقة على متاهة تدخلها الشابة لبلوغ تلك الحفلة.
" كل شيءٍ يبقى معلّقاً".
خلاصة يتفق عليها زملاء مهنة، بعد قول أحدهم إن في النهاية بلبلة.
تفكير إضافي بسياق الحكاية، المُصوّرة ببساطة غير حائلة دون تبيان تفاصيل الحاصل هنا وهناك، الآن وماضياً، يقول (التفكير) إن الخاتمة، التي توهم بسعادة بطلتيها، تشي بأن لا شيء منتهٍ، ولا شيء واضح، ولا شيء محسوم.
الماضي ثقيل، وإن يجهد كثيرون وكثيرات في مواجهته للتحرّر منه.
بلوغ هذه القناعة يمرّ في سياق درامي قاس، وتوليف (إيميليوس أفرام) يساهم في إظهار عمق الخراب، والتوق إلى نجاة، باعتماده تقطيعاً يوهم بأن خطأ ما حاصلٌ، لكنه تقطيع مقصود ليناسب حالة المرأتين ومسارهما الحياتي.
ملف المفقودين، الذين يصفهم البعض بالمغيّبين قسراً، تعرفه مجتمعات كثيرة، في بلدان تخضع لحروب أعواماً طويلة ومريرة، وأخرى تحكمها سلطات ديكتاتورية، فيكون التغييب القسري أسهل وسيلة لمنع كل رأي مخالف، أو لإرهاب ناس البلد.
لبنان، بحربه الأهلية تحديداً (1975 ـ 1990)، وسورية، منذ بدء الحكم الأسدي (16 نوفمبر/تشرين الثاني 1970) على الأقل، نموذجان عربيان حاضران إلى الآن.
" خمسة أعوام، أربعة أشهر"، للثنائي خوان ميغيل خلاثيو وإستبان هويوس غارسيا (كولومبيا)، يؤكّد أن هذا الملف منتشرٌ في بلدان كثيرة، وأن واجباً أخلاقياً يجب التحلّي به، يقضي بضرورة تقديم حلول عملية وحسية.
هذا الفيلم يُصوّر رحلة أمّ (جيني نافا) تبحث عن ابنها المفقود منذ خمسة أعوام وأربعة أشهر، في دهاليز كولومبيا، قبل تمكّنها من معرفة" حقيقة" الغياب القسري.
كأي أمّ (أكثر من أي علاقة أخرى، أبوية أو عاطفية أو أخوية أو صداقة)، تجهد مارثا (نافا) في بحثها عن ابن مفقود، لمعرفة مصيره.
تلتقي ساندرا (كارمينا مارتينيز)، التي تعاني فقداناً شبيهاً منذ 20 عاماً، والتي تُخبرها عن منطقة فيها أسرار، لعل كل واحدة منهما تعثر فيها على ما ترغب في معرفته: " إنه الأمل الأخير لهما: الانطلاق إلى مكان ناء، يختلط فيه عالما الأحياء والأموات" (كاتالوغ المهرجان).
والفيلم معنيٌّ بمعاناة النساء الكولومبيات اللواتي، بعد اختفاء أبنائهن، يبحثن عنهم بمبادرات فردية: " يُبرز السرد الهادئ والمركّز للفيلم أحد أكثر عواقب الصراع المسلّح الطويل في البلد إيلاماً، ويُصوّر في الوقت نفسه رحلة بحث عن سلام ومصالحة في مكان، لم يشهد وداعاً قط" (ساندرا هزينوفا، الكاتالوغ).
إن يكن الموضوع مهمّاً، فأداء جيني نافا دور مارثا ساحرٌ، لاشتغالها على الملامح، وجعلها التعبير عن التوتر والخوف والقلق والصدمة والقهر والألم لغة منبثقة غالباً من صمت، يقول إن هذه الأحاسيس كلّها تبلغ ذروة لا سابق لها بفضله (الصمت).
مشهدٌ يؤكّد جمالية أداء دور امرأة، تعكس براعة التمثيل مصداقية سقوطها الهادئ والبطيء والغاضب بصمت في قعر النهاية: تلتقي مارثا شاباً يقول لها إن مساعدته إياها يُقابلها مساعدتها إياه.
الأهم أن دقائق عدة تمرّ، والكاميرا (باولا مورينو فرغارا) مسلّطة على وجه أم توّاقة إلى معرفة الحقيقة، غير متحرّك لكنه غير جامد، وإذ بدموع تتساقط ببطء على الوجه، مع ارتفاع منسوب قسوة الحكاية، ومعرفة الحاصل.
البكاء الأشدّ يحصل لاحقاً، عند عودة مارثا إلى والدتها، فالتعبير الانفعالي يقول حقيقة الاختفاء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك