لم تكن خسارة المنتخب المغربي أمام فرنسا في ربع نهائي كأس العالم 2026 مجرد نهاية لرحلة عابرة، أو عودة إلى نقطة الصفر بعد الإنجاز التاريخي الذي حققه" أسود الأطلس" في مونديال قطر 2022.
فالمغرب غادر البطولة بعدما خاض 6 مباريات أكد خلالها أن وجوده بين المنتخبات الكبرى لم يعد مرتبطًا بمفاجأة استثنائية، بل أصبح نتاج مشروع قادر على المنافسة في أعلى المستويات.
انتهت مغامرة المنتخب المغربي بالخسارة أمام فرنسا بنتيجة 0-2، في مواجهة صمد خلالها الفريق حتى الدقيقة 60 قبل أن ينجح كيليان مبابي في فك التكتل الدفاعي المغربي، ثم أضاف عثمان ديمبيلي الهدف الثاني بعد ست دقائق.
ورغم عدم تكرار الوصول إلى نصف النهائي كما حدث في قطر، حقق المغرب إنجازًا تاريخيًا جديدًا ببلوغ ربع النهائي للمرة الثانية تواليًا، ليصبح أول منتخب إفريقي يصل إلى هذا الدور في نسختين متتاليتين من كأس العالم.
بداية قوية في مجموعة صعبة أمام البرازيلدخل المنتخب المغربي منافسات مونديال 2026 ضمن مجموعة ضمت البرازيل واسكتلندا وهايتي، وهي من بين المجموعات الأكثر صعوبة في البطولة.
وفي مباراته الأولى أمام البرازيل، قدم" أسود الأطلس" أداءً أكد اختلاف شخصيته مقارنة بالنسخ السابقة، فلم يكتف بالدفاع والاعتماد على الهجمات المرتدة، بل حاول امتلاك الكرة ومجاراة من كان أحد أبرز المرشحين للقب.
تقدم المغرب عن طريق إسماعيل صيباري، قبل أن يدرك فينيسيوس جونيور التعادل للبرازيل، لتنتهي المباراة 1-1، ويحصل المنتخب المغربي على نقطة ثمينة أمام أحد عمالقة كرة القدم العالمية.
وفي مواجهة اسكتلندا، احتاج المغرب إلى 71 ثانية فقط لهز الشباك عبر صيباري، مسجلًا أسرع هدف في البطولة حينها، ليحافظ الفريق على تقدمه حتى النهاية ويحصد ثلاث نقاط مهمة.
أما اللقاء الثالث أمام هايتي، فكان الأكثر إثارة، بعدما تقدم المنافس مرتين، قبل أن يعود المغرب بقوة ويحسم المواجهة بنتيجة 4-2 بفضل أهداف أشرف حكيمي وصيباري وسفيان رحيمي وجسيم ياسين.
وبذلك أنهى المنتخب المغربي دور المجموعات برصيد سبع نقاط، متساويًا مع البرازيل التي تصدرت بفارق الأهداف.
وكشفت مرحلة المجموعات عن تطور واضح في أسلوب لعب المغرب، إذ ظهر الفريق أكثر قدرة على الاستحواذ وبناء الهجمات، بعدما كان اعتماده الأكبر في مونديال 2022 على الصلابة الدفاعية والتحولات السريعة.
عبور هولندا.
شخصية لا تعرف الاستسلاموضعت قرعة دور الـ32 المنتخب المغربي في مواجهة هولندا، في اختبار صعب أمام منتخب يمتلك خبرة كبيرة في البطولات الكبرى.
ورغم أفضلية المغرب في فترات من المباراة، فشل في ترجمة الفرص إلى أهداف، قبل أن تتقدم هولندا بهدف كودي خاكبو في الدقيقة 72.
لكن المنتخب المغربي أثبت مرة أخرى قدرته على العودة في اللحظات الحاسمة، بعدما سجل عيسى ديوب هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، لتمتد المباراة إلى الأشواط الإضافية ثم ركلات الترجيح.
وفي الركلات الترجيحية، ظهر تألق الحارس ياسين بونو، الذي تصدى لإحدى الركلات، بينما نجح إسماعيل صيباري في تسجيل الركلة الحاسمة، ليحسم المغرب التأهل بنتيجة 3-2 بعد نهاية اللقاء بالتعادل 1-1.
لم يكن الانتصار على هولندا قائمًا فقط على التنظيم الدفاعي، بل أظهر قدرة المنتخب المغربي على صناعة الفرص، والعودة من المواقف الصعبة، والتعامل مع الضغط النفسي في اللحظات الحاسمة.
كندا.
الأداء الأكثر اكتمالًا للمغرب في البطولةفي دور الـ16، واجه المغرب منتخب كندا وسط أجواء جماهيرية وضغط كبير من المنتخب المضيف، الذي حاول استغلال الدعم الجماهيري منذ البداية.
صمد المنتخب المغربي أمام الاندفاع الكندي، قبل أن يفرض إيقاعه في الشوط الثاني، حيث لعب عز الدين أوناحي دورًا مؤثرًا وسجل هدفين، فيما أضاف سفيان رحيمي الهدف الثالث في الوقت بدل الضائع.
وانتهت المباراة بفوز المغرب 3-0، في واحدة من أكثر مبارياته تكاملًا خلال البطولة، بعدما نجح في امتصاص ضغط المنافس ثم استغلال المساحات عندما تغيرت مجريات اللقاء.
كما عكست المباراة تنوع مصادر الخطورة داخل المنتخب المغربي، بعدما سجل عشرة أهداف خلال ست مباريات عبر ستة لاعبين مختلفين، ما أكد أن الفريق لم يعد يعتمد على أسماء محددة فقط مثل حكيمي أو إبراهيم دياز.
وبهذا الانتصار، بلغ المغرب ربع النهائي للمرة الثانية في تاريخه، بعدما كان أول تأهل له إلى الأدوار الإقصائية قبل 2022 قد تحقق في مونديال المكسيك 1986.
دخل المغرب مواجهة فرنسا في ربع النهائي وسط غياب إسماعيل صيباري بسبب الإصابة، وهو أحد أبرز عناصر الفريق في دور المجموعات.
اختار المدرب محمد وهبي خطة أكثر حذرًا، مع الدفع بإبراهيم دياز كمهاجم وحيد، ومحاولة تكثيف منطقة الوسط للحد من خطورة كيليان مبابي وعثمان ديمبيلي.
نجح المغرب في الصمود لفترة طويلة، وساعد تألق ياسين بونو في إبقاء النتيجة متعادلة، بعدما تصدى لركلة جزاء نفذها مبابي.
لكن المنتخب الفرنسي امتلك حلولًا أكبر، وتمكن مبابي من تسجيل هدف التقدم في الدقيقة 60، قبل أن يضيف ديمبيلي الهدف الثاني في الدقيقة 66.
وعانى المغرب هجوميًا أمام الضغط الفرنسي، إذ لم ينجح في تشكيل خطورة حقيقية حتى الدقائق الأخيرة، بعدما فرض المنتخب الفرنسي سيطرته على وسط الملعب ومنع وصول الكرة إلى الخط الأمامي.
وبعد المباراة، أقر محمد وهبي بأفضلية فرنسا، مؤكدًا أن المنتخب المغربي يحتاج إلى مواصلة التطور والاستفادة من هذه التجربة.
ماذا حقق المغرب في مونديال 2026؟أنهى المنتخب المغربي مشواره في كأس العالم 2026 بثلاثة انتصارات وتعادلين وخسارة واحدة، وسجل عشرة أهداف مقابل استقبال ستة أهداف، مع الحفاظ على نظافة شباكه أمام اسكتلندا وكندا.
لكن أهمية المشاركة لا تتوقف عند الأرقام، بل تكمن في تثبيت الإنجاز الذي تحقق في قطر وتحويله من لحظة تاريخية استثنائية إلى مسار مستمر.
في مونديال 2022، كان وصول المغرب إلى نصف النهائي إنجازًا غير مسبوق للكرة الإفريقية، أما في 2026، فقد دخل البطولة وهو يحمل توقعات أعلى، ونجح في تجاوز مجموعة قوية، وإقصاء هولندا، والتفوق على كندا، قبل التوقف أمام فرنسا.
كما أثبت المنتخب المغربي قدرته على اللعب بطرق مختلفة، فقد استحوذ أمام بعض المنافسين، وعاد في مباريات أخرى بعد التأخر، ودافع بصلابة عندما تطلب الأمر، ما يعكس تطورًا في شخصية الفريق.
في المقابل، كشفت البطولة بعض النقاط التي تحتاج إلى تطوير، أبرزها الفاعلية الهجومية أمام المنتخبات الكبرى، والقدرة على تعويض الغيابات المؤثرة، إضافة إلى الحاجة إلى امتلاك خيارات أكثر من دكة البدلاء.
من مفاجأة قطر إلى تحديات مونديال 2030غادر المغرب مونديال 2026 من دون تكرار إنجاز نصف نهائي قطر، لكنه خرج بمكانة أكثر رسوخًا في كرة القدم العالمية.
لم يعد السؤال حول قدرة المنتخب المغربي على الوصول إلى الأدوار المتقدمة، بل أصبح التحدي يتمثل في كيفية منافسة كبار العالم حتى المراحل الأخيرة من البطولة.
وتزداد أهمية هذه المرحلة مع اقتراب مونديال 2030، الذي سيستضيفه المغرب بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال، حيث سيكون الجيل الحالي أمام فرصة جديدة لصناعة تاريخ أكبر.
وسيواصل لاعبون مثل أشرف حكيمي وياسين بونو وعز الدين أوناحي قيادة المرحلة المقبلة، في وقت ينتظر فيه تطور أسماء شابة مثل أيوب بوعدي وشمس الدين طالبي وجسيم ياسين.
لم يتوج المغرب باللقب، ولم يصل إلى نصف النهائي مرة أخرى، لكنه خرج من مونديال 2026 برسالة واضحة: إنجاز قطر لم يكن صدفة، بل بداية لتحول حقيقي نقل المنتخب المغربي من صناعة المفاجآت إلى المنافسة الدائمة بين كبار العالم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك