شهدت الخريطة السياسية والأمنية في سوريا تحولاً جذرياً عقب سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، فقد وضعت الإدارة الجديدة برئاسة أحمد الشرع، مكافحة تجارة المخدرات على رأس أولويات الحكومة.
ورغم النجاحات الرسمية المعلنة في تفكيك البنية التحتية الصناعية لإنتاج مادة (الكبتاغون) المخدرة، تؤكد الوقائع على الأرض أن هذه التجارة لم تتوقف، بل أعادت تشكيل نفسها لتتحول من تجارة مركزية كانت تخضع لإدارة رموز النظام البائد، إلى" صناعة منزلية" تتسم بمرونة شديدة وتتوزع على مناطق متفرقة.
تفكيك الاحتكار القديم وبروز" الصناعة المنزلية"على مدى عقد ونيف، حوّل نظام الأسد سوريا إلى" دولة مخدرات" ومصدر رئيسي للكبتاغون في الشرق الأوسط، فحقق أرباحاً بلغت في ذروتها نحو مليارين وسبعمئة مليون دولار سنوياً، بما أن النظام وحلفاءه سيطروا على نحو 80% من مواقع الإنتاج الضخمة.
وعقب سقوط النظام، شنت السلطات الجديدة حملة مكثفة أسفرت عن ضبط 15 مختبراً و13 موقعاً للتخزين، ونفذت ما يزيد عن 107 عمليات مداهمة.
كما اعتقلت وجوهاً بارزة من أقارب الأسد المتورطين، كان على رأسهم وسيم بديع الأسد، إلى جانب ملوك التهريب مثل عمرو الشيخ.
وفي تلك الأثناء، فككت السلطات اللبنانية أربعة مختبرات واعتقلت كبار العاملين في تجارة المخدرات بالبقاع، ما وجّه ضربة قاسية لخطوط إمداد صناعة الكبتاغون في بلاد الشام.
ورغم إعلان وزارة الداخلية السورية في أيلول 2025 القضاء على معظم هذه التجارة وضبط نحو 365 مليون حبّة كبتاغون بحلول نهاية العام، فإن قواعد البيانات المستقلة، مثل التي أعدها معهد نيولاينز للسياسات والاستراتيجيات، كشفت عن وجود فجوات في البيانات، حيث سُجلت مواد مصادرة قدرت بنحو 256.
4 مليون حبة.
وهذا التباين، المدعم بمداهمات مستمرة في أحياء بدمشق (مثل المهاجرين) واشتباكات مسلحة في حلب، يثبت بأن المشكلة ما تزال قائمة وتديرها شبكات محلية صغيرة ومستقلة من الصعب تعقبها.
الجنوب السوري: السويداء ودرعا وممرات التهريب الذكيةيعتبر الجنوب السوري، وتحديداً محافظتا درعا والسويداء، الممر التجاري الأكثر حيوية أمام الكبتاغون المتوجه نحو السوق الأردنية والخليجية.
في درعا، ورغم تراجع النشاط نسبياً جراء تكثيف دوريات مكافحة المخدرات واستخدام الطائرات المسيرة عند معبر نصيب، فإن المهربين انتقلوا بالتدريج نحو جارتهم الشرقية السويداء.
تمثل السويداء تحدياً أمنياً وسياسياً معقداً للإدارة السورية الجديدة، بما أن هذه المحافظة التي تعاني من انهيار اقتصادي حاد، أصبحت تتمتع بحكم ذاتي بحكم الأمر الواقع، إذ تسيطر عليها فصائل محلية وعشائرية تستعين بالكبتاغون لتمويل مؤسساتها شبه المستقلة.
وتشير التقارير إلى أن عمليات التصنيع هناك لم تعد بحاجة لمصانع كبرى، بل باتت تتم داخل ورش صغيرة وصيدليات.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل طور المهربون أساليب متقدمة للتخفي؛ من بينها تخبئة الحبوب داخل الشحنات الزراعية والأقمشة، وصولاً إلى إجبار الماشية والأغنام على ابتلاع أكياس بلاستيكية محشوة بالحبوب لاستخراجها بعد عبور الحدود، كما وثقت التحقيقات استخدام طائرات مسيرة متطورة ومناطيد، فضلاً عن اكتشاف أنفاق مهواة ومضاءة على طول الحدود السورية الأردنية.
ولم يقتصر النشاط على التهريب الخارجي، بل نشطت خطوط نقل داخلية مستغلة حركة الحافلات اليومية بين السويداء وضاحية" جرمانا" بريف دمشق لنقل كميات صغيرة مخبأة بين أمتعة المسافرين.
الشمال الشرقي: الأنفاق المعاد استخدامها والملفات المتداخلةفي مناطق شمال شرق سوريا، وتحديداً شرقي الفرات والمناطق المحاذية للحدود العراقية والتركية، تتداخل الأمور المتعلقة بالكبتاغون مع ملفات أمنية أخرى، فالمنطقة تعاني اليوم من أزمة إدمان شديدة على الكبتاغون ومخدر الكريستال ميث (الشابو) بين السكان، وخاصة في الرقة.
هذا وتستغل عصابات التهريب هناك التضاريس الوعرة والروابط العشائرية العابرة للحدود مع العراق، وتشير المعطيات الميدانية إلى قيام مجموعات محلية وبقايا تنظيم الدولة بإعادة استخدام شبكات الأنفاق القديمة التي حُفرت إبان فترة سيطرة التنظيم على مناطق مثل وادي العجيج ومنبج والطبقة، وتحويلها إلى ممرات سرية لنقل المخدرات.
وعلى الصعيد السياسي، ورغم الإعلان الرسمي لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) عن إحباط عمليات تهريب، ذكر بعض الأهالي وشهود عيان بأن بعض الحواجز المحلية متورطة في تسهيل مرور الشحنات مقابل رشى مالية، ما يمنح القيادات المحلية هامشاً من" الإنكار الصادق" بينما يتربح أفرادها على الأرض.
وتتحدث التقارير أيضاً عن دخول فصائل مرتبطة بـ" الحشد الشعبي" ومجموعات مدعومة في المنطقة على خط النقل عبر محور" البوكمال-القائم" ومثلث" اليعربية-ربيعة" لتمويل نشاطاتها بعد توقف العمليات العسكرية الكبرى.
اقتصاد الظل وتحديات المستقبلتكمن جاذبية الكبتاغون في أرباحه الخيالية؛ إذ لا تتعدى كلفة إنتاج الحبة الواحدة بضعة سنتات، بينما تباع في الأسواق الاستهلاكية الكبرى بما يصل إلى 25 دولاراً للحبة الواحدة، ولهذا يشبه فلاحون ومراقبون من أبناء المنطقة طفرة الاستثمار الصغير في هذا المجال بـ" سوق الصناعات المنزلية المضاربة".
وعلاوة على ذلك، بدأت هذه الشبكات بخلط الكبتاغون بمواد أخرى أشد خطورة مثل الهيروين وحشيش الكيف، فضلاً عن الأدوية الطبية الخاضعة للرقابة كـ" الترامادول" و" الليريكا".
أمام هذا المشهد المتشظي، تعترف وزارة الداخلية السورية بأن ذراعها التنفيذي يواجه نقصاً حاداً في الإمكانيات القتنية؛ كأجهزة الفحص بالأشعة السينية (X-Ray)، والمختبرات الجنائية، وأنظمة المراقبة الحديثة.
ورغم إدخال إجراءات مبتكرة مثل تدريب كوادر شرطية نسائية لتسهيل عمليات التفتيش والاستجواب، وتنسيق الجهود مع الأردن، فإن الحلول الأمنية وحدها ما تزال قاصرة.
يؤكد خبراء الأمم المتحدة ومحللون من معهد نيولاينز بأن تفكيك شبكة غير مشروعة بُنيت على مدار 15 عاماً يحتاج إلى سنوات من العمل المتواصل.
وتشدد التوصيات على أن الإدارة السورية الجديدة لن تتمكن من حسم المعركة من دون دعم دولي وتنسيق إقليمي عالي المستوى، وذلك لأن القضاء على ظاهرة الكابتاغون يتطلب استراتيجية متكاملة تتجاوز مسألة الملاحقات الأمنية لتشمل التنمية الاقتصادية في المناطق الريفية والمنافذ الحدودية، وتوفير بدائل معيشية للسكان، وإصلاح النظام المالي بهدف القضاء على أساليب غسل الأموال، بما يضمن عدم تحول الكبتاغون إلى سمة مميزة ومصدر اقتصادي حقيقي في سوريا بعد الحرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك