يشعر كثير من الأشخاص، خاصة النساء، بإرهاق شديد في نهاية اليوم، ويعتقدون أن السبب هو ضغط العمل أو كثرة المسئوليات، لكن خبراء الصحة النفسية يؤكدون أن هناك نوعًا آخر من الإرهاق لا يرتبط بالمجهود البدني، بل بما يعرف بـ" الحمل أو العبء الذهني" (Mental Load)*، وهو العبء غير المرئي الناتج عن التفكير المستمر في إدارة تفاصيل الحياة اليومية.
ووفقًا لتقرير نشره موقع Bolde، فإن الإرهاق قد لا يكون بسبب ساعات العمل الطويلة، وإنما نتيجة أن يكون شخص واحد داخل الأسرة مسئولًا عن تذكر كل التفاصيل، مثل مواعيد تطعيم الأطفال أو الحيوانات الأليفة، وشراء احتياجات المنزل، ومتابعة الفواتير، وحجز المواعيد الطبية، والتخطيط للوجبات، وهي مهام ذهنية لا يلاحظها الآخرون لكنها تستنزف الطاقة النفسية بشكل كبير.
الحمل الذهني هو العمل العقلي المستمر الذي يتضمن التخطيط، والتنظيم، والتذكر، وتوقع الاحتياجات قبل حدوثها.
وعلى عكس الأعمال المنزلية التي يمكن رؤيتها، فإن هذا النوع من الجهد يظل غير مرئي، لأنه يحدث داخل العقل طوال الوقت.
ويشير خبراء علم النفس إلى أن الشخص الذي يتحمل هذا العبء لا ينفذ المهام فقط، بل يتذكر أيضًا موعد تنفيذها، ويتابع ما تم إنجازه، ويفكر فيما يجب القيام به بعد ذلك، وهو ما يجعله يشعر بالإجهاد حتى في أوقات الراحة.
لماذا يسبب هذا العبء الإرهاق؟يوضح الخبراء أن الدماغ لا يحصل على فرصة حقيقية للراحة عندما يظل منشغلًا بقائمة طويلة من المسؤوليات.
فحتى أثناء مشاهدة التليفزيون أو الاستعداد للنوم قد يستمر التفكير في احتياجات الأسرة أو العمل أو المنزل.
ومع مرور الوقت، قد يؤدي هذا الضغط المستمر إلى الشعور بالإجهاد الذهني، وصعوبة التركيز، واضطرابات النوم، والعصبية، والشعور بأن الشخص مسئول عن كل شيء بمفرده.
من الأكثر عرضة للحمل الذهني؟تشير الدراسات إلى أن هذا العبء يظهر لدى أي شخص يتحمل مسئولية إدارة شئون الأسرة، لكنه يكون أكثر شيوعًا بين النساء، خاصة الأمهات، بسبب الأدوار الاجتماعية التي تجعلهن غالبًا المسئولات عن التخطيط والتنظيم وتوقع احتياجات أفراد الأسرة، حتى عندما تكون الأعمال المنزلية موزعة بين الطرفين.
كيف يمكن تقليل هذا العبء؟ينصح خبراء الصحة النفسية بعدة خطوات، منها:- توزيع مسئوليات التخطيط، وليس التنفيذ فقط، بين أفراد الأسرة.
- استخدام تقويم أو تطبيقات لتسجيل المواعيد والمهام بدلًا من الاعتماد على الذاكرة.
- عقد اجتماع أسري أسبوعي لتقسيم المسئوليات.
- طلب المساعدة عند الشعور بالضغط وعدم تحمل كل الأعباء بمفردك.
- تخصيص وقت يومي للراحة بعيدًا عن التفكير في المهام المنزلية.
إذا استمر الشعور بالإرهاق لفترات طويلة، أو صاحبه فقدان الشغف، واضطرابات النوم، وصعوبة التركيز، أو أعراض القلق والاكتئاب، فمن الأفضل استشارة طبيب أو أخصائي نفسي، لأن الحمل الذهني المستمر قد يتحول إلى احتراق نفسي يؤثر في جودة الحياة والصحة العامة.
ويؤكد الخبراء أن الاعتراف بوجود هذا النوع من الجهد هو الخطوة الأولى للتعامل معه، فالمشكلة ليست في كثرة العمل فقط، بل في تحمل مسؤولية التفكير والتخطيط والتذكر طوال الوقت، وهي مسؤولية قد تكون أكثر إنهاكًا من الأعمال نفسها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك