إيلاف من لندن: بعد مرور ما يقرب من ألف عام، عاد نسيج بايو (Bayeux Tapestry) الذي يعود تاريخه للقرون الوسطى، والذي لا يُقدّر بثمن ويُصوّر الغزو النورماندي عام 1066 إلى الأراضي البريطانية.
رافقت الشرطة بعناية فائئقة النسيج في رحلته عبر القناة الإنجليزية.
ووسط أجواء من السرية التامة، جرت عملية معقدة وخفية في المتحف البريطاني تزامناً مع وصول هذه القطعة الأثرية النفيسة في جنح الليل.
وتساءل مراقبون، ما إذا كان اتفاق المملكة المتحدة الدقيق لاستعارة" نسيج بايو" من فرنسا: هل هو إنجاز دبلوماسي أم مقامرة ثقافية؟وإذ ذاك، فإنه حسب تقرير لقناة (سكاي نيوز) البريطانية فقد شبهت وقائع وصوله المرتقب بشدة أحداث أفلام السطو ولكن بشكل معكوس؛ إذ رافقت الشرطة النسيج من فرنسا إلى بريطانيا في عملية سرية كان من الممكن أن تؤدي أي هفوة فيها إلى كارثة، كما ظلت كافة تفاصيل موعد وطريقة وصوله طي الكتمان لدواعٍ أمنية.
وعندما أُنزل أخيراً الصندوق الذي يضم هذا العمل الفني النفيس -الذي يوثق الغزو النورماندي عام 1066- في متحف لندن، تعالت تصفيقات وهتافات الدبلوماسيين البريطانيين والفرنسيين.
يُعد هذا العمل الفني، الذي يعود تاريخه إلى القرن الحادي عشر، قطعة تطريز ضخمة تروي أحداثاً سبقت معركة هاستينغز عام 1066.
ويصور النسيج -عبر الكلمات والصور- الغزو النورماندي الذي أنهى حكم الساكسونيين بقيادة الملك هارولد، وأدى إلى تنصيب" ويليام الفاتح" كأول ملك نورماندي لإنجلترا؛ وهي المرة الأخيرة التي تعرضت فيها إنجلترا لغزو ناجح.
صُنع النسيج من خيوط صوفية مصبوغة طُرّزت على قماش كتاني مُبيّض، ويبلغ طوله 68 متراً موزعاً على أربع لوحات، حيث يسرد قصته من خلال 58 مشهداً تزخر بتفاصيل حية وأحياناً دموية.
ويظهر في النسيج نحو 627 شخصية، ستة منهم فقط من النساء، كما يضم 737 حيواناً.
لماذا يحظى بهذه الأهمية البالغة؟ويُشكل هذا النسيج مصدراً بصرياً فريداً لدراسة حدث محوري ومؤثر للغاية في التاريخ البريطاني (والفرنسي).
ففي حين أن معظم الروايات التاريخية لتلك الحقبة مكتوبة، يظل هذا النسيج هو السجل المصوّر الوحيد المتبقي، وذلك وفقاً للمتحف البريطاني.
وتقول ميلي هورتون-إنش، منسقة المشروع للمعرض: " يتمتع النسيج بثراء عاطفي يصعب حقاً استمداده من المصادر المكتوبة".
" إنها تقرّب الناس من هذا التاريخ أكثر من أي قطعة أخرى؛ فالأمر يختلف تماماً عن مجرد قراءة نص.
أنت تنظر إلى شيء لمسته أيدي أشخاص عاصروا تلك الحقبة وشعروا بضرورة توثيق هذه الأحداث بتلك الطريقة.
"كما يمثل نقل هذه القطعة التاريخية المهمة إلى لندن المرة الأولى التي تتواجد فيها داخل المملكة المتحدة منذ ألف عام؛ وهو حدث أثار اهتماماً كبيراً لدى المؤرخين وعامة الناس على حد سواء.
وقد بيعت نحو 100 ألف تذكرة في اليوم الأول لطرحها هذا الشهر للمعرض الذي يبدأ في 10 سبتمبر/أيلول.
من صنع نسيج بايو (Bayeux Tapestry)؟الإجابة البسيطة هي: لا أحد يعرف على وجه اليقين.
وقد طُرحت فرضيات عديدة حول الجهة الراعية لهذا العمل الفني، وشملت الأسماء المحتملة: ماتيلدا زوجة ويليام الفاتح، وإديث زوجة الملك الإنجليزي إدوارد" المعترف" (Edward the Confessor)، ورهبان دير القديس أوغسطين في كانتربري.
ويبدو أن الرأي السائد بين المؤرخين يميل إلى أن الأسقف أودو أسقف بايو -وهو الأخ غير الشقيق لويليام- كان ضالعاً في الأمر بطريقة ما، نظراً لتكرار ظهوره في المشاهد اللاحقة من النسيج.
كما أن مكان صنع نسيج بايو لا يزال مجهولاً.
وعلى مر السنين، اقترح الباحثون مواقع مختلفة على جانبي القناة الإنجليزية (بحر المانش).
ومع ذلك، يعتقد معظمهم الآن أنه صُنع في إنجلترا، وربما في مدينة كانتربري أو محيطها، ومن المحتمل أن تكون راهبات هنّ من قمن بحياكته.
أحيطت عملية نقله من فرنسا إلى لندن بسرية تامة، ووصل في وقت متأخر جداً من الليل ضمن عملية عالية التقنية وفائقة التأمين.
وتولت الشرطة مرافقة هذه الشحنة الثمينة خلال رحلتها التي استغرقت 11 ساعة وامتدت لمسافة 350 ميلاً.
وتم طي النسيج على شكل" الأكورديون" داخل صندوق يتم التحكم في مناخه الداخلي (درجة الحرارة والرطوبة) وبحجم سيارة صغيرة، ثم وُضع داخل هيكل واقٍ مصمم لامتصاص الصدمات.
والآن، وبعد وصوله بأمان إلى المتحف، سيقضي النسيج عدة أيام ليتأقلم مع الظروف البيئية الجديدة قبل أن يُفك تغليفه ويُبسط بعناية تمهيداً للمعرض، الذي يتوقع المتحف أن يكون واحداً من أكثر المعارض شعبية في تاريخه.
كان تأمين استعارة هذه السجادة المزخرفة (التابستري) بمثابة مهمة دبلوماسية عالية المخاطر، وقد أُعلن عنها خلال زيارة رسمية قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المملكة المتحدة في يوليو 2025.
وفي المقابل، سيعير المتحف البريطاني متاحفَ في منطقة نورماندي كنوزاً من مجموعة" ساتون هو" - وهي قطع أثرية تعود لطقوس دفن في سفينة أنجلو-ساكسونية من القرن السابع الميلادي - إلى جانب مقتنيات أخرى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك