لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقال رأي لستيفن مارش قال فيه إن العالم يتقدم ويترك خلفه أمريكا الانعزالية.
وأضاف أن انهيار النظام العالمي يسير على نحو أفضل بكثير مما كان متوقعا.
ففي البداية، ساد الغضب إزاء ما اعتبروه “خيانة أمريكا” حين دعا الرئيس ترامب إلى ضم كندا، وهدد غرينلاند، وفرض تعرفات جمركية على حلفائها، وبدأ حملته لتقويض حلف الناتو، والتي استمرت في اجتماعه الأخير هذا الأسبوع في أنقرة، تركيا.
ويعلق مارش أن هناك شعورا غريبا يتبلور الآن، وبخاصة داخل بعض الدول التي كانت تعرف سابقا بحلفاء أمريكا، يمكن الإشارة إليه بأنه: تصميم متفائل.
وقال إن هناك مبدأ راسخا في لعبة الشطرنج ينطبق على الجيوسياسة، وهو “التهديد أقوى من التنفيذ”، فقد كان احتمال تخلي الولايات المتحدة عن النظام العالمي أمرا مرعبا، مع أن الواقع يشير إلى بداية جديدة.
كان احتمال تخلي الولايات المتحدة عن النظام العالمي أمرا مرعبا، مع أن الواقع يشير إلى بداية جديدةوقد كانت كندا، جارة أمريكا، أول من أدرك ذلك، بطبيعة الحال.
فمنذ بداية ولاية ترامب الثانية، اشتدت الضغوط الأمريكية على التجارة.
ونتيجة لذلك، اضطرت كندا إلى إعادة النظر في قيمة رضا أمريكا أو عدم رضاها عنها.
وأجرى بنك كندا قبل فترة دراسة افتراضية افترض فيها إمكانية فرض الولايات المتحدة تعرفة جمركية بنسبة 25% على جميع صادرات كندا إليها.
وهو ما سيؤدي إلى تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي لكندا بنحو 2.
4 نقطة مئوية، وهو معدل يقع ضمن قدرة كندا على التكيف خلال فترة من الزمن.
وقد تكون كارثة بلا شك، لكنها ليست نهاية العالم، فهذا أسوأ سيناريو محتمل.
كما خلصت دراسة حديثة أجراها اقتصاديون في “معهد الدرع الكندي”، بتكليف من بودكاست “غلوفز أوف” الذي يشرف عليه الكاتب، إلى انخفاض صادرات كندا من البضائع إلى الولايات المتحدة العام الماضي بأكثر من 30 مليار دولار كندي (21 مليار دولار أمريكي)، أي ما يزيد عن 5% من إجمالي الصادرات إلى الولايات المتحدة.
إلا أن هذا الانخفاض تم تعويضه بنحو 29 مليار دولار كندي من الطلب الجديد من بقية دول العالم.
وعند إضافة الخدمات، ارتفع إجمالي صادرات كندا بما يقارب 7 مليارات دولار.
ويقول مارش: “يمكن لأمريكا أن تطلق ما تشاء من التهديدات، ولكن إذا كان لديك الألومنيوم أو النفط أو البوتاس، فسيشتريه أحد ما”.
وعلق أيضا أن الأمر لا يقتصر على كندا وحدها، فقد تفوقت الأسهم الأوروبية على نظيرتها الأمريكية في عام 2025، وشهدت ارتفاعا ملحوظا في أول شهرين من عام 2026.
وتبقي استراتيجية الصناعات الدفاعية الأوروبية، التي وضعت حيز التنفيذ في عام 2024، جزءا أكبر من الإنفاق العسكري الأوروبي المتزايد بسرعة داخل القارة.
وبعد أن أجبر تهديد الاتحاد الأوروبي بأداة مكافحة الإكراه، ما يسمى بـ”بازوكا التجارة”، التي تسمح بفرض تعريفات جمركية مضادة سريعة، ترامب على التراجع عن تهديداته المبكرة بشأن غرينلاند، بات الأوروبيون يدركون الآن أن لديهم مضيق هرمز خاصا بهم، ونقطة ضعف خاصة بهم قادرة على إخافة أمريكا.
ويضيف أن قوة التهديدات العسكرية الأمريكية تتضاءل كذلك، وإذا كان للتاريخ الحديث من درس، فهو أنه عندما تقرر الولايات المتحدة تحقيق هدف جيوسياسي بالقوة العسكرية، فمن المرجح جدا ألا يتحقق هذا الهدف.
وعلى الرغم من كل الصعاب في حرب مع الولايات المتحدة، حافظ النظام الإيراني الفاسد والقاسي على سلطته، وهو الآن يتلقى تخفيفا للعقوبات، بينما يبتكر الجيش الأمريكي أنواعا جديدة تماما من الهزائم.
تعلمت دول الخليج ومطاراتها الآن، أثناء حرب إيران، قيمة الضمانات الأمريكية وما تعنيه على أرض الواقع.
وفي قمة الناتو بأنقرة، حيث انتقد ترامب الدول الحليفة، وبخاصة إسبانيا، وكرر دعوته لسيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند، اعتبر قادة إسبانيا والدنمارك تصريحات ترامب مجرد تهديدات جوفاء، كما هو واضح.
وصرح رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بأن ترامب “انتصر في النقاش” حول رفع أعضاء الناتو لمستويات إنفاقهم الدفاعي.
ولعل السبب وراء زيادة إنفاقهم الآن هو إدراكهم لتراجع القوة العسكرية الأمريكية، فالدعم الأمريكي، مهما كان معناه اليوم، لا يضمن شيئا.
البيروقراطيات التي كانت تعرف سابقا ببطئها تتحرك الآن بسرعة مذهلة للحد من انكشافها على كل من الحكومة الأمريكية والشركات التي تعد بمثابة أذرع للنفوذ الأمريكيويقول مارش إن الأمر لا يقتصر على حلف الناتو فحسب، فالبيروقراطيات التي كانت تعرف سابقا ببطئها تتحرك الآن بسرعة مذهلة للحد من انكشافها على كل من الحكومة الأمريكية والشركات التي تعد بمثابة أذرع للنفوذ الأمريكي.
فمنذ توليه منصبه قبل ما يزيد قليلا عن عام، أبرمت حكومة كارني ما يزيد قليلا عن مئة اتفاقية تجارية دولية.
وقد وسع الاتحاد الأوروبي مشترياته الدفاعية عمدا لتجنب الاندماج مع القوات العسكرية.
ومع ذلك، سيكون فك الارتباط بالتكنولوجيا الأمريكية أصعب التحديات، لكن العمل جار بالفعل في هذا الشأن أيضا، فقد استبدل الاتحاد الأوروبي محرك البحث غوغل بمحرك البحث الفرنسي كوانت كمحرك بحث افتراضي في أنظمته الرسمية، بينما تخلت بلجيكا وفنلندا عن خدمات أمازون السحابية.
وبالطبع، لا يعني الواقع ما بعد الأمريكي عالما بلا أمريكا.
فبصفتها فاعلا جيوسياسيا مهما، أصبحت الولايات المتحدة أشبه بكائن ضخم عاجز، كائن يمكن إثارته للقيام بأفعال تلقائية، لكنه يفتقر إلى القدرات العليا.
يدرك الكثيرون حول العالم أن جولة أخرى من الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة أو انتخابات عام 2028 الرئاسية لن تحل شيئا.
فالشعب الأمريكي منقسم بشدة لدرجة أن المستقبل سيكون فوضويا بغض النظر عن الفائز، كما يشعر الكثيرون خارج الولايات المتحدة.
فهم يخشون ألا يتمكن رئيس عاقل، سواء كان جمهوريا أو ديمقراطيا، من ضمان سياسة أمريكية مستقرة أو تطبيق متسق حتى لأبسط المبادئ في العلاقات الدولية.
ولم يعد سؤال “ما هي أمريكا؟ ” سؤالا نظريا بحتا، بل أصبح مسألة عملية، فحكام عدد من الولايات الأمريكية لديهم برامج سياسية عقلانية، والمؤسسات الأمريكية ما زالت قائمة، بل إن بعض الأمريكيين حافظوا على مثلهم.
أما بالنسبة للكيان المعروف باسم الولايات المتحدة الأمريكية، فلا وجود له.
و”لم تعد هناك أمريكا حقيقية نتعامل معها، أمريكا، التي تزداد انعزالية، لم تعد قائدة العالم الحر.
كيف لها أن تكون كذلك وهي لم تعد قائدة لنفسها؟ ”.
وتخلق “أمريكا الزومبي”، على الأقل على المدى القصير، تناقضات، ففي كندا، لا تزال قيادة الدفاع الجوي لأمريكا الشمالية، التي تدار بالاشتراك مع الولايات المتحدة، أهم حلفاء كندا.
مع ذلك، بدأ موظفو الخدمة المدنية في كندا أيضا التدرب على استخدام الطائرات المسيرة تحسبا لاحتمال نشوب صراع غير متكافئ مع الولايات المتحدة.
ولا يمكن تحقيق الأمن الحقيقي إلا بإخراج بلدك من النفوذ الأمريكي، على جميع الجبهات قدر الإمكان.
ويشير إلى حكمة “التهديد أقوى من التنفيذ” المنسوبة إلى آرون نيمزوفيتش، أحد أبرز رواد مدرسة الشطرنج الحديثة.
وينطبق هذا القول على رقعة الشطرنج لأن كل الوقت والجهد المبذولين في محاولة تجنب كارثة ما قد يكون أسوأ من الكارثة نفسها.
بمجرد وقوع الأسوأ، يمكنك التركيز على التحسين التدريجي بدلا من التجنب، ويمكنك أن تصبح فاعلا بدلا من أن تكون سلبيا.
وفي الجيوسياسة، هناك جزء كبير من القوة هو مظهر القوة.
ومن هنا ينبغي على كل من يؤمن بالحرية والديمقراطية وكرامة الإنسان وحق الأمم في تقرير مصيرها أن يعمل على تقويض قدرة الولايات المتحدة على بسط نفوذها، لإنهاء سيطرتها الغريبة على العالم حتى نتمكن جميعا من المضي قدما.
حتى الآن، لا أحد يقدم مساعدة أكبر من الولايات المتحدة نفسها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك