CNN بالعربية - دراسة: "إنسان الهوبيت" ربما اقتات على بقايا فرائس تنانين كومودو العربية نت - 6 علامات تستدعي إطفاء هاتفك فورًا القدس العربي - مجلس التعاون الخليجي يرحب بإعلان أمريكا بدء إجراءات إلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب وكالة الأناضول - وصفها بالناجحة.. البيت الأبيض ينشر فيديو لقمة الناتو بأنقرة الجزيرة نت - الاتحاد النرويجي في ورطة.. طوابير بطول 600 متر في أوسلو قبل مواجهة إنجلترا سكاي نيوز عربية - تصريحات بونو عن ميسي والأرجنتين تثير الجدل وكالة سبوتنيك - بحر غزة متنفس وحيد للسكان رغم تلوث مياهه. وكالة الأناضول - دوران: أذان "آيا صوفيا" سيظل يتردد في سماء تركيا إلى الأبد DW عربية - حرب إيران .. كيف تتلاعب روبوتات آلية بالرأي العام الأوروبي؟ وكالة شينخوا الصينية - شي: الصين على استعداد لتعزيز التعاون في مجال التعدين مع الدول الإفريقية
عامة

حين يصبح النقد مرآة عاكسة لذات الناقد

سودانايل الإلكترونية
1

لَيْسَ غَرِيباً أَنْ يَنْقُدَ وَيُحَلِّلَ مُثَقَّفَ لِيبْرالِيٍّ مَواقِفَ الحِزْبِ الشُيُوعِيِّ السُودانِيِّ، لٰكِنَّ الغَرِيبَ بِالفِعْلِ أَنْ يَأْتِيَ نَقْدُهُ لِلمارْكِسِيَّةِ مِن خارِجِ جَدَلِيَّة...

لَيْسَ غَرِيباً أَنْ يَنْقُدَ وَيُحَلِّلَ مُثَقَّفَ لِيبْرالِيٍّ مَواقِفَ الحِزْبِ الشُيُوعِيِّ السُودانِيِّ، لٰكِنَّ الغَرِيبَ بِالفِعْلِ أَنْ يَأْتِيَ نَقْدُهُ لِلمارْكِسِيَّةِ مِن خارِجِ جَدَلِيَّةِ التارِيخِ.

يَطْرَحُ العَدِيدُ مِن المُثَقَّفِينَ اللِيبِرالِيِّينَ السُودانِيِّينَ سُؤالٌ مَرْكَزِيّاً فِي مُقارَباتِهِم النَقْدِيَّةِ لِلحِزْبِ الشُيُوعِيِّ: “لِماذا اِسْتَطاعَ الحِزْبُ أَنْ يُنْتِجَ فِكْراً مُؤَثِّراً، لٰكِنَّهُ عَجَزَ عَن إِنْتاجِ سُلْطَةٍ سِياسِيَّةٍ مُسْتَدامَةٍ؟ ” وَهٰذا السُؤالُ، فِي حَدِّ ذاتِهِ، يَكْشِفُ عَن نَظْرَةٍ مِثالِيَّةٍ لِلتارِيخِ، تُفْتَرَضُ أَنَّ الأَفْكارَ تُوَلِّدُ سُلْطَتَها بِشَكْلٍ طَبِيعِيٍّ، وَأَنَّ المارْكِسِيَّةَ تُقِرُّ بِوُجُودِ عَلاقَةٍ خَطِّيَّةٍ بَيْنَ الفِكْرِ وَالسُلْطَةِ.

لٰكِنَّ المادِّيَّةَ الجَدَلِيَّةَ تَنْظُرُ إِلَى المَسْأَلَةِ مِن زاوِيَةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَماماً: فَالحِزْبُ الشُيُوعِيُّ السُودانِيُّ لَمْ يَعْجَزْ، كَما يَزْعُمُونَ، عَن “تَحْوِيلِ الرَأْسُمالِ الفِكْرِيِّ إِلَى رَأْسِمالِ سِياسِيٍّ”، بَلْ واجَهَ تَناقُضاً بِنْيَوِيّاً يَتَمَثَّلُ فِي أَنَّ الدَوْلَةَ السُودانِيَّةَ نَفْسَها لَمْ تَكُنْ دَوْلَةً طَبَقَةً بِالمَعْنَى المارْكِسِيِّ الكْلاسِيكِيِّ، بَلْ كانَتْ تارِيخِيّاً دَوْلَةً قَبْلِيَّةً طائِفِيَّةً مُشَوَّهَةً، نَمَطَ إِنْتاجِها مُتَخَلِّفٌ، وَأَجْهِزَتُها مُرْتَهِنَةٌ لِإِراداتٍ خارِجِيَّةٍ وَإِقْلِيمِيَّةٍ.

إِنَّ المُقارَباتِ الَّتِي تَدَّعِي أَنَّ الحِزْبَ “لَمْ يَنْجَحْ فِي بِناءِ أَغْلَبِيَّةٍ اِجْتِماعِيَّةٍ مُسْتَقِرَّةٍ” هِيَ مُقارَباتٌ تَخْتَزِلُ التارِيخَ فِي نَتِيجَةٍ نِهائِيَّةٍ، وَتَتَجاهَلُ أَنَّ التَجْرِبَةَ الشُيُوعِيَّةَ السُودانِيَّةَ كانَت تَخُوضُ صِراعاً غَيْرَ مُتَكافِئٍ مُنْذُ اللَحْظَةِ الأُولَى، لَيْسَ فَقَطْ مَعَ الخُصُومِ السِياسِيِّينَ، بَلْ مَعَ بُنْيَةٍ مُجْتَمَعِيَّةٍ تَقُومُ عَلَى التَراتُبِيَّةِ القَبَلِيَّةِ وَالطائِفِيَّةِ، حَيْثُ المَرْكَزُ لا يَخْدِمُ الهامِشَ، وَالسُلْطَةُ لا تُوَزِّعُ المَوارِدَ، بَلْ تَحْتَكِرُها.

فَكَيْفَ يُسَهِّلُ لِتَنْظِيمٍ مارْكِسِيٍّ أَنْ يَبْنِيَ “أَغْلَبِيَّةً” فِي مُجْتَمَعٍ “تَقُومُ فِيهِ القَبِيلَةُ وَالطائِفَةُ وَالدِينُ وَالمَناطِقِيَّةُ” كَأَساسٍ لِلوَلاءِ؟ ! إِنَّ إِعادَةَ إِنْتاجِ هٰذا التَناقُضِ فِي مُقارَباتِهِمْ، دُونَ تَقْدِيمٍ مُخْرَجٍ مِنْهُ، تَجْعَلُ مِنْ هٰذِهِ المُقارَباتِ مُجَرَّدَ وَصْفٍ لِلعَوارِضِ دُونَ تَشْخِيصِ الداءِ.

تَدَّعِي تِلْكَ المُقارَباتُ أَنَّ الحِزْبَ قَدْ تَعامَلَ مَعَ “الفِكْرِ بِوَصْفِهِ مَرْكَزَ المَشْرُوعِ السِياسِيِّ”، وَتَزَعَّمَ بِأَنَّ “التَحْلِيلَ الطَبَقِيَّ وَحْدَهُ غَيْرَ كافٍ لِفَهْمِ الواقِعِ”.

وَهُنا تَكْمُنُ المُفارَقَةُ الكُبْرَى: فَالمارْكِسِيَّةُ لَمْ تَكُنْ أَبَداً ذٰلِكَ الفِكْرَ المُغْلَقَ الَّذِي يَخْتَزَلُ المُجْتَمَعَ فِي الطَبَقَةِ العامِلَةِ الصِناعِيَّةِ فَقَط.

صَحِيحٌ أَنَّ الحِزْبَ الشُيُوعِيَّ السُودانِيَّ تَأَثَّرَ بِالنَمُوذَجِ التَقْلِيدِيِّ، لٰكِنَّ تَطَوُّرَ المارْكِسِيَّةِ فِي العُقُودِ الأَخِيرَةِ تَجاوَزَ هٰذا المَأْزِقَ، مِن خِلالِ مَفاهِيمَ مِثْلِ “الاِسْتِعْمارِ الداخِلِيِّ” وَ”تَعَدُّدِيَّةِ الأَوْضاعِ الإِنْتاجِيَّةِ” وَ”المُجْتَمَعِ المُرَكَّبِ”.

غَيْرَ أَنَّ المُقارَباتِ اللِيبْرالِيَّةَ، تُقَدِّمُ صُورَةً كارِيكاتُورِيَّةً لِلخِطابِ اليَسارِيِّ، وَكَأَنَّهُ ظَلَّ مُتَحَجِّراً فِي نَصِّ مارْكْس لِلقَرْنِ التاسِعَ عَشَرَ، مُتَجاهِلاً أَنَّ تَيّاراتٍ مارْكِسِيَّةً عَدِيدَةً فِي العالَمِ حاوَلَت -بِدَرَجاتٍ مُتَفاوِتَةٍ مِن النَجاحِ -أَنْ تُزاوِجَ بَيْنَ التَحْلِيلِ الطَبَقِيِّ وَتَحْلِيلِ القَضايا القَوْمِيَّةِ وَالعِرْقِيَّةِ وَالإِقْلِيمِيَّةِ.

إِشْكالِيَّةُ تِلْكَ المُقارَباتِ، أَنَّها تَحْمِلُ الحِزْبَ وَحْدَهُ مَسْؤُولِيَّةَ عَدَمِ اِمْتِدادِهِ فِي الرِيفِ، مُتَناسِياً أَنَّ الرِيفَ السُودانِيَّ كانَ وَلا يَزالُ يَخْضَعُ لِسَيْطَرَةِ الإِقْطاعِ وَنِظامِ الإِدارَةِ الأَهْلِيَّةِ الَّذِي وَضَعَهُ الاِسْتِعْمارُ، وَالَّذِي حالَ دُونَ وُصُولِ أَيِّ خِطابٍ سِياسِيٍّ حَداثِيٍّ إِلَى هٰذِهِ المَناطِقِ، سَواءٌ كانَ يَسارِيّاً أَوْ لِيبْرالِيّاً.

فَهَلْ كانَ عَلَى الحِزْبِ أَنْ يَتَخَفَّى بِجِلْبابِ الشَيْخِ أَوْ العُمْدَةِ لِيَكْسِبَ الجَماهِيرَ؟ أَمْ أَنَّ المَطْلُوبَ كانَ بِناءَ تَحالُفاتٍ مَعَ هٰذِهِ البُنَى، وَهُوَ ما كانَ سَيَقُودُ حَتْماً إِلَى تَخْفِيفِ حِدَّةِ خِطابِهِ؟ إِنَّ هٰذِهِ المُفارَقَةَ هِيَ جَوْهَرُ المَأْزِقِ الَّذِي يَعِيشُهُ الحِزْبُ الشُيُوعِيُّ، وَلٰكِنَّ المُقارَباتِ تَمُرُّ عَلَيْها مُرُوراً عابِراً، وَكَأَنَّها مُجَرَّدُ مَسْأَلَةِ اِخْتِيارٍ خاطِئٍ وَلَيْسَ مُعْضِلَةً بِنْيَوِيَّةً.

تَتَّهِمُ المُقارَباتُ اللِيبِرالِيَّةُ الحِزْبَ بِـأَنَّهُ “شِدّيدَ الصَرامَةِ فِي الدِفاعِ عَن مَبادِئِهِ، لٰكِنَّهُ أَقَلُّ مُرُونَةً فِي إِدارَةِ التَحالُفاتِ”، وَعادَةً ما تَلْجَأُ لِضَرْبٍ مَثَلاً بِتَجْرِبَةِ جَنُوبِ إِفْرِيقْيا الَّتِي نَجَحَ فِيها اليَسارُ مِن خِلالِ تَحالُفٍ واسِعٍ.

لٰكِنَّها هُنا تُغْفِلُ الفِرَقَ الجَوْهَرِيَّ بَيْنَ تَجْرِبَةِ جَنُوبِ أَفْرِيقْيا وَتَجْرِبَةِ السُودانِ.

فَفِي جَنُوبِ إِفْرِيقْيا كانَ الصِراعُ واضِحاً ضِدَّ نِظامِ الفَصْلِ العُنْصُرِيِّ، وَهُوَ صِراعُ مَرْكَزِهِ الوَحِيدُ هُوَ تَحْقِيقُ المُساواةِ العِرْقِيَّةِ، حَيْثُ اِلْتَقَتْ عَلَيْهِ قُوىً اِجْتِماعِيَّةٌ مُخْتَلِفَةٌ.

أَمّا فِي السُودانِ، فَالصِراعُ مُتَعَدِّدُ المُسْتَوَياتِ: مَرْكَزِي/هامْشِي، عَرَبِيٌّ/أَفْرِيقِيٌّ، إِسْلامَوِيٌّ/عِلْمانِيٌّ، وَرَأْسُمالِيٌّ حُكُومِيٌّ/طَبَقاتٌ فَقِيرَةٌ.

وَهٰذا التَعَدُّدُ يَجْعَلُ أَيَّ تَحالُفٍ واسِعٍ أَشْبَهَ بِمُحاوَلَةِ رُكُوبِ مَوْجاتٍ مُتَضارِبَةٍ، وَهُوَ ما جَعَلَ الحِزْبَ الشُيُوعِيَّ السُودانِيَّ يَدْفَعُ ثَمَناً باهِظاً فِي كُلِّ تَحالُفٍ دَخَلَ فِيهِ: تَحالُفُ 1965 مَعَ الأُمَّةِ، تَحالُف 1986 مَعَ التَجَمُّعِ الوَطَنِيِّ لِإِنْقاذِ الوَطَنِ، تَحالُفُ 2019 مَعَ قُوَى إِعْلانِ الحُرِّيَّةِ وَالتَغْيِيرِ.

وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ، كانَ الحِزْبُ يَخْرُجُ مِنْ تلك التحالفات مُنْهَكاً، لَيْسَ بِسَبَبِ “نَقاءِ المَوْقِفِ” أَوْ “الصَرامَةِ الأيديولوجِيَّةِ”، بَلْ بِسَبَبِ طَبِيعَةِ شُرَكائِهِ الَّذِينَ كانُوا يَسْتَخْدِمُونَ الحِزْبَ كَدِرْعٍ، ثُمَّ يَتَخَلَّوْنَ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ وُصُولِهِمْ إِلَى السُلْطَةِ.

إِنَّ المُقارَباتِ اللِيبِرالِيَّةَ الناقِدَةَ لِمَواقِفِ الشُيُوعِيِّ تَقْرَأُ التَحالُفاتِ وَكَأَنَّها مَسْأَلَةٌ تِقْنِيَّةٌ، بَيْنَما هِيَ مَسْأَلَةٌ تكتيكية تَرْتَبِطُ بِالتَناقُضاتِ الأَساسِيَّةِ لِلمُجْتَمَعِ.

فَالمارْكِسِيَّةُ لا تَرْفُضُ التَحالُفاتِ مِن حَيْثُ المَبْدَأِ، وَلٰكِنَّها تَنْظُرُ إِلَيْها كَوَسِيلَةٍ مُؤَقَّتَةٍ لِتَحْقِيقِ أَهْدافٍ مُحَدَّدَةٍ، مَعَ الإِبْقاءِ عَلَى اِسْتِقْلالِيَّةِ التَنْظِيمِ وَهُوِيَّتِهِ الطَبَقِيَّةِ.

وَلَعَلَّ تَجْرِبَةَ الشُيُوعِيِّ السُودانِيِّ فِي تَحالُفاتِهِ المُخْتَلِفَةِ تُثْبِتُ أَنَّ الحِزْبَ كانَ أَحْياناً أَكْثَرَ مُرُونَةً مِمّا يَنْبَغِي، وَلَيْسَ العَكْسَ، كَما تُوحِي بِذٰلِكَ تِلْكَ المُقارَباتُ.

تُطالِبُ المُقارَباتُ اللِيبِرالِيَّةُ الحِزْبَ بِأَنْ “يَنْتَقِلَ مِن مَوْقِعِ المُعارَضَةِ الدائِمَةِ إِلَى مَوْقِعِ تَقْدِيمِ البَدائِلِ”، وَأَنْ يُقَدِّمَ “تَصَوُّراً عَمَلِيّاً لِلدَوْلَةِ الَّتِي يُرِيدُ بِناءَها فِي مُجْتَمَعٍ مُتَعَدِّدِ الأَعْراقِ وَالثَقافاتِ وَالأَدْيانِ”.

وَهٰذا النَقْدُ، فِي ظاهِرِهِ، نَقْدُ صائِبٌ، وَلٰكِنَّهُ فِي جَوْهَرِهِ يَنْسَى أَنَّ الحِزْبَ الشُيُوعِيَّ السُودانِيَّ قَدَّمَ، فِي العَدِيدِ مِن وَثائِقِهِ، تَصَوُّراتٌ واضِحَةٌ عَن الدَوْلَةِ العِلْمانِيَّةِ اللامَرْكَزِيَّةِ، وَعَن العَدالَةِ الاِنْتِقالِيَّةِ، وَعَن تَوْزِيعِ السُلْطَةِ وَالثَرْوَةِ.

المُشْكِلَةُ لَيْسَت فِي غِيابِ البَدِيلِ، بَلْ فِي أَنَّ هٰذا البَدِيلَ يَصْطَدِمُ بِمَصالِحِ طَبَقَةٍ سِياسِيَّةٍ عَسْكَرِيَّةٍ تَقُومُ عَلَى الفَسادِ وَتِجارَةِ السِلاحِ وَالوَساطَةِ الإِقْلِيمِيَّةِ، لا يُمْكِنُ التَغَلُّبُ عَلَيْها بِالخِطابِ وَحْدَهُ، كَما تُوحِي تِلْكَ المُقارَباتُ القافِزَةُ فَوْقَ اِشْتِراطاتِ الواقِعِ.

وَالأَكْثَرُ عَجَباً مِن ذٰلِكَ، أَنَّ المُقارَباتِ تَتَحَدَّثُ وَكَأَنَّ “الجَماهِيرَ لا تُصَوِّتُ لِلنَظَرِيّاتِ بَلْ لِمَنْ يُلامِسُ مَصالِحَها اليَوْمِيَّةَ”، مُتَناسِيَةً أَنَّ التَسْوِيقَ السِياسِيَّ نَفْسَهُ يَحْتاجُ إِلَى وَسائِلَ وَمَوارِدَ وَإِعْلامٍ، وَهِيَ أَشْياءُ كانَت وَما زالَت مُحْتَكِرَةً مِن قِبَلِ خُصُومِ الحِزْبِ الشُيُوعِيِّ، الَّذِينَ يَسْتَخْدِمُونَ القَبِيلَةَ وَالدِينَ وَالمالَ كَأَدَواتٍ لِلهَيْمَنَةِ.

فَالحِزْبُ الشُيُوعِيُّ ظِلَّ تارِيخِيّاً يُنافِسُ فِي سِباقٍ غَيْرِ مُتَكافِئٍ، وَيُحاوِلُ جاهِداً بِناءَ الثِقَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجَماهِيرِ ” عَبْرَ الحُضُورِ المُسْتَمِرِّ” فِي مُجْتَمَعٍ تُسَيْطِرُ عَلَيْهِ أَجْهِزَةٌ أَمْنِيَّةٌ تَمْنَعُ أَيَّ حُضُورٍ سِياسِيٍّ لِلقُوَى الدِيمُقْراطِيَّةِ، خاصَّةً بَعْدَ اِنْقِلاباتِ نُمَيرِي وَإِنْقاذِ البَشِيرِ وُصُولاً إِلَى اِنْقِلابِ المُكَوِّنِ العَسْكَرِيِّ 2021.

إِنْ وَصِفَ الحِزْبُ بِأَنَّهُ “اِقْتَرَبَ مِن حِزْبِ نُخْبَةٍ مُتَعَلِّمَةٍ مِنهُ إِلَى حِزْبٍ جَماهِيرِيٍّ”، يَتَجاهَلُ القَمْعَ المَنْهَجِيَّ الَّذِي اِسْتَهْدَفَ كُلَّ مُحاوَلاتِ التَنْظِيمِ العُمّالِيِّ وَالفَلّاحِي.

تَتَوَقَّفُ تِلْكَ المُقارَباتُ عِنْدَ إِشْكالِيَّةِ المَرْكَزِ/الهامِشِ بِطَرِيقَةٍ سَطْحِيَّةٍ حِينَ تَدَّعِي إِنَّ الحِزْبَ “لَمْ يَنْجَحْ فِي بِناءِ اِمْتِدادٍ راسِخٍ داخِلَ الرِيفِ”.

لٰكِنَّ المارْكِسِيَّةَ، وَمُنْذُ كِتاباتِ روزا لوكسمبورغ حَوْلَ تَراكُمِ الرَأْسِمالِ، تَعَلَّمَ أَنَّ الرِيفَ لَيْسَ مُجَرَّدَ وِعاءٍ لِلجَماهِيرِ غَيْرِ المُثَقَّفَةِ، بَلْ هُوَ مَوْقِعُ صِراعٍ اِجْتِماعِيٍّ بَيْنَ مُلّاكِ الأَراضِي وَالفَلّاحِينَ المُعْدَمِينَ، وَأَنَّ تَحْرِيرَهُ يَحْتاجُ إِلَى بَرْنامَجٍ زِراعِيٍّ جِذْرِيٍّ، وَقَبْلَ ذٰلِكَ، إِلَى كَسْرِ إِقْطاعِيَّةِ السُلْطَةِ.

نَعَم إِنَّ الحِزْبَ الشُيُوعِيَّ السُودانِيَّ كانَ دائِماً أَكْثَرَ حُضُوراً فِي المُدُنِ وَالمَناطِقِ الحَضَرِيَّةِ، وَهٰذا لَيْسَ عَيْباً بِقَدْرِ ما هُوَ اِنْعِكاسٌ لِطَبِيعَةِ تَطَوُّرِ الرَأْسِمالِيَّةِ فِي السُودانِ، وَالَّتِي بَدَأَت مِن المُدُنِ، وَجَعَلَت العُمّالَ وَالمُوَظَّفِينَ وَالطُلّابَ هُم طَلِيعَةُ التَغْيِيرِ.

فَهَلْ كانَ عَلَى الحِزْبِ أَنْ يَنْتَظِرَ حَتَّى يَتَحَوَّلَ السُودانُ إِلَى مُجْتَمَعٍ زِراعِيٍّ رَأْسُمالِيٍّ لِيَبْدَأَ نَشاطَهُ؟ أَمْ أَنَّ التَحَدِّيَ الحَقِيقِيَّ هُوَ كَيْفَ يَرْبِطُ بَيْنَ قَضِيَّةِ الفَلّاحِينَ وَقَضِيَّةِ العُمّالِ فِي بَرْنامَجٍ سِياسِيٍّ مُوَحَّدٍ، وَهُوَ ما حاوَلَهُ الحِزْبُ فِي فَتَراتٍ عَدِيدَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَنْجَحْ فِيهِ بِالقَدْرِ الكافِي.

ثم مِن بَعْدِ تَمْضِي المُقارَباتُ لِتُعْلِنَ أَنَّ “مُسْتَقْبَلَ الحِزْبِ الشُيُوعِيِّ لا يَكْمُنُ فِي إِعادَةِ إِنْتاجِ الخِطابِ القَدِيمِ، بَلْ فِي إِعادَةِ قِراءَةِ السُودانِ الجَدِيدِ”.

وَهِيَ هُنا تُكَرِّرُ، دُونَ وَعْيٍ، ما يَقُولُهُ الشُيُوعِيُّ فِي كُلِّ وَثائِقِهِ لٰكِنَّها تَنْسَى أَوْ تَتَناسَى أَنَّ هٰذا السُودانَ “الجَدِيدَ” هُوَ نِتاجُ عُقُودٍ مِن سِياساتِ التَهْمِيشِ وَإِشْعالِ الحُرُوبِ الأَهْلِيَّةِ، وَأَنَّ قِراءَتَهُ لَيْسَت مُجَرَّدَ عَمَلِيَّةٍ أَكادِيمِيَّةٍ، بَلْ مَشْرُوعٌ سِياسِيٌّ يَسْتَلْزِمُ أَوَّلاً بِوَقْفِ إِطْلاقِ النارِ، وَتَفْكِيكِ آلِيّاتِ الحَرْبِ، وَمُحاكَمَةِ مُجْرِمِيها.

وَإِلّا، فَكَيْفَ يُطْلَبُ مِنْ حِزْبٍ سِياسِيٍّ أَنْ يُقَدَّمَ بَدائِلَ فِي دَوْلَةٍ مُفَكَّكَةٍ؟ ، إِنَّ الكَثِيرَ مِنْ تِلْكَ المُقارَباتِ اللِيبْرالِيَّةِ تَنْتَهِي بِعِبارَةٍ رَنّانَةٍ: “بَيْنَ الفِكْرِ وَالسُلْطَةِ مِساحَةٌ اِسْمُها بِناءُ التَحالُفاتِ، وَإِدارَةُ الاِخْتِلافِ، وَصِناعَةُ الثِقَةِ”.

وَكَأَنَّ هٰذِهِ المُهِمّاتِ يُمْكِنُ أَنْ تَتِمَّ فِي المُخْتَبَرِ، بَعِيداً عَنْ سَطْوَةِ السِلاحِ، وَشَراسَةِ التَدَخُّلاتِ الخارِجِيَّةِ، وَتَجاذُباتِ الإِقْلِيمِ.

فِي نِهايَةِ المَطافِ، لا تُقَدِّمْ تِلْكَ المُقارَباتُ أَيَّ جَدِيدٍ يُذْكَرُ فِي نَقْدِ الشُيُوعِيِّ السُودانِيِّ، فَكُلُّ ما قالَتْهُ قَدْ ذَكَرَ مِراراً فِي وَثائِقِ الحِزْبِ الشُيُوعِيِّ المَنْشُورَةِ وَتَناوَلِهِ الكَثِيرَ مِن الشُيُوعِيِّينَ بِعُمْقٍ أَكْبَرَ وَنَقْدٍ ذاتِيٍّ أَكْثَرَ.

المُشْكِلَةُ الحَقِيقِيَّةُ فِي تلك المُقارَباتِ، مِنْ وِجْهَةِ نَظَرٍ مارْكِسِيَّةٍ، أَنَّها تَحْمِلُ الحِزْبَ وَحْدَهُ مَسْؤُولِيَّةَ الإِخْفاقِ الوَطَنِيِّ، وَكَأَنَّ الظُرُوفَ المَوْضُوعِيَّةَ، وَالقَمْعَ السِياسِيَّ، وَتَخَلُّفَ نَمَطِ الإِنْتاجِ، وَتَدْخُلَ القُوَى الإِقْلِيمِيَّةَ وَالدَوْلِيَّةَ، وَخِيانَةَ الحُلَفاءِ لِلمَواثِيقِ وَالعُهُودِ فِي كُلِّ تَجْرِبَةٍ تَحالُفِيَّةٍ لَيْسَت سِوَى خَلْفِيَّةٍ عابِرَةٍ، وَلَيْسَتْ فَواعِلَ رَئِيسِيَّةً فِي تَشْكِيلِ المَصِيرِ.

وَكَأَنَّما الحِزْبُ الشُيُوعِيُّ، -كَما تُوحِي-، ظَلَّ حِزْباً كْلاسِيكِيّاً مُتَحَجِّراً، بَيْنَما الأَحْزابُ الدِينِيَّةُ وَالطائِفِيَّةُ وَاللِيبْرالِيَّةُ السُودانِيَّةُ هِيَ الَّتِي فُهِمَتْ لعبة السِياسَةِ.

الحَقِيقَةُ المارْكِسِيَّةُ، الَّتِي ما زالَت صالِحَةً رَغْمَ كُلِّ النَقْدِ المُوَجَّهِ إِلَيْها، وَتُغْفِلُها تِلْكَ المُقارَباتُ هِيَ أَنَّ الوَعْيَ الجَدِيدَ لا يُولَدُ مِنْ العَدَمِ، وَلا مِنْ النَوايا الحَسَنَةِ وَحْدَها، بَلْ مِنْ داخِلِ التَناقُضاتِ المَلْمُوسَةِ لِلواقِعِ المَلْمُوسِ.

وَنَحْنُ اليَوْمَ فِي السُودانِ وَبَعْدَ هٰذِهِ الحَرْبِ الضَرُوسِ، الَّتِي كَشَفَت عَن فَشَلِ الدَوْلَةِ الوَطَنِيَّةِ فِي كُلِّ تَجَلِّياتِها قَدْ وَصَلْنا إِلَى لَحْظَةِ التَناقُضِ الحادِّ الَّتِي تَجْعَلُ الجَماهِيرَ تَلْتَفُّ حَوْلَ مَشْرُوعٍ سِياسِيٍّ بَدِيلٍ.

وَالمَطْلُوبُ مِنْ الحِزْبِ الشُيُوعِيِّ، وَكافَّةِ القُوَى الوَطَنِيَّةِ وَالدِيمُقْراطِيَّةِ أَنْ تَكُونَ جاهِزَةً، بِمَشْرُوعٍ عَمَلِيٍّ قابِلٍ لِلتَنْفِيذِ لِلتَغْيِيرِ الجَذْرِيِّ؛ وَبِرُؤْيَةٍ وَطَنِيَّةٍ جَدِيدَةٍ تَكْتَبُ فِي مُخَيَّماتِ النُزُوحِ، وَفِي تَجَمُّعاتِ العُمّالِ وَالمُزارِعِينَ، وَفِي صُفُوفِ الجَماهِيرِ الجائِعَةِ وَلا تَكْتَبُ فِي الغُرَفِ المُغْلَقَةِ وَصالاتِ الفَنادِقِ ذاتِ الخَمْسَةِ نُجُومٍ.

تَيْسِيرُ حُسَن إِدْرِيسَ.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك