من سلسلة: الكتابة للمستقبلليست الحرب التي يعيشها السودان اليوم أزمة عسكرية فحسب، وليست أيضًا مجرد صراع سياسي بين أطراف تتنافس على السلطة.
إنها لحظة تاريخية كشفت انتهاء صلاحية نموذج كامل لإدارة الدولة.
وما ينهار أمام أعين السودانيين ليس حكومة ولا جيشًا ولا تحالفًا سياسيًا، بل فلسفة حكم استنفدت قدرتها على إنتاج الاستقرار، وأثبتت أنها تعيد تدوير الأزمات أكثر مما تصنع الحلول.
لهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل السودانيين لم يعد: من يحكم السودان بعد الحرب؟ بل: أي دولة نريد أن تقوم بعد أن تنتهي الحرب؟لقد استهلك السودان معظم الوصفات السياسية المعروفة؛ حكومات مدنية، وحكومات عسكرية، وحكومات انتقالية، واتفاقيات سلام، وشراكات سياسية، وحوارات وطنية، ودساتير مؤقتة ودائمة.
ومع ذلك، ظل التاريخ يعيد إنتاج نفسه بصورة أكثر قسوة.
والسبب أن جميع تلك المحاولات كانت تتعامل مع السلطة بوصفها القضية، بينما كانت الدولة نفسها هي المشكلة الحقيقية.
إن الدول لا تنهار عندما تتوقف الحكومات، وإنما عندما تفقد مؤسساتها قدرتها على العمل باستقلال وكفاءة، وعندما تتحول السياسة من وسيلة لإدارة الاختلاف إلى وسيلة للاستحواذ على الدولة.
عندها تصبح كل انتخابات مشروع أزمة، وكل انتقال سياسي بداية صراع جديد، وكل سلام هدنة مؤقتة بانتظار حرب أخرى.
ومن هنا فإن السودان لا يحتاج إلى جمهورية جديدة بالمعنى الدستوري فقط، وإنما إلى جمهورية ثانية بالمعنى الحضاري؛ جمهورية تؤسس لعقد جديد بين الدولة والمجتمع، ينتقل فيه مركز الثقل من الأشخاص إلى المؤسسات، ومن الولاءات إلى المواطنة، ومن إدارة السلطة إلى إدارة التنمية.
الجمهورية الثانية لا تبدأ بانتخابات، بل تبدأ بإعادة تعريف الدولة نفسها.
فالدولة ليست الحكومة، وليست الجيش، وليست الأحزاب، وليست النخب التي تتناوب على الحكم.
الدولة هي منظومة المؤسسات والقواعد والقيم التي تبقى عندما يغادر الجميع مواقعهم.
وكلما اختلطت الدولة بالسلطة، أصبح سقوط السلطة سقوطًا للدولة، وهذا هو الدرس الذي دفع السودان ثمنه مرارًا.
إن بناء هذه الجمهورية يقتضي أولًا الاتفاق على مبادئ وطنية مؤسسة تعلو على الصراع السياسي، بحيث تصبح وحدة البلاد، واحتكار الدولة للسلاح، واستقلال القضاء، وحياد الخدمة المدنية، والمواطنة المتساوية، واحترام التداول السلمي للسلطة، قواعد ثابتة لا تدخل في بازار التفاوض السياسي، لأن ما يؤسس الدولة لا ينبغي أن يكون محل مساومة.
ويقتضي ثانيًا إطلاق مشروع شامل لإعادة الإعمار المؤسسي، وهو المشروع الذي أراه أكثر أهمية من إعادة إعمار المدن نفسها.
فالمباني يمكن أن تُشيد في سنوات قليلة، أما المؤسسات فتحتاج إلى رؤية وثقافة وإرادة سياسية.
ولا يمكن لأي اقتصاد أن ينهض، ولا لأي استثمار أن يتدفق، ولا لأي مجتمع أن يستعيد ثقته، إذا بقيت المؤسسات ضعيفة أو خاضعة للاستقطاب.
أما الركيزة الثالثة فهي تحويل الاقتصاد إلى أداة للسلام، لا إلى غنيمة للحرب.
فالسودان يمتلك من الأراضي الزراعية، والموارد المعدنية، والموقع الجغرافي، ورأس المال البشري، ما يؤهله ليكون أحد الاقتصادات الصاعدة في إفريقيا والعالم العربي.
لكن هذه الموارد لن تتحول إلى ثروة وطنية إلا إذا انتقلت الدولة من اقتصاد الريع والصراع إلى اقتصاد الإنتاج والمعرفة، وربطت إعادة الإعمار بمشروعات كبرى في الزراعة والصناعة والبنية التحتية والاقتصاد الرقمي.
غير أن أخطر ما دمرته الحرب ليس الطرق ولا الجسور ولا المصانع، بل الثقة.
والثقة ليست قيمة أخلاقية مجردة، وإنما أصل سيادي غير مادي تقوم عليه الدولة الحديثة.
وعندما تنهار الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وبين المكونات الاجتماعية نفسها، تصبح كل السياسات عاجزة عن تحقيق الاستقرار مهما بلغت جودتها.
ولهذا فإن المصالحة الوطنية لا ينبغي أن تُختزل في اتفاق بين قادة السياسة أو حملة السلاح، بل يجب أن تتحول إلى مشروع مجتمعي يعيد ترميم النسيج الوطني، ويؤسس لذاكرة مشتركة تتجاوز خطاب الكراهية، وتستبدله بثقافة الاعتراف المتبادل والمواطنة المتساوية.
إن أكبر خطأ يمكن أن يقع فيه السودانيون بعد توقف الحرب هو الاعتقاد أن العودة إلى ما قبل الخامس عشر من أبريل تمثل انتصارًا.
فذلك يعني ببساطة إعادة إنتاج الأسباب نفسها التي أوصلت البلاد إلى الحرب.
أما الانتصار الحقيقي فهو أن تتحول الحرب إلى آخر حروب السودان، لا إلى محطة جديدة في سلسلة لا تنتهي.
إن التاريخ يمنح الأمم أحيانًا فرصة نادرة لإعادة تأسيس نفسها، وغالبًا ما تأتي هذه الفرصة بعد الكوارث الكبرى.
والسودان يقف اليوم أمام هذه اللحظة الفاصلة.
فإما أن يكتفي بإدارة نهاية الحرب، وإما أن يبدأ في بناء بداية الدولة.
ولعل الجمهورية الثانية ليست مشروعًا سياسيًا فحسب، بل مشروعًا أخلاقيًا وحضاريًا يعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع، ويجعل المؤسسات أقوى من الأشخاص، والقانون أعلى من النفوذ، والوطن أوسع من المصالح الضيقة.
عندها فقط لن يكون السلام مجرد غيابٍ للرصاص، بل حضورًا دائمًا للدولة.
ولن يكون انتهاء الحرب نهاية الأزمة، بل بداية ميلاد السودان الذي طال انتظاره.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك