قناة القاهرة الإخبارية - نشرة أخبار السادسة مساءً من القاهرة الإخبارية قناة القاهرة الإخبارية - “سيكون قوة عظمى في كرة القدم”.. الصحف العالمية تحتفي بمشوار المنتخب المصري في مونديال 2026 فرانس 24 - "فلاي دبي" تستأنف رحلاتها إلى حلب بعد توقف دام 14 عاما قناة القاهرة الإخبارية - في ظل استمرار اعتداءات إسرائيل.. هل يتم تنفيذ الاتفاق الإطاري مع لبنان؟ فرانس 24 - فرنسا: سيغولين روايال تعلن دخول سباق الاشتراكيين لرئاسيات 2027 التلفزيون العربي - طالت بزشكيان وقاليباف وعراقجي.. اتهامات بالخيانة في تشييع خامنئي فرانس 24 - إسبانيا ضد بلجيكا: نقل مباشر لمباراة ربع نهائي مونديال 2026 الجزيرة نت - "لن أسمح لمليوني نازي بالعيش بجوار أطفالكم".. سموتريتش يكشف تفاصيل محادثة له مع ويتكوف قناة القاهرة الإخبارية - جهود مكثفة لخفض التصعيد بين أمريكا وإيران ومسار التهدئة يواكب مسار الردع قناة التليفزيون العربي - ناقلات نفط وغاز تستأنف عبور مضيق هرمز والجيش الأميركي ينفي سيطرة إيران على المضيق
عامة

السودان وموريتانيا… حين تتعانق الأرواح قبل الأوطان

سودانايل الإلكترونية
1

ساقتني مهمة عمل رسمية إلى زيارة الجمهورية الإسلامية الموريتانية، وقبل وصولي إليها على متن إحدى رحلات الطيران التركية يوم ٤ يوليو ٢٠٢٦ كان يجلس بقربي موريتانيان من أساتذة إحدى الجامعات الموريتانية، فأص...

ساقتني مهمة عمل رسمية إلى زيارة الجمهورية الإسلامية الموريتانية، وقبل وصولي إليها على متن إحدى رحلات الطيران التركية يوم ٤ يوليو ٢٠٢٦ كان يجلس بقربي موريتانيان من أساتذة إحدى الجامعات الموريتانية، فأصرا على استضافتي معهما، وأكدا لي أن متانة وشائج العلاقة بين شعبي البلدين لم تولد على موائد السياسة، ولم تنسجها المصالح العابرة، ولم تكن ثمرة اتفاقيات شراكة ومذكرات تفاهم وتعاون، وإنما هي صلةٌ عريقةٌ تضرب بجذورها في أعماق التاريخ، وتستمد قوتها من وحدة العقيدة، ووشائج الثقافة، وصدق المودة.

نعم هي علاقةٌ لا تُقرأ في وثائق الدبلوماسية وحدها، بل في دفاتر الحضارة، وفي ذاكرة الأمة، وفي القلوب التي عرفت معنى الأخوة قبل أن تعرف معنى الحدود.

حين يذكر السودان، تحضر أرض النيل التي احتضنت حضاراتٍ عريقة، وأنجبت علماء وأدباء وشعراء، وحين تُذكر موريتانيا، تتجلى شنقيط، منارة العلم، وموطن المحاظر، وبلاد المليون شاعر، حيث ظل الحرف العربي يُصان كما تُصان الجواهر، وظلت القصيدة تاجًا على هامة الثقافة.

ولعل أجمل ما يجمع الشعبين أن كليهما ينتمي إلى مدرسةٍ واحدة في القيم؛ مدرسةٍ ترى في الكرم شرفًا، وفي الشهامة مروءة، وفي إكرام الضيف دينًا، وفي الوفاء خُلُقًا، وفي العلم رفعة، وفي الشعر ديوانًا للوجدان.

لذلك لم يشعر السوداني يومًا أن موريتانيا بعيدة عنه، كما لم يشعر الموريتاني أن السودان وطنٌ غريب عليه؛ لأن الأرواح إذا تعارفت، تلاشت المسافات.

لقد حمل العلماء، والأدباء، والرحالة، والمثقفون، عبر القرون، مشاعل هذا التواصل، فكانت الكلمة الطيبة جسرًا، وكان القرآن الكريم جامعًا، وكانت اللغة العربية وطنًا رحبًا يلتقي تحت ظلاله الجميع، ومن هنا بقيت العلاقة بينهما أكثر رسوخًا من أن تهزها المتغيرات، وأكثر صفاءً من أن تعكرها تقلبات الزمن.

واليوم، ونحن نستحضر هذا التاريخ المشرق، ندرك أنهما ليسا بلدين تجمعهما المصادفات، بل شعبان جمعتهما رسالة حضارية واحدة، وحلم عربي وإسلامي مشترك، وإيمان بأن الثقافة هي الأبقى، وأن الأخوة هي الثروة التي لا تنضب.

وما أجمل أن يلتقي السوداني بالموريتاني، فيرى فيه امتدادًا لذاته، ويسمع في حديثه صدىً لقيمه، ويجد في ملامحه دفءَ الأخوة، وفي كلماته عبق التاريخ.

إنها محبة لا تُصنع، بل تُورث؛ ولا تُفرض، بل تنبت في القلوب كما تنبت النخيل على ضفاف النيل، وكما تنبت واحات الأمل في رمال شنقيط.

ما جسد متانة هذه العلاقة الإحتفالية التي أقامتها وزيرة العمل الاجتماعي والطفولة والأسرة في موريتانيا السيدة صفيه بنت انتهاه، تكريما لوفد المنظمة العربية للهلال الأحمر والصليب الأحمر في ختام اجتماعات الهيئة العامة للمنظمة بحضور رؤساء الهيئات والجمعيات الوطنية العربية للهلال والصليب الأحمر وعدد من شركاء العمل الإنساني في الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر والندوة العالمية للشباب الإسلامي ومنظمة التعاون الإسلامي.

أحيت الإحتفالية الفنانة الموريتانية منى دندني، فما كان منها إلا أن أكرمتني وزميلي الأستاذ إبراهيم عثمان والدكتور عبدالرحمن بالعيد رئيس جمعية الهلال الأحمر السوداني بأداء رائع لأغنية “أنشودة الجن” أشهر قصائد الشاعر التجاني يوسف بشير والتي صدح بها الفنان السوداني سيد خليفة، سألني أحد الموريتانيين عن المفردات الفلسفية العميقة في تلك القصيدة، فأجبته: إن الجن هنا يرمز بها الشاعر إلى الخيال الجامح، والإبداع المتجاوز للمألوف، وكأن الشاعر يطلب لحنًا لا يقدر على صنعه إلا كائن أسطوري.

وفي “قم يا طرير الشباب” يخاطب شابًا غضًا، رمزًا للحيوية والانطلاق، داعيًا إياه إلى الغناء وإشاعة الجمال.

كما أن ” الأعناب والدنان” ليست دعوة إلى الشراب بقدر ما هي رمز للمتعة الروحية والنشوة الفنية التي يفيض بها الشعر والموسيقى.

وفي “عبقري الرباب” “عبقري” تشير إلى وادي عبقر في التراث العربي، الذي كان يُعتقد أنه موطن الجن وملهم الشعراء، بينما “الرباب” ترمز إلى الموسيقى والطرب.

وفي مفردة“استرقص البيدا” رسم الشاعر صورة بلاغية مدهشة، إذ يجعل الصحراء الجامدة ترقص، في إشارة إلى قدرة الفن على إحياء الجماد.

أما في “وفجر الأعواد رجعًا وترديدًا” استعارة تصور الآلات الموسيقية وكأنها تنفجر بالألحان والأصداء.

وفي “وامسح على زرياب واطمس على معبد”: يذكر شخصيتين بارزتين في تاريخ الموسيقى العربية؛ زرياب ومعبد، وكأنه يتمنى أن يبلغ الفن مستوى يفوق أعظم الموسيقيين.

وفي “وطف على المربد” إشارة إلى المربد، الذي كان ملتقى الشعراء والخطباء، فيرمز إلى المجد الأدبي.

وأكدت للسائل أنها ليست قصيدة عن الجن بالمعنى الحرفي، وإنما تستخدم “الجن” رمزًا للإلهام الشعري والطاقة الفنية.

سيبقى البلدان شاهدين على أن أعظم العلاقات هي تلك التي تبنيها الثقافة، وتحرسها الأخلاق، ويخلدها التاريخ.

فإذا كانت الجغرافيا قد فرقت بين المشرق والمغرب، فإن العربية والإسلام والعلم والشعر أعادت وصل ما ظن الناس أنه انقطع، فصار البلدان قلبين في جسدٍ واحد، وروحين تتبادلان المحبة، وتكتبان معًا فصلًا مضيئًا من فصول الأمة العربية والإسلامية.

هذا التقارب بين الشعبين يستند على مرتكزات دينية وعلمية وفكرية وثقافية قوية، خصوصا مع ازدهار المدارس القرآنية والخلاوي والمحاظر في البلدين، وكان من الطبيعي استمرار التواصل العلمي بينهما، حيث إن موريتانيا تشتهر بمحاظرها العلمية، بينما عُرف السودان بخلاويه ومعاهده الدينية، إضافة لتنقل العلماء وطلاب العلم بين البلدين، مما عزز تبادل المعارف والعلوم الشرعية واللغوية، فكان من الطبيعي أن يتميز البلدان بعراقة الشعر العربي؛ فموريتانيا تُعرف بـ”بلاد المليون شاعر”، بينما يمتلك السودان إرثًا شعريًا وأدبيًا ثريًا جمع بين الفصحى والوجدان الشعبي، وهو ما أوجد قواسم مشتركة في الذائقة الأدبية، كما أن إنتشار الطرق الصوفية في البلدين، أسهم في ترسيخ قيم التسامح والتكافل ونشر الثقافة الإسلامية، ولا ننسى تشابه كثير من العادات المتعلقة بإكرام الضيف، واحترام العلماء، والاحتفاء بالمناسبات الدينية، والمحافظة على الروابط الأسرية، وهذه كلها قيم متجذرة في المجتمعين.

واليوم تتجدد هذه العلاقة من خلال التعاون في مجالات الثقافة والتعليم والعمل الإنساني، وتبادل الوفود الرسمية والثقافية، والمشاركة في المؤتمرات والفعاليات العربية والإفريقية، بما يعزز أواصر الأخوة ويؤكد أن الثقافة كانت وما تزال جسرًا متينًا للتواصل بين الشعبين.

ليست كل العلاقات بين الشعوب تُقاس بالمسافات، ولا تُختزل في الاتفاقيات الرسمية أو المصالح العابرة؛ فهناك علاقات تصنعها الأرواح قبل الجغرافيا، وتخلدها الثقافة قبل السياسة؛ ولا يختلف اثنان على أن من أصدق تلك العلاقات وأعمقها على الإطلاق ما يجمع الشعبين السوداني والموريتاني من محبةٍ متجذرة، وعشقٍ تاريخيٍ عتيق، ظل يزداد رسوخًا كلما تعاقبت الأجيال.

إنها علاقة بدأت منذ أن كانت قوافل العلم والتجارة تشق الصحارى، تحمل الكتب كما تحمل البضائع، وتنقل المعرفة كما تنقل الأخبار.

فالتقت أرض النيل بأرض شنقيط على مائدة القرآن الكريم والعلوم الآسلامية، وفي رحاب اللغة العربية، وفي مجالس العلماء والشعراء، حيث كان العلم رسالة، وكانت الكلمة الطيبة جواز السفر بين القلوب.

وفي السودان كما في موريتانيا، يحتل الشعر مكانةً سامقة في الوجدان، ويُعد إكرام الضيف شرفًا، والوفاء قيمة، والنخوة خلقًا، والتسامح أسلوب حياة.

لذلك لم يكن التقارب بين الشعبين وليد ظرفٍ سياسي أو مناسبة عابرة.

بل هو امتداد طبيعي لوحدة الثقافة، وتشابه القيم، وتلاقي الروح العربية والإسلامية.

واليوم، ورغم تغير الأزمنة وتبدل الأحوال وتناسل الأزمات، ما زالت هذه المحبة تنبض بالحياة، تؤكد أن ما يجمع بين شعبي البلدين أكبر من حدود الخرائط، وأعمق من حسابات المصالح … إنها أخوة صادقة، ومحبة راسخة، وإرث حضاري يروي للأجيال أن الشعوب التي تتشارك العلم والثقافة والقيم، لا تفترق مهما تباعدت الديار.

هذه العلاقة ليست مجرد صلة بين بلدين عربيين يجمعهما الانتماء إلى أمة واحدة، وإنما هي حكاية عشقٍ تاريخي عتيق، نسجت خيوطها القوافل، وباركتها حلقات العلم، وحفظتها الذاكرة الثقافية عبر القرون.

يلتقي البلدان في عشق اللغة العربية، والاعتزاز بالإسلام، وتوقير العلماء، والاحتفاء بالشعر والأدب.

وإذا كان السودان يُعرف بأرض النيل التي أنجبت العلماء والمبدعين، فإن موريتانيا اشتهرت بأنها “بلاد المليون شاعر” ولا ننسى “شنقيط” وحمل علمائها لمشاعل المعرفة إلى أرجاء العالم الإسلامي.

الصحراء معبر للعلماء والشعراء:هذه الصحراء الممتدة بين البلدين، لم تكن يومًا حاجزًا يفصل بينهما، بل كانت معبرًا للقوافل والعلماء والشعراء، تحمل العلم واللغة والإيمان، وتنسج عبر القرون وشائج ثقافية وحضارية لا تزال آثارها حاضرة في وجدان الشعبين وتتجدد هذه العلاقة من خلال التعاون في مجالات الثقافة والتعليم والعمل الإنساني، وتبادل الوفود الرسمية والثقافية، والمشاركة في المؤتمرات والفعاليات العربية والإفريقية، بما يعزز أواصر الأخوة ويؤكد أن الثقافة كانت وما تزال جسرًا متينًا للتواصل بين الشعبين.

ليست كل العلاقات بين الشعوب تُبنى على الجغرافيا، ولا تُقاس بميزان المصالح، ولا تحفظها الاتفاقيات وحدها؛ فهناك علاقات تصنعها القيم، ويصونها العلم، وتخلدها الثقافة.

وهذا ما لمسته في موريتانيا، حيث وجدت السودان حاضرًا في الوجدان قبل أن يكون حاضرًا في الحديث.

لقد أدركت أن المسافة الممتدة بين ضفاف النيل ورمال شنقيط ليست إلا مسافة على الخرائط، أما في القلوب فلا وجود لها.

فالشعبان يلتقيان في عشق العربية، والاعتزاز بالإسلام، وإجلال العلماء، والاحتفاء بالشعر، وإكرام الضيف، وهي قيم صنعت عبر القرون جسرًا من المودة لم تنجح الأيام ولا المتغيرات في هدمه.

وإذا كانت السياسة تفتح أبواب التعاون بين الدول، فإن الثقافة تفتح أبواب المحبة بين الشعوب، وهي المحبة التي شهدتها في نواكشوط، ولمستها في كلمات أهلها، ورأيتها في احتفائهم بالثقافة السودانية، حتى بدا السودان وموريتانيا وكأنهما قلبان ينبضان بروح واحدة.

سيظل البلدان شاهدين على أن أعظم العلاقات هي تلك التي تتأسس على المعرفة، وتحرسها الأخلاق، ويخلدها التاريخ.

وما دام القرآن يجمعهما، واللغة العربية توحد وجدانهما، والشعر يروي حكاية روحيهما، فإن هذه الأخوة ستبقى إرثًا حضاريًا متجددًا، ورسالةً للأجيال بأن الأرواح إذا تعارفت، تلاشت الحدود، وصغرت الجغرافيا أمام اتساع المحبة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك