قراءة احتفائية في رواية محمد المصطفى موسىليست كل الروايات تمنح قارئها مفتاحها منذ الغلاف، لكن رواية (48) تفعل ذلك بذكاء لافت.
فما إن تقع العين على هذا الرقم حتى تتداعى الأسئلة قبل أن تبدأ القراءة: لماذا اختار الكاتب هذا الرقم عنوانًا لروايته؟ وهل هو مجرد تاريخ، أم رمز، أم ذاكرة تختزن ما هو أكبر من الأرقام؟بالنسبة إليّ، كانت هذه هي الدهشة الأولى.
فقد رأيت في الرقم (48) إحالة مباشرة إلى عام النكبة، ذلك العام الذي شهد احتلال معظم أرض فلسطين وتشريد أهلها، في حدث لم يكن مجرد هزيمة عسكرية، بل تحول إلى جرح إنساني ما زالت آثاره ممتدة حتى يومنا هذا.
والعجيب أن كثيرًا من القراء قد يمرون على هذا العنوان مرورًا عابرًا، بينما أراه المدخل الحقيقي لفهم الرواية.
وما إن تمضي في القراءة حتى يتأكد هذا الإحساس؛ فالحضور اليهودي، والخلفية التاريخية، وتشابك المصائر، كلها تشير إلى أن الكاتب لم يختر عنوانه اعتباطًا، وإنما جعله مفتاحًا يضيء النص منذ بدايته.
من هنا أجد نفسي أمام عمل يمكن تصنيفه ضمن الرواية التاريخية، وهو جنس أدبي لم ينل في الرواية السودانية ما يستحقه من الاهتمام، رغم ثرائه الفني والمعرفي.
والرواية التاريخية ليست كتابًا في التاريخ، كما أنها ليست خيالًا منفصلًا عن الواقع؛ إنها المنطقة التي يلتقي فيها التوثيق بالتخييل، حيث تمنح الرواية للأحداث روحًا، وللشخصيات لحمًا ودمًا، وللوقائع معنى إنسانيًا يتجاوز ما تسجله الكتب.
وقد نجح محمد المصطفى في هذا التوازن الصعب.
فلم يقع في فخ تحويل الرواية إلى محاضرة تاريخية، ولم يجعل التاريخ مجرد خلفية باهتة للأحداث، وإنما جعله جزءًا حيًا من السرد، يتحرك مع الشخصيات، ويؤثر في خياراتها، ويصوغ مصائرها.
ولعل أجمل ما في هذا العمل أنه لا يطالب القارئ بأن يحفظ التاريخ، وإنما يدعوه إلى أن يشعر به.
فهناك فرق كبير بين أن تعرف ما حدث، وبين أن تعيشه مع الشخصيات، وتتأمل أثره في الإنسان، وفي علاقاته، وفي أحلامه وانكساراته.
وهنا تتجلى قوة الأدب، لأنه يمنح التاريخ قلبًا نابضًا لا توفره الوثائق.
وأحسب أن هذا العمل يفتح بابًا مهمًا في الرواية السودانية، لأن الرواية التاريخية ليست مجرد استعادة للماضي، وإنما هي قراءة للحاضر أيضًا.
فكل كاتب يعود إلى التاريخ إنما يعود إليه ليطرح أسئلة عصره، ويبحث في جذور ما نعيشه اليوم.
ومن هذه الزاوية، تبدو (48) رواية تتجاوز زمنها، لأنها تناقش الإنسان قبل أن تناقش الحدث، وتبحث عن المعنى قبل أن تكتفي بسرد الوقائع.
وليس من قبيل المصادفة أن يختار محمد المصطفى هذه المنطقة السردية الصعبة؛ فهي تتطلب معرفة بالتاريخ، وقدرة على التخييل، وصبرًا على بناء الشخصيات، وإحساسًا دقيقًا باللغة.
وهي عناصر لا تجتمع كثيرًا في عمل واحد، لكنها هنا تبدو متساندة، بحيث لا يطغى أحدها على الآخر.
ولا أريد في هذه القراءة أن أتوقف عند تفاصيل الحبكة أو أن أكشف للقارئ مفاصلها، لأن متعة الرواية تكمن في اكتشافها بنفسه.
لكنني أستطيع القول إن (48) من الأعمال التي لا تنتهي بانتهاء الصفحة الأخيرة؛ بل تظل تثير الأسئلة، وتدعو إلى إعادة التفكير فيما قرأناه، وهي سمة لا تتوافر إلا في الأعمال التي تمتلك عمقًا فكريًا إلى جانب قيمتها الفنية.
إن الاحتفاء بهذه الرواية ليس احتفاءً بكاتبها وحده، وإنما هو احتفاء بالرواية السودانية حين تجرؤ على الاقتراب من التاريخ، وتعيد صياغته بلغة الفن، بعيدًا عن المباشرة والشعارات.
فالأدب الحقيقي لا ينافس المؤرخ، بل يكمل ما يعجز عنه التاريخ؛ إذ يمنح الإنسان مكانه في قلب الحدث، ويجعل الذاكرة أكثر حياة، وأكثر قدرة على البقاء.
لهذا أرى أن (48) ليست مجرد رواية جديدة تضاف إلى المكتبة السودانية، وإنما تجربة سردية تستحق أن تُقرأ بعناية، وأن تُناقش، وأن تجد مكانها في سجل الروايات السودانية التي جعلت من التاريخ مادة للإبداع، لا مجرد سجل للأحداث.
ولنا عوده بإذن الله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك