في لحظة فارقة من المشهد السياسي الجزائري، تراجعت حصيلة الأحزاب الإسلامية في الانتخابات النيابية الأخيرة، في مفاجأة هزت مكانتها، وفتحت باب التساؤلات على مصراعيه حول مستقبلها في الساحة السياسية.
فبعد دخول هذه الأحزاب الاستحقاق وهي تطمح في الحفاظ على مكانتها كقوة برلمانية ثانية، خرجت بخسارة معتبرة في عدد المقاعد، مما فتح الباب أمام تساؤلات حول إمكان إحداث هذا التراجع تحولاً استراتيجياً عميقاً في بنية المجتمع والسياسة الجزائرية؟ أم أنه مجرد انتكاسة ظرفية ناتجة من ظروف انتخابية وسياسية خاصة قد تتغير مع أول استحقاق قادم؟وأسفرت نتائج الانتخابات النيابية التي جرت في الثاني من يوليو (تموز) الماضي، عن تراجع مرتبة" حركة مجتمع السلم" أكبر حزب إسلامي معارض في الجزائر من الصف الثاني حزبياً عام 2021، بـ65 مقعداً بعد" جبهة التحرير الوطني"، إلى المركز الرابع بـ43 مقعداً فقط، وراء كل من" جبهة التحرير الوطني" 90 مقعداً، و" التجمع الوطني الديمقراطي" 73 مقعداً، و" جبهة المستقبل" 59 مقعداً على التوالي.
وفقدت" حركة البناء الوطني" مقعداً في الهيئة التشريعية بعد حصولها على 38 مقعداً مقارنة بانتخابات 2021، فيما كان نصيب" جبهة العدالة والتنمية" أربعة مقاعد فقط، ومقعد واحد لـ" حزب الجزائر الجديدة"، وحصدت" حركة النهضة" مقعدين، بعد أن خرجت خالية الوفاض من انتخابات عام 2021.
وفي انتخابات 2021، استفادت الأحزاب الإسلامية من جملة عوامل، أهمها إعادة تشكيل المشهد السياسي بعد الحراك الشعبي، وتراجع عدد من الأحزاب التقليدية، وارتفاع سقف توقعات جزء من الناخبين الباحثين عن بديل سياسي.
لكن انتخابات عام 2026 جاءت في سياق مختلف تماماً، فالاستحقاق جرى بعد سنوات من استقرار نسبي للمؤسسات، وإطلاق مشاريع اقتصادية كبرى، وعودة النقاش العام للملفات الاجتماعية والمعيشية، مما انعكس مباشرة على طبيعة الخيارات الانتخابية.
ولعل أبرز ما كشفت عنه النتائج أن المنافسة لم تعد تدور حول المرجعيات الفكرية بقدر ما أصبحت مرتبطة بقدرة الأحزاب على إقناع المواطن بامتلاك حلول عملية لمشكلاته اليومية.
وفي تعليقه على تقلص مقاعد تشكيلته في البرلمان، قال رئيس" حركة مجتمع السلم" عبدالعالي حساني في ندوة صحافية" لقد تراجعنا في البرلمان عددياً"، متسائلاً" هل تراجعنا أم أن هناك محاولات للتقزيم والتحجيم تعرضت لها الحركة؟ "، مضيفاً" نسب المشاركة المتدنية تعكس أزمة ثقة متنامية بين المواطن والعملية السياسية"، ومشيراً إلى أن ما أفرزته العملية الانتخابية من عزوف ومظاهر مرتبطة بالمشاركة يؤكد وجود أزمة ثقة تحتاج إلى معالجة عاجلة.
وأكد حساني أن الجزائر بحاجة إلى حياة سياسية قوية ومتنوعة تقوم على القيم والمرجعية الوطنية، معتبراً أن محاولة إضعاف التعددية السياسية أو دفع المواطنين إلى مزيد من العزوف لن تخدم مصلحة الوطن، بل ستنعكس سلباً على حيوية العمل السياسي، معلناً أن الحركة ستباشر دراسة أسباب النتائج التي أفرزتها الانتخابات والظروف التي أحاطت بها.
ويرى مراقبون أن اختزال خسارة الإسلاميين بسبب واحد سيكون قراءة ناقصة، فداخل التيار الإسلامي نفسه برزت خلال السنوات الأخيرة مؤشرات إلى تراجع الزخم التنظيمي، وغياب المبادرات السياسية الكبرى، إضافة إلى استمرار الانقسام بين أحزاب عدة تحمل المرجعية نفسها، مما أدى إلى تشتت الأصوات بدل تجميعها.
كما أن الخطاب الانتخابي بدا أقل قدرة على استيعاب التحولات الاجتماعية التي عرفها المجتمع الجزائري، خصوصاً لدى الشباب الذين أصبحت أولوياتهم مرتبطة أكثر بالتشغيل وريادة الأعمال والرقمنة والتعليم والسكن، وهي ملفات حضرت في الحملات الانتخابية أكثر من القضايا الأيديولوجية التقليدية.
في المقابل، لم تتمكن الأحزاب الإسلامية من تحويل مشاركتها الطويلة في البرلمان إلى رصيد سياسي انتخابي، إذ بقي جزء من الناخبين ينظر إليها باعتبارها جزءاً من الطبقة السياسية القائمة أكثر من كونها قوة تغيير، فالانتخابات الأخيرة توحي بأن الناخب الجزائري يواصل، ولو ببطء، الانتقال من التصويت على أساس الهوية السياسية أو المرجعية الفكرية إلى التصويت وفق اعتبارات الأداء والفعالية.
وهذا التحول لا يعني أن الانتماءات الأيديولوجية اختفت، لكنه يشير إلى تراجع قدرتها على حسم النتائج بمفردها، كما أن نسبة المشاركة المحدودة تجعل الأحزاب مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتعبئة قواعدها الانتخابية، وهو تحد بدا أن بعض الأحزاب منها الإسلامية لم ينجح فيه بالقدر الكافي.
في السياق قال النائب بالمجلس الشعبي الوطني يوسف خبابة إن" القراءة الأولية لنتائج الانتخابات التشريعية تشير إلى تراجع طفيف للإسلاميين، لكن الواقع لا يوحي بذلك، إذ إن التيار الإسلامي ما زال موجوداً، ربما هو غير فعال وغير منظم لكن له تأثير"، وأوضح خبابة أن" قانون الانتخابات جعل الأحزاب بصفة عامة مجرد أداة لتزكية القوائم مما أضر بتفاعل المجتمع مع الأحزاب وبرامج توجهاتها، وحول المنافسة إلى منافسة بين الأشخاص والمناطق، وصار الإيمان بالأشخاص مقدماً على الولاء للفكرة والبرنامج"، وأشار البرلماني الجزائري إلى أن" بعض أحزاب التيار الإسلامي تعرض لكثير من الانقسامات والتشرذم لأسباب مختلفة، منها غياب بعد النظر، وعدم القدرة على السيطرة على الخلافات الداخلية، مما أدى إلى انقسامات متعددة وظهور أحزاب لها الفكرة والمرجعية والبرنامج ذاتها لكنها تنافس مع بعضها بعضاً، مما أدى إلى فشل الجميع في تحقيق نتائج مرضية"، وأضاف أن" تيار حمس (حركة مجتمع السلم) التاريخي يعد الأكثر استقراراً من حيث التنظيم والنتائج على رغم الانقسام الذي تعرض له والخلافات السياسية التي حدثت داخله، كونه كان الأقرب في التعاطي مع السلطة منذ تسعينيات القرن الماضي وشريكاً في تحالف رئاسي لمدة 15 سنة، مما منحه فرصة للانتشار والتنظيم والتوسع".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)من ناحيته، قال نائب" حركة مجتمع السلم" ناصر حمدادوش إن نتيجة الانتخابات ليست مفاجئة، بل كانت متوقعة بسبب" عوامل تراكمية منحت أفضلية لصالح أحزاب الموالاة، وترسخ معها العزوف فلم يبق في التعاطي الإيجابي مع الانتخابات إلا جمهور المشاركة"، وأوضح حمدادوش أنه" لا يمكن الجزم على هذه الانتخابات من خلال لعبة الأرقام فقط، فالانتخابات لا تقرأ بمنطق الأعداد فحسب، بل هي عملية تتداخل فيها مؤشرات عدة منها عدم وجود حزب فائز بالغالبية، إذا اعتبرنا أن الحزب الفائز هو من يحوز على غالبية تمكنه من فرض برنامجه وخياراته، كما أن مجموع ما حصلت عليه كل الأحزاب المشاركة، موالاة ومعارضة، لا يتجاوز 18 في المئة من الهيئة الناخبة، وهذا إخفاق كبير للجميع بسبب العزوف والمقاطعة"، وانتقد السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بسبب" حرمان القوائم الحزبية والحرة من الحصول على محاضر الفرز في المكاتب والمراكز، والمحاضر البلدية، وحتى الولائية، في بعض الولايات"، وأفاد بأن" حركة مجتمع السلم" تحصلت في انتخابات عام 2021 على 65 مقعداً بوعاء انتخابي يقدر بنحو 208 آلاف صوت في 26 ولاية، وتحصلت في هذه الانتخابات لعام 2026 على 43 مقعداً بوعاء انتخابي يقدر بـ440 ألف صوت في 37 ولاية.
وأرجع حمدادوش الأمر إلى" طبيعة النمط الانتخابي، والتحكم في العتبة ومعامل المقعد الواحد، فقد يحصل حزب على 15 ألف صوت ويأخذ مقعداً واحداً، ويتساوى مع حزب على 5 آلاف صوت بمقعد واحد كذلك، لذلك يمكن القول إننا أمام تراجع في عدد المقاعد، وتقدم في الوعاء الانتخابي، وإن كان ذلك لا يغير من الواقع شيئاً".
وبخصوص أداء الأحزاب الإسلامية في البرلمان المقبل، قال حمدادوش" العبرة ليست بالكم العددي، ولكن في جودة الأداء النيابي، وفاعلية الحضور السياسي، وتفعيل كل الأدوات الرقابية والتشريعية، والتبني الفعلي لانشغالات الشعب وتطلعاته".
هل تغيرت الخريطة السياسية؟ويرى متابعون أنه على رغم أهمية النتائج، فإن الحديث عن تحول بنيوي في الخريطة السياسية يبدو سابقاً لأوانه، فالتحولات البنيوية لا تقاس بانتخابات واحدة، وإنما باستمرار الاتجاه نفسه عبر دورات انتخابية عدة، وبظهور قوى سياسية جديدة قادرة على الحلول محل القوى التقليدية بصورة مستقرة.
بالمقابل، فإن الأحزاب التي عززت مواقعها خلال هذه الانتخابات ستواجه بدورها اختباراً صعباً يتمثل في الحفاظ على هذا الزخم خلال الاستحقاقات المقبلة، فإذا كانت التشريعيات تقيس المزاج السياسي العام، فإن الانتخابات المحلية تقيس الحضور الميداني للأحزاب.
وهنا قد تختلف المعادلة، فالانتخابات البلدية والولائية تعتمد بدرجة أكبر على شخصية المرشح، وشبكة العلاقات الاجتماعية، والخدمات التي يقدمها المنتخب المحلي، أكثر مما تعتمد على الخطاب السياسي الوطني.
ولهذا السبب، تبدو الانتخابات المحلية المقبلة فرصة حقيقية أمام الأحزاب الإسلامية لإثبات أن تراجعها في التشريعيات لم يكن سوى تعثر ظرفي، لكن نجاحها في ذلك لن يتحقق تلقائياً، بل يتطلب مراجعة عميقة لطريقة إدارة الحملات الانتخابية، وتجديد النخب، والانفتاح على قضايا المجتمع الجديدة، وتقديم برامج محلية قابلة للتنفيذ بدل الاكتفاء بالشعارات العامة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك