تلتقى إسبانيا وبلجيكا اليوم فى ربع نهائى كأس العالم 2026، فى مباراة تحمل قيمة رياضية كبيرة، وتفتح فى الوقت نفسه نافذة على تاريخ بلدين تركا أثرًا واضحًا فى الفن والأدب والعمارة وتكوين الهوية الأوروبية، يدخل المنتخب الإسبانى المواجهة بعد فوزه على البرتغال، بينما تأهل المنتخب البلجيكى عقب انتصاره على الولايات المتحدة، والفائز يواجه فرنسا فى نصف النهائي.
وعندما تبدأ المباراة، سيظهر فى الملعب شكلان مختلفان من أشكال الشخصية الأوروبية، إسبانيا تحمل إرث البحر المتوسط والأندلس والإمبراطورية والفن الصاخب، بينما تمثل بلجيكا بلدًا صغير المساحة، متعدد اللغات، صنع حضوره من خلال الرسم والسريالية والقصص المصورة وموقعه فى قلب أوروبا.
إسبانيا.
ذاكرة الحضارات والفنتتشكل الثقافة الإسبانية من طبقات تاريخية متعددة، ترك فيها الرومان والقوط والحضارة العربية الإسلامية والممالك المسيحية آثارًا ممتدة.
وتظهر هذه الذاكرة فى قصر الحمراء بمدينة غرناطة، ومسجد قرطبة، ومدن الأندلس، إلى جانب الكاتدرائيات والقصور التى رافقت صعود إسبانيا الأوروبية.
كما قدمت إسبانيا أسماء غيرت تاريخ الفن العالمي، من فيلاثكيث وجويا إلى بيكاسو ودالى وجاودي، وتضم البلاد عددًا كبيرًا من مواقع التراث العالمي، وتقدم ثقافتها الرسمية باعتبارها نتاجًا لتداخل حضارات طويلة وتنوع إقليمى واضح.
وفى الأدب، منح ميجيل دى ثيربانتس العالم رواية «دون كيشوت»، التى تحولت إلى علامة على الصراع بين الحلم والواقع.
كما ارتبطت الثقافة الإسبانية بالشعر والمسرح والموسيقى والرقص، وفى مقدمتها الفلامنكو الذى يحمل أثر الأندلس والغجر والتقاليد الشعبية فى الجنوب.
هذه الروح تظهر أحيانًا فى المنتخب الإسبانى نفسه: إيقاع هادئ، بناء متدرج، ثقة فى التمرير، ثم لحظة حاسمة تأتى بعد صبر طويل.
بلجيكا.
بلد اللغات والسرياليةتقدم بلجيكا نموذجًا مختلفًا، فهى دولة متعددة اللغات، تضم الهولندية والفرنسية والألمانية كلغات رسمية، وتتشكل حياتها الثقافية من تفاعل المجتمعات الفلمنكية والفرنكوفونية والألمانية، هذا التعدد جعل الأدب البلجيكى موزعًا بين أكثر من تقليد لغوي، ومنح البلاد هوية ثقافية مركبة.
وفى الفن، ارتبط اسم بلجيكا بالرسامين الفلمنكيين، ثم بالسريالية التى يمثلها رينيه ماجريت، صاحب اللوحات التى حولت الأشياء اليومية إلى ألغاز فكرية.
كما قدمت بلجيكا تقليدًا واسعًا فى القصص المصورة، خرجت منه شخصيات مثل «تان تان» و«السنافر» و«لاكى لوك»، وأصبحت بروكسل واحدة من أهم مدن هذا الفن فى أوروبا.
ويعكس المنتخب البلجيكى شيئًا من هذه الطبيعة المركبة، يجمع لاعبين من خلفيات متعددة، ويعتمد على الخبرة الفردية والقوة البدنية والقدرة على الانتقال السريع، مع حضور أسماء تملك تاريخًا طويلًا فى الملاعب الأوروبية.
مباراة بين الذاكرة والتجديدتدخل إسبانيا اللقاء بفريق يضم جيلًا شابًا تقوده موهبة لامين يامال، إلى جانب منظومة جماعية قوية ودفاع لم يستقبل أهدافًا خلال مشواره حتى ربع النهائي.
وتصل بلجيكا بخبرة كيفن دى بروين وروميلو لوكاكو وتيبو كورتوا، فى محاولة أخيرة لجيل حمل لسنوات وصف «الجيل الذهبي».
تجمع المباراة بين إسبانيا التى تجدد نفسها عبر الشباب، وبلجيكا التى تعتمد على خبرة جيل صنع مكانتها الحديثة.
وعلى أرض الملعب ستتحول الثقافة إلى إيقاع: إسبانيا تبحث عن السيطرة والتنظيم، وبلجيكا تراهن على التحول والمباغتة.
هكذا تصبح مباراة اليوم صورة مصغرة لبلدين كبيرين فى أثرهما الثقافي.
بلد صنع من تنوع الحضارات فنًا عالميًا، وبلد صنع من تعدد اللغات خيالًا مختلفًا.
وبينهما تكتب كرة القدم فصلًا جديدًا من العلاقة بين الثقافة والهوية والمنافسة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك