" أصعب ما مررنا به هو استشهاد شبابنا بين أيدينا، وسحب طفل من تحت الأنقاض وهو على صدر أمّه، ورفع أشلاء أطفال ومسنّين، والعثور على طفلَين في المبنى نفسه، وعلى طفل على قيد الحياة وطفل نشفت الدمعة في عينه".
بهذه الكلمات يختصر رئيس مركز النبطية الإقليمي في المديرية العامة للدفاع المدني في لبنان حسين فقيه ما عاشوه في الجنوب وسط الحرب الإسرائيلية الأخيرة، وأبرز ما واجهوه.
وإذ يؤكد لـ" العربي الجديد" أنّ" شارتنا لم تحمنا"، يقول" رغم كلّ الظروف سوف نبقى شبكة أمان للمواطنين، وعلى أهبّة الجهوزية لمواصلة أداء رسالتنا الإنسانية والوطنية".
وفي خلال عدوان إسرائيل الأخير، الذي بدأ في مارس/ آذار الماضي، ركّز جيش الاحتلال على القطاع الصحي، الذي وصل إجمالي الشهداء فيه إلى 135 شهيداً؛ 130 منهم من فرق الإسعاف وخمسة من الطواقم الطبية والتمريضية، وفقاً لآخر حصيلة نشرتها وزارة الصحة العامة اللبنانية، أمس الخميس، فيما بلغ إجمالي الجرحى في هذا القطاع 406 جرحى.
أمّا عدد الاعتداءات على فرق الإسعاف فوصل إلى 176 اعتداءً، وعدد المركبات المتضرّرة إلى 175 مركبة، وعدد المراكز المستهدفة إلى 39 مركزاً، فيما تضرّر 17 مستشفى وأُقفلت ثلاثة مستشفيات.
وعلى أنقاض مركز الدفاع المدني الإقليمي في مدينة النبطية جنوبي لبنان الذي تعرّض في 24 مايو/ أيار الماضي لاستهداف مباشر من قبل المقاتلات الإسرائيلية، الأمر الذي أدّى إلى انهيار المبنى بالكامل وتضرّر عدد كبير من الآليات والمعدّات، يتحدّث حسين فقيه لـ" العربي الجديد" عن الصعوبات التي واجهت الفرق والمسعفين والتحديات التي ما زالت قائمة، ولا سيّما مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على مستوى محافظة النبطية، واحتلال قرى وبلدات فيها.
ويشدّد على أنّ" أوّل ما نحتاج إليه هو مركز لنا؛ فنحن نعمل اليوم في مستشفى النجدة الشعبية اللبنانية بمدينة النبطية".
ويقول فقيه: " نقف اليوم على أنقاض مركز النبطية الإقليمي للدفاع المدني، الذي كان يغطّي النبطية ومحيطها، وقد تعرّضنا لأكثر من اعتداء؛ الأوّل في 17 مارس الماضي، إذ قُصِف المبنى الملاصق لنا مباشرة فأصيب 13 عنصراً في المركز وتضرّرت سبع آليات".
يضيف أنّ" في 12 مايو الماضي، أغارت مسيّرة على موقع في مدينة النبطية، فتوجّهت مركبة إسعاف إلى المكان.
وقد فوجئنا بأنّ الجريح قصد المركز، وفي أثناء خروج الشبّان لإسعافه، تعرّضوا مباشرة لغارة، الأمر الذي أسفر عن استشهاد عنصرَين من الدفاع المدني؛ أحمد محمد نورا وحسين محمد جابر، وهما من خيرة الشبّان الأبطال في المركز".
ويتابع أنّ" أصعب ما كنّا نواجهه هو الغارات التي تُنفَّذ مرّة أولى وثانية وثالثة، الأمر الذي يعيق عملنا"، غير أنّه يفيد بأنّ أصعب ما مررنا فيه خلال الحرب على الإطلاق هو" ما حصل في اليومَين الأخيرَين من اعتداءات على النبطية"، واصفاً ذلك بأنّه" يعادل مئة يوم تقريباً من الحرب، سواء على صعيد القصف المدفعي أو غارات المسيّرات".
ويشير فقيه إلى أنّ" ستّة شهداء سقطوا من مركز إقليم النبطية إلى جانب 18 جريحاً.
وعلى الرغم من الصعوبات والمخاطر والتحديات، رفعنا الجهوزية لحدود 80% من العناصر الموجودة، فأرواح الناس وأرزاقهم أمانة بأعناقنا ونحن شبكة أمان لهم وسوف نظلّ كذلك".
ويكمل أنّ" أضراراً أصابت الآليات ومركبات الإسعاف، لكن بأمر من المدير العام العميد الركن عماد خريش، أُرسلت مركبات إسعاف بديلة إلى المركز حتى نتمكّن من متابعة عملنا".
ولعلّ الأشدّ قسوة من بين الصعوبات التي يستعرضها رئيس مركز النبطية الإقليمي في المديرية العامة للدفاع المدني في لبنان هو" خسارتنا شبّاناً استشهدوا بين أيدينا، ربّيناهم مثل أولادنا، وعملنا معهم 20 عاماً، وقد نفّذوا في خلال الأشهر الماضية 1,500 عملية إنقاذ، وقد صاروا في النهاية في حاجة إلى من ينقذهم".
كذلك يؤكد فقيه لـ" العربي الجديد" أنّ الأصعب هو انتشال الأطفال الشهداء، لافتاً على سبيل المثال إلى" طفل ممزّق يبلغ من العمر ثلاثة أعوام سنوات، رفعنا أشلاءه.
فكلّ الأطفال أطفالنا، والأمهات أمهاتنا؛ نحن جزء من نسيج المجتمع"، متوقّفاً كذلك عند عمليات إجلاء السكان التي كانت تُنفَّذ بالتعاون مع الجيش اللبناني.
واليوم، يواصل عناصر الدفاع المدني فتح الطرقات الرئيسية والفرعية في محيط المواقع التي تعرّضت للاستهداف في مدينة النبطية، بهدف تسهيل حركة المرور وتأمين الوصول إلى المناطق المتضرّرة، كذلك يعملون على إيصال المياه إلى أماكن وجود النازحين وإزالة آثار العدوان ورفع الأنقاض من أجل سحب جثث الشهداء من تحتها، وذلك على الرغم من التحديات والأضرار التي طاولت مراكز الدفاع المدني.
ويبيّن فقيه أنّ من أصل 21 مركزاً، دُمّر عشرة مراكز بالكامل، فيما لحقت أضرار كبيرة بثلاثة مراكز أخرى.
ولا يخفي أنّ" ثمّة خوفاً"، غير أنّه يشدّد على أنّ" أمام حياة الإنسان أو إنقاذ إنسان، تسقط كلّ المعايير.
وبالتأكيد ثمّة خوف وتردّد أحياناً، لكنّ الوقت للمهام وليس للكلام عند الصعاب".
ويتابع فقيه أنّ" عمليات فرقنا مستمرّة، خصوصاً أنّ الاعتداءات الإسرائيلية على النبطية مستمرّة، لكنّ التنسيق يحصل مع الجيش اللبناني الذي ينسّق بدوره مع لجنة مراقبة وقف العمليات العدائية (ميكانيزم) على صعيد المناطق القريبة من الخطر"، لافتاً إلى أنّ" ثمّة أماكن لا يمكن الوصول إليها، ونتعرّض لإطلاق نار فيها وننسحب".
ويشدّد فقيه، في حديثه إلى" العربي الجديد"، على أنّ" مركباتنا واضحة، وشارات الحماية موجودة، لكنّ العدو لا يحترم أيّ شارة دولية"، مضيفاً أنّه" سبق أن تعرّضنا في حرب عام 2024 لاعتداءات كذلك وسقط لنا شهداء وجرحى واستُهدفت مراكز لنا، من دون أن تحمينا الشارات.
ومع ذلك، فإنّ رسالتنا الإنسانية والوطنية مستمرّة، وقد مرّ على شبّاننا 107 أيام من دون رؤية أهلهم، لأنّ الواجب يناديهم".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك