لما وصفنا الأسبوع الماضي كيف أن اللعنة الترامبية، «ترامبيفيكيشن»، أدركت المونديال والفيفا وكرة القدم ذاتها، ما كان ليخطر لنا، ولا لأحد، ببال أن السقوط في الحضيض سيمضي إلى حد أنْ تسوّل للصبي البرتقالي نفسُه بأن يتدخل في قرارات حكام المباريات ويتصل بصاحبه جاني إنفانتينو طالبا منه سحب البطاقة الحمراء التي رفعت في وجه اللاعب الأمريكي فولارين بالوغون أثناء المباراة ضد منتخب البوسنة.
ولكن العابث فعلها، فنال ما همّ به وحصل الحاكم بأمره على مراده.
إذ ليس لمصلحيّة إنفانتينو الانبطاحية حدود.
كلما أُمِر ائْتَمَر.
على أن من إيجابيات هذا المونديال الترامبي، المصمم على مقاس البزنس والأرباح التجارية الخيالية، أنه أتى بالدليل الساطع على بطلان ضلالات ترامب العنصرية وحملته المسعورة على المهاجرين.
ذلك أن عددا من المنتخبات المشاركة، مثل منتخبات هولندا وفرنسا وبلجيكا والمنتخب الأمريكي ذاته، قد تألقت بفضل تفوق لاعبيها من أبناء المهاجرين الأفارقة.
أي أن بلدان التنوع العرقي والتعدد الثقافي قد نقضت تصورات ترامب، التي جدد التعبير عنها بمناسبة الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، بأن ما ينشئ الأمم هو مجرد الاشتراك في العرق واللون واللغة والديانة، وبيّنت في تجليات باهرة أن ما ينشئ الأمم المعاصرة ويقوّمها حقا إنما هو قيم المواطنة الإيجابية المؤسسة على العقد الاجتماعي والاحترام المتبادل والمساواة في الكرامة والحرية.
من إيجابيات هذا المونديال الترامبي، المصمم على مقاس البزنس والأرباح التجارية الخيالية، أنه أتى بالدليل الساطع على بطلان ضلالات ترامب العنصريةأما الإيجابية الأخرى لهذا المونديال العجائبي فهي اكتشاف جماهير العالم لأمم صغيرة ربما لم تسمع بها من قبل، مثل جُزر «كابّو فردي»، الرأس الأخضر، التي لم يكتف منتخبها بأن عرّف العالم كله ببلاده وأثبت موقعها على الخريطة، قبالة سواحل السنغال، بل إنه اقتحم هذا المونديال بفروسية نادرة، مُناجزا أعرق المنتخبات بثبات جهد ونِدّيّة منعشة، فما انسحب أمام الأرجنتين إلا بعد أن شرّف القارة الإفريقية وأطرب عشاق اللعب النبيل.
والحق أن دولة الرأس الأخضر جديرة بأن تُعرف، خصوصا بالنسبة لنا نحن العرب الذين لم تنجح أي من دولنا الكثيرة، لا الكبيرة ولا الصغيرة، لا الغنية ولا الفقيرة، في التحصن بنظام ديمقراطي ضامن للتداول على السلطة حافظ للكرامة والحريات.
وقد أتاح لي عملي سابقا مع الأمم المتحدة أن أعرفها نسبيا وأن أحظى بفرصة تمضية سويعات مع رئيسها الراحل أنطونيو مونتيرو بمناسبة توليه في يوليو 2011 مهمة سفير للتغذية مكلف بتوعية الحكومات بوجوب تنفيذ سياسات مدروسة لمكافحة سوء التغذية (الذي كان يموت بسببه 600 ألف طفل في بلدان إفريقيا الغربية كل عام)، علما أن للرأس الأخضر تجربة ناجحة في هذا المجال منذ السبعينيات.
واللافت أنه بينما تُعَدُّ جُزر الرأس الأخضر قصة نجاح تنموي وسياسي، فإن دولة غينيا-بيساو القريبة لا تزال على النقيض بؤسا وعنفا وانقلابات ومعابر لتجارة المخدرات، هذا رغم أن البلدين كانا يعتزمان الوحدة بعد الاستقلال وأنهما كافحا معا ضد الاستعمار البرتغالي بقيادة «الحزب الإفريقي لاستقلال غينيا والرأس الأخضر» وزعيمه الماركسي أميلكار كابرال الذي كان من رفاق تشي غيفارا.
عندما قابلت الرئيس مونتيرو أكبرتُه رجلا وقور الطلعة لطيف العبارة، مع سماحة وصراحة وتواضع جم.
كان أول رئيس ينتخب ديمقراطيا في بلاده عام 1991.
فاز بولاية ثانية عام 1996، ثم سلم السلطة عام 2001 لخلفه بيدرو بيرس (الذي سلمها هو ذاته عام 2011 بسلاسة وبدون تحايل على الدستور مثلما يحدث في كثير من بلدان العالم الثالث).
شرح لي أهمية السعي لإنقاذ الأطفال من الموت البطيء ووجوب العمل على تحرير إفريقيا الغربية من دوامة ثالوث الفقر والجهل والمرض.
ثم تشعب الحديث إلى البلدان الإفريقية وسياستها وقادتها، ولما علم أني عربي قال لي إن القارة الإفريقية قد عانت من مغامرات العقيد القذافي الكثير، أما عن خزعبلاته فحدث ولا حرج! قلت له: لقد كان معك من القادة الأفارقة مناضلون كافحوا الاستعمار والعنصرية، فكيف كنتم ترضون بأن ينصّب القذافي نفسه عليكم معلّما ومحاضرا، وإماما للمسلمين منكم؟ فأجاب بأن رجاء الدعم المالي كان يحبس الألسن.
ثم أكد لي أنه طلب من نظرائه الرؤساء، قبيل انعقاد إحدى قمم الاتحاد الإفريقي، أن يطالبوا القذافي بالالتزام على الأقل بالقواعد الإجرائية للمداولات واتخاذ القرارات وعدم الرمي بها عرض الحائط مثلما اعتاد أن يفعل، فتعاهد الجميع وتواصوا بالصمود أمام «ملك ملوك إفريقيا».
ولكن ما إن بدأت القمة حتى طأطأوا الرؤوس ولاذوا بالصمت!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك