في ذروة تصاعد حركة الحشود المليونية بتوديع جثمان القائد الأعلى الإيراني علي خامنئي، صعدت الاحتكاكات الحربية حول مضيق هرمز إلى ذروة جديدة، تكاد تهدد بالعودة إلى حرب شاملة، بدأت باغتيال السيد خامنئي، وعشرات من القادة العسكريين الإيرانيين صباح 28 فبراير 2026، وكأننا نعود إلى نقطة البدء الحربية من جديد، وبالذات مع إعلان الحرس الثوري الإيراني عن ردود عسكرية أعنف، وإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من قمة حلف شمال الأطلنطي الناتو في أنقرة، عن نهاية مذكرة التفاهم مع إيران، وإعلانه أنه لا يؤيد شخصيا استمرار التفاوض مع الإيرانيين، ووصفه المفاوضين الإيرانيين بنعوت مقذعة، من نوع أنهم غشاشون ومحتالون، وإن ترك ترامب نافذة جانبية لإمكانية استئناف التفاوض مع الإيرانيين المفاوضين، الذين سبق له وصفهم بأنهم عقلانيون جدا، وأنهم يعبرون عن نظام إيراني جديد، حل محل نظام خامنئي المغتال، وساق أوهاما كثيرة حول القضاء على الصفوف الأولى والثانية وأغلب الثالثة من قادة النظام الإيراني، وأنه حقق انتصارا رائعا وعظيما، وأجبر إيران على قبول الاستسلام الشامل، بدلالة توقيعها على مذكرة التفاهم، التي يريد الآن محوها بالكامل، والانسحاب من مفاوضاتها، وعلى طريقة انسحابه في عهدته الرئاسية الأولى من خطة العمل المشتركة، أو الاتفاق النووي الإيراني، الذي وقعه سابقه الرئيس الأمريكي باراك أوباما.
وكان رد إيران أن تحللت من التزاماتها بموجب الاتفاق، وزادت في نسب التخصيب إلى 60%، وخلقت هاجسا جديدا مرعبا لإدارة ترامب الثانية، اسمه كمية الأربعمئة والخمسين كيلوجراما من يورانيوم التخصيب العالي المختفية، الكافية لصناعة عشرات القنابل النووية لإيران، إن أرادت وقررت.
ولا أحد عاقلا يأخذ تصرفات ترامب وأقواله على محمل الجد، فهو يتصرف كزعيم عصابة، لا رئيس أقوى دول العالم عسكريا، وقد أعلن ترامب انتصاره الباهر المزعوم في إيران لأكثر من أربعين مرة، وامتدح مذكرة التفاهم مرات، ثم عاد لينقلب عليها وقال، إن إيران قبلت تدمير وإنهاء برنامجها النووي، ثم عاد ليقول إنهم ـ أي الإيرانيين ـ ينكرون ذلك، ولا يوجد شيء في بنود المذكرة عن القضاء على البرنامج النووي، وحتى في قضية كمية يورانيوم التخصيب العالي، فلا ذكر في المذكرة لطلب ترامب تسليمها إلى واشنطن، ويبدو أن ترامب يجهل حتى ما يوقع عليه، والموجود في المذكرة مجرد تعهد إيراني بعدم صناعة أو حيازة أسلحة نووية، وليس في ذلك من جديد، إنه مجرد تأكيد على فتوى الإمام الراحل علي خامنئي بتحريم صناعة أسلحة نووية.
أعلن ترامب انتصاره الباهر المزعوم في إيران، وامتدح مذكرة التفاهم مرات، ثم عاد لينقلب عليها وقال، إن إيران قبلت تدمير وإنهاء برنامجها النووي، ثم عاد ليقول إن الإيرانيين ينكرون ذلكوليس غريبا، أن يجهل ترامب فتوى القائد الأعلى الإيراني الراحل، فهو يجهل مكانة علي خامنئي عند الإيرانيين المعاصرين، وعبّر علنا عن دهشته من ملايين الإيرانيين الذين خرجوا في توديع جثمانه، وقال إنه فوجئ بهم يبكون على خامنئي وكان يعتقد أنهم يكرهونه، ويبدو أن كل معلومات ترامب عن خامنئي جاءت من بنيامين نتنياهو رئيس وزراء كيان الاحتلال الإسرائيلي، الذي أقنع ترامب بمشاركته في خوض حرب خاطفة على إيران، تبدأ باغتيال علي خامنئي، ثم يتكفل جهاز الموساد الإسرائيلي بإقامة ثورة شعبية إيرانية، تخلع النظام من جذوره، ورغم سذاجة التصور، فقد اقتنع به ترامب الأكثر سذاجة، وشن حربه التي استمرت بكثافاتها وانقطاعاتها ومفاوضاتها لأكثر من أربعة شهور إلى الآن، وليس لأربعة أيام فقط وعده بها نتنياهو، ولم يدرك أبدا مغزى الحشود المليونية في شوارع وميادين إيران طوال شهور، التي عكست تمتع النظام بقاعدة تأييد شعبي واسعة، ووصلت إلى ذروتها في توديع جثمان خامنئي، الذي قاد نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية لنحو أربعين سنة، وصار في مكانة الأب للأمة الإيرانية المعاصرة، خصوصا أنه رحل شهيدا، وأمثال ترامب لا يعرفون قداسة الاستشهاد في ثقافة الإيرانيين، وفي المذهب الإسلامي الشيعي على نحو خاص، حيث يجتمع الحزن والرغبة في الثأر معا، وهو ما يفسر نوبات البكاء واللطم في حشود التوديع المليونية، مع رفع رايات الإمام الحسين الحمراء، ورفعها لا يعنى بالضرورة رغبة في اغتيال شخصي لقتلة من نوع ترامب ونتنياهو، بل يعنى تصميما على مواصلة الصمود المذهل الذي أبداه الإيرانيون، وكسروا به شوكة الحرب الإسرائيلية المفروضة بجيوش أمريكية على وجود أمة ذات ميراث حضاري عريق.
كان علي خامنئي أكثر من مجرد رمز ديني، أو حتى الولي الفقيه في مركز عقيدة النظام الإيراني الحاكم بعد ثورة الإمام الخميني، صحيح أن خامنئي التحق بركب الخميني قبل الثورة عام 1979، لكن خامنئي بدا كأنه من طينة وعي أوسع نطاقا، ليس فقط لأنه يجيد اللغة العربية كأهلها إلى جوار الفارسية، بل لأن إجادته الفائقة للغة العربية وعلوم القرآن، جعلته يرى إيران جزءا من حركة أوسع في المنطقة وأشواقها للنهوض والاستقلال، وإنهاء هيمنة المستعمرين المستكبرين، وفي مذكراته المنشورة باللغة العربية تحت عنوان «إن مع الصبر نصرا»، يروى خامنئي سير اعتقاله لست مرات على يد جهاز السافاك الرهيب زمن الشاه، ويتحدث عن ولعه بالشعر العربي قديمه وحديثه، خاصة شعر الشاعر العراقي الكبير محمد مهدى الجواهري، رغم أن الجواهري كان أقرب في سيرته إلى اليسار، وهو ما لم يكن غريبا تماما عن سيرة طالب العلم الديني الحوزوي الشاب علي خامنئي، الذي لم يخف اقترابه من عمل حزب توده الشيوعي الإيراني، وفي واحدة من مرات اعتقاله، يروى خامنئي أن حارس زنزانته قال له ولرفاقه المعتقلين ذات صباح، أن أبشروا فقد مات جمال عبد الناصر، كان عبد الناصر ونظامه في حالة عداء متصل متفاقم مع نظام الشاه الإيراني، وقطع العلاقات معه بعد اعتراف الشاه بكيان الاحتلال الإسرائيلي رسميا أوائل ستينيات القرن العشرين، وقام نظام عبد الناصر ومخابراته بتدريب وتسليح حركات إيرانية معارضة لنظام الشاه، وحين وصل خبر رحيل عبد الناصر إلى خامنئي في سجنه، راح ـ كما تورد مذكراته ـ في نوبة بكاء حار، فقد كان ما يجمعه بعبد الناصر كبيرا على اختلاف المنطلقات الأيديولوجية، إنه أمل الاستقلال والتحرر من الهيمنة الأمريكية على مصائر المنطقة، ولم تسترح نفس خامنئي في سجنه قليلا إلا حين راح يدير مؤشر الراديو، ويستمع في خشوع إلى تلاوات القرآن الكريم من إذاعة صوت العرب من القاهرة، وبأصوات أشهر القراء المصريين زعماء دولة التلاوة في كل العالم الإسلامي.
وفي سيرة صعوده إلى مكانة القائد والمرشد الأعلى لنظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، جمع خامنئي بسلاسة بين موقعه الديني، والشعور الجارف المعتز بالقومية الإيرانية، وكان ذلك من عوامل نجاحه في ترسيخ نظام الدولة الإيرانية بعد سنوات من ثورة الخميني، لم يكن ذهن الرجل مغلقا على تفكير جامد، وأبدع في صياغة مؤسسات جعلت النظام الإيراني فريدا في تركيبه، وأدار التفاعل بين التيارات المحافظة والإصلاحية المجددة، وجمع بين صلابة التماسك ومرونة الانفتاح العقلي، وحرص على بناء القوة العسكرية الذاتية وإطلاق طاقات التطور العلمي والصناعي، ويمكن اعتبار اسمه ودوره مرادفا لقصة إيران المعاصرة العفية، وهو ما يفسر تنامي شعبيته، التي نافست شعبية الخميني نفسه، وإذا كانت جنازة الخميني المليونية شاهدا على دوره الثوري، وذكّرت جماهير التحرر في المنطقة بجنازة جمال عبد الناصر المليونية الأسطورية، التي شارك فيها نحو سبعة ملايين في مصر ذات الثلاثين مليونا وقتها، وشاركت فيها أعداد أكبر في أقطار عربية أخرى، وكان نشيج الناس فيها ونشيدهم كلمة الحق على ألسنة الخلق، وقد تكررت الظاهرة ذاتها في جنازة الخميني، ثم ها هي تستعاد الآن في توديع جثمان علي خامنئي، الذي وعى مبكرا أولوية هدف الاستقلال وأحلام النهوض القومي، التي يعبر الناس عن جوعهم الفطري إليها في منطقتنا المنكوبة من زمن طويل، ويحتفون رغم الألم بأعلام النهوض والمقاومة، وبزعماء تركوا سيرا لا تمحى، مهما كانت ضراوة الحملات المعادية، ومهما كانت سيوف الأعداء سالكة في الرقاب.
وليس من باب المصادفات العبثية، أن تأتي بوادر الحرب الأمريكية الجديدة، في توقيت توديع السيد علي خامنئي، فالعدو الأمريكي الإسرائيلي يريد الانتقام من ملايين الوداع، ومن الشعب الإيراني الصامد حتى في الجنازات، فلولا الموقف الفطري الصامد النبيل للناس العاديين، ما كانت المقاومة لتثبت في ميادين الصدام بالنار، وما كانت القوة الإيرانية قادرة على مواصلة الصمود المذهل، والاستعصاء على الانكسار، وإثبات عجز العدو عن الانتصار وتحقيق أهدافه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك