تميل روزا لأعمال ثنائية حادة بين معسكر تراه «التنوير» وبين نقيض، بحيث يصير كل نقد منهجي للأنوار من داخلها تحوم حوله شبهة الطعن الخبيث لها.
تمضي روزا على هذا النحو أيضا في الكتاب الذي تشاركت تأليفه مع الإيراني – الفرنسي أمير باشا توكلي وصدر هذا العام تحت عنوان «الأنوار والأنوار المضادة في إيران.
قرن من الصراعات السياسية».
فالمؤلفان يوضحان مباشرة بأنهما يعتمدان القسمة التي يعملها المؤرخ الإسرائيلي للأفكار زئيف سترنهيل بين أنوار عقلانية مبنية على النظرة الكونية للإنسان وبين أنوار مضادة، أو ما يضاد الأنوار، من نزعات باحثة عن «حداثة بديلة» مؤطرة على حسب الخصوصية الثقافية، والإعلاء من شأن الغريزة والحدس والكشف والهوية والموروث والغيب على حساب لغة العقل، ومقام الفرد، ووحدة النوع.
واللافت أن المؤلفين، روزا وتوكلي، يشددان في وقت واحد، على مرجعية شترنهل كمؤرخ أفكار قدم شجرة أنساب «الأنوار المضادة» من فيكو وهردر ودوميستر وبيورك حتى زمن الحرب الباردة وقزحيا برلين، وكاد أن يزج في هذه المضبطة بحنة أرندت نفسها.
ومرجعية جورج لوكاتش على صعيد الفلسفة، خاصة كتاب الأخير «تدمير العقل»، حين وجه مضبطته الاتهامية ضد شيلينغ، وشوبنهاور، ونيتشه.
هل تنفع في المقابل مقاربة التاريخ الإيراني الحديث من زاوية هذه الثنائية؟هناك مغريات عديدة لاعتماد منظار الاستقطاب بين أنوار وبين أنوار مضادة بعيدا عن حواضر الغرب.
فالتراث الفكري الغربي النقدي للعقلانية ترك تأثيره هو الآخر من اليابان حتى المجتمعات الإسلامية.
مع هذا تظل هناك مشكلة أساسية: إذا كانت الأنوار المضادة لهردر وبيورك تحضر في مواجهة أنوار كانط وروسو، فهل تكتفي «الأنوار المضادة» في الشرق بمواجهة تركة التنوير الغربي ليس إلا؟ في نموذج اليابان مثلا، يحضر مشروع الحداثة البديلة للأنوار المضادة بشكل واضح: إذ ظهر منذ نهاية القرن التاسع عشر الاتجاه الذي يقول بالمزاوجة بين التحديث العلمي – التكنولوجي وبين التشديد على الفرادة الثقافية والروحية.
لكن ماذا عن الجدال بين جمال الدين الأفغاني وسيد أحمد خان في الهند.
الثاني يطابق إله الوحي بإله الطبيعة، والثاني يحمل عليه لأجل هذا ويتهمه بإنكار النبوات والشرائع و»بالدهرية» أو «النيتشرية».
هل يمر خط تماس «أنوار في مقابل أنوار مضادة» بينهما؟ ورواد الإصلاح في الشرق العثماني، هل يحتسب نامق كمال وضياء باشا على التنوير المضاد نظراً لتضمن كتاباتهم نقدا ثقافياً للتغريب، هذا مع أنهم طالبوا بتقييد سلطة الحاكم وفصل السلطات؟ أين يضعهم استشعارهم بالحاجة لتأصيل البرلمان من خلال إحالته على مبدأ الشورى؟يستعيد كتاب روزا وتوكلي تعقيدات الوضع التاريخي.
فمن جهة، رحلات ناصر الدين شاه القاجاري (ملك إيران من 1848 إلى 1896) إلى أوروبا تُعد حدثاً استثنائياً وغير مسبوق في تاريخ الشرق الأوسط خلال القرن التاسع عشر.
خلافاً لحكام ومصلحي عصره الذين كانوا يرسلون بعثات وموفدين، قرر ناصر الدين شاه أن يذهب بنفسه لاستكشاف أوروبا، فزار لندن، وباريس، وبرلين، وسانت بطرسبرغ.
لئن أرهقت هذه الرحلات كاهل الخزينة، فقد كانت رائدة لوعي حجم التفاوت العلمي التكنولوجي والحضاري مع أوروبا، بقدر ما أدى ذلك لانتشار قناعة بين النخب من أن الاستبداد الملكي القاجاري يحول دون تحديث إيران.
وفي هذا السياق يجري التعريج على دور الرواد ميرزا ملكوم خان، وعبد الرحيم طالبوف، وميرزا فتح علي آخوندوف كمهدين لثورة «المشروطة» الإيرانية 1905-1911.
والحال أن الكتاب يسعى جهده لقراءة الصراع بين «المشروطة» وبين «المستبدة» من منظار «تكراري» لأحداث واستقطابات الثورة الفرنسية، ولعلها مشكلته الأساسية، وهو ما يظهر حال التطرق الى موقع الشيخ فضل الله النوري، رجل الدين الرافض لاستبداد القاجاريين في البدء ثم المناوئ لأي دستور غير مقيد بالشريعة، وطارح شعار المشروعة لا المشروطة، والذي انتهى به الأمر بأن أعدمه الدستوريون، في حين سيعيد الإسلاميون، وفي الطليعة منهم الإمام الخميني، رد الاعتبار له، ومن خلاله، تثبيت رفض اختزال الانقسام إلى ثنائية «مشروطة» في مقابل «مستبدة».
هناك مغريات عديدة لاعتماد منظار الاستقطاب بين أنوار وبين أنوار مضادة بعيدا عن حواضر الغربفي المقابل، كان الضابط رضا خان بمثابة «الظاهرة البونابرتية» بعد استفحال التشظي بين المشروطة وبين المستبدة، وصاحب توجه «جمهوري»، قبل أن يحمله ضغط رجال الدين من ناحية، وبريطانيا المتخوفة من أن يكون إعلان الجمهورية في مصلحة روسيا السوفياتية، إلى تبديل نظام ملكي قاجاري بآخر برزت باكرا مشكلة مشاريع التحديث القسري والمستعجل من أمره الذي يتنطح لها.
وفي ظل حكم آل بهلوي تعمق الاتجاه الرومانسي – المحافظ، التنويري – المضاد، مع «الهيدغري» أحمد فرديد الذي استوحى من وقوع الكينونة في النسيان بحسب قراءة هيديغر النقدية لتاريخ الميتافيزيقا الغربية غربة التحديثيين من مجايليه عن كينونتهم الحضارية، وتسممهم بكل ما هو غرباوي، وفرديد في هذا السياق، كما جلال آل أحمد، مارسا استشراقا معكوسا، يقوم على تبني كليشيهات غربية مع تبديل أحكام القيمة بصددها.
ما يلاحظه كتاب روزا – توكلي أن مفكرين من خارج منظومة الملالي هم الذين عبدوا الطريق في إيران، برومانسيتهم «الأصلانية»، لقيام هذه الثيوقراطية الحرسية، بمثل ما يتقفى الكتاب أثر مجتبى نواف صفوي أبرز من وصل الإيرانيين بالإخوان المسلمين في مصر، بل جمعته صداقة بسيد قطب، وقد نشأ السيد علي خامنئي في هذا الجو، وهو ما يفسر اهتمامه بترجمة كتب قطب، وكان إعدام صفوي عام 1956 منعطفا في مارتيرولوجيا الإسلاميين، يمكن مقارنتها بإعدام قطب عام 1966.
أيضا علي شريعتي، يجمله الكتاب في عداد «الأنوار المضادة»، وهذه مفارقة.
أن يجد المفكر نفسه متهما، هنا بالترويج للسارترية والماركسية، وهناك بمحاربة التنوير.
لكن ماذا لو كان الصراع بين التنوير والتنوير المضاد يخترق نصوص شريعتي نفسها؟ هذا ما لا يدخل في حسابات روزا وتوكلي.
إما هنا وإما هناك.
ثم ماذا عن الفارق بين التنوير المضاد لغير الإسلاميين في إيران وبين التنوير المضاد المسوغ للثيوقراطية؟ هل كل بحث عن «دين ثوري» يقود إلى هذا المآل؟يهتم كتاب روزا وتوكلي بإظهار تأصل اللاسامية في النظام الإيراني بشكل لا يمكن تفسيره فقط بحمل لواء المسألة الفلسطينية، ويستدل على ذلك بالاحتفاء بروجيه غارودي في الفترة نفسها التي كانت يطارد فيها سلمان رشدي.
لكن ماذا عن علاقة إيران الإسلامية بالماضي ما قبل الإسلامي لإيران؟ لا يفرد المؤلفان مساحة وافية لهذا الجانب، علما أنه يوصلنا إلى نقطة فاصلة: الاحتفاء بقورش الكبير، مؤسس الإمبراطورية الأخمينية، من عدمه، هو موضوع محير عند الخمينيين.
لا يمكن التخفف منه على طول الخط، ولا تكرار غلطة محمد رضا بهلوي بتحويله إلى الإمبراطور الأبدي من وراء ستار التاريخ.
لكنه قورش نفسه الذي يرتبط اسمه بتحرير اليهود من السبي، وبإقامة شرق أوسط تمازجي، اختلاطي، بين أقوامه، ويغري بالتفكير بأنوار سحيقة، سابقة على الحداثة وبدائلها المحتقنة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك