تبدو نسبة من يمارسون السياسة بصوت متوازن وهادئ في سورية محدودة جداً.
أما المساحة الأوسع فتبدو عالقة بين ميلَين متقابلَين؛ إعادة إنتاج الثورة كما كانت في زمنها الأول، أو إعادة إنتاج نظام الأسد بأدوات وخطابات مختلفة.
قد يكون هذا الاستنتاج قاسياً، وربما هو أقرب إلى افتراض تولّده كثافة المشاحنات في مناخ رقمي يفتقد أبسط قواعد الحوار والسجال الأخلاقي.
فما إن يظهر خلاف مع شخص أو جهة، حتى تتحوّل لقطات الشاشة، والمنشورات القديمة، والصور، وربما المحادثات الخاصة، إلى أدوات للتشهير والاستهداف الشخصي.
وهذه سلوكيات تموت غالباً داخل احتقانها، بعيداً عن أي أثر سياسي حقيقي.
في المقابل، يختلف الأمر حين يتحول العمل الرقابي الشعبي إلى متابعة منظمة، تستند إلى مؤشرات ومعطيات وشواهد ومعلومات قابلة للتحقق، وتوضع أمام الرأي العام بقدر من المسؤولية، ولاحقاً أمام القضاء، إذا غيّر قوانينه الأسدية! عندها قد نكون أمام شكل من أشكال الحراك السياسي الرقابي الذي تحتاجه المرحلة الانتقالية.
وتبدأ المشكلة من هذا الفارق تحديداً؛ بين استهداف الأشخاص بمنطق الخصومة، ومساءلة الوقائع بمنطق المصلحة العامة، ولعل نشاط المخرج والكاتب حسان العقاد، الذي أوقف أخيراً بسبب انتقاده عودة أشخاص من نظام الأسد إلى الواجهة خير مثال على الرقابة الشعبية الخجولة.
تكمن أزمة الرأي في سورية اليوم في أن الانقسام الشعبي لا يزال يطارد أصحاب الرأي، ويدفع كثيرين إلى التفكير من داخل الاصطفاف لا من داخل السؤال.
فبدلاً من أن يتجه المجتمع إلى الطاولات والمنتديات والجمعيات والمنظمات المدنية، حيث يمكن تقويم أفكار الناس الخارجين من حقبة الحرب والصراع وانهيار الجيش والأمن والاستقرار، يبدو أكثر ميلاً إلى بناء جماعات مغلقة واستقطابات قائمة على انعدام الثقة.
وهذا إرث تناولته عشرات المقالات والتقارير والتحقيقات الصحافية، لكن السؤال الأكثر إلحاحاً: هل هناك من يقرأ فعلاً، ويتابع بهدوء وصدق، ويمنح العقل فرصة قبل الموقف المسبق؟ وتظهر هذه المشكلة في أكثر من ملف ومكان، من السويداء إلى الساحل، وصولاً إلى الاندماج المتعثر للإدارة الذاتية الكردية في شمال سورية.
في كل هذه الملفات، هناك طيف واسع يعيد تدوير اللغة القديمة، من دون أن يرى الوقائع كما هي، أو يفكّكها بحياد، أو يفهم الحساسية المحلية التي تحيط بها.
وبين من ضاعت فرصته في ممارسة رقابة سلمية لتحصيل الحقوق العامة، ومن وجد في التشهير وسيلة سهلة لإثبات الحضور، يتّسع الصخب الإلكتروني غير المجدي، وتضيق المساحة التي يمكن أن ينشأ فيها رأي سوري عاقل ومسؤول.
إذا كان لا بدّ من العودة إلى اقتراحات متوقعة، فربما يكون هذا بإقامة مؤتمر جاد للحوار الوطني في سورية، وليكن في دورة ثانية، يجمع المشكلات التي ظهرت خلال أكثر من عام ونصف العام من المرحلة الانتقالية، والأهم أن يكون جامعاً حقاً ويمتلك ناصية التوصيات والملاحقة الرقابية.
لقد شاهدنا العثرات السياسية في مواضع شتى؛ صراعات داخلية دموية، وتصاعد في عمليات الاستهداف الممنهج لعناصر حكومية، ونشوء سرديات غير وطنية، ونمو أصوات مضادة للثورة من أساسها، ما دفع بعض أصحابها إلى إهمال قصدي لتاريخ نظام الأسد وتدميره الممنهج.
ثم عاد إلى الواجهة بعض من كان ضالعاً في جسد الماكينة الأسدية، العسكرية في جزء منها، والاقتصادية والاجتماعية في أجزاء كثيرة، ما دفع الشارع مجدداً إلى التحرك علناً ضد عودة هؤلاء.
وقد تبيّن، على نحو ما بعد بضعة أحداث، أن أبسط الأمور الانتقالية، من حقوق واستعادة للأمن ومحاسبة للجناة، هي من أعقد السياقات التنفيذية التي تعاني منها شرائح اجتماعية تقود المؤسسات الرسمية والجهات ذات الشأن غير الحكومية.
فالمسألة تكمن في نظرة الشخصية السورية إلى أساليب استغلال الفرص، بمعزل عن تداعيات انعدام العمل المشترك وتهتك الثقة في مواضع عدة، وليس آخر نتائجها هذا الانقسام العنيف في الخطاب والإعلام والشارع وعالم التواصل الافتراضي.
من سيبني البلاد مجدداً يجب أن يُجمع عليه كل السوريين، وأن تتوزع بينهم المهام السياسية والإعلامية والاقتصاديةويسأل كاتب هذه السطور: هل يمكن الانتقال، بسرعة زمنية وفكرية، من نمط حكم محدود في مدينة لها دلالات ثورية وتاريخية وأغلبية دينية واضحة في نمط إدارتها، إلى حكم أوسع وأكثر إشكالية لبلاد متنوعة المشارب والمدن والاعتقادات؟ بلاد لم ترسخ بعد مفاهيم المواطنة، ولا تزال تمشي على قوانين سنّها نظام قيل إنه" سقط".
رغم أنّ بعض التقارير والمتابعات الاستقصائية تشير إلى وجود شريحة من بقاياه الفكرية والسياسية لا تزال تنخر في مواطنين تسلّموا مسؤوليات، وعند آخرين يعتبرون أن أولوية مسؤولياتهم لا تزال محكومة بإرث الاستبداد وثنائية المقارنة اللعينة: " أين كنتم منذ 14عاماً.
وهل كنتم تجرؤون.
"، إلى آخر تلك العبارات الشمّاعة، المستخدمة كقفل لأي اختلاف أو صراع سياسي.
هناك حالة خوف واسعة في بعض المناطق السورية المعزولة بسبب انتماءات سكانها، إضافة إلى احتضان متخبط لبقايا من الجهاديين المحليين والأجانب الذين لم تتحقق أحلامهم في إقامة دولة الخلافة الإسلامية.
فبحثوا، ربما، عن دول داعمة، أو عن قنوات اتصال مع جهات استخبارية من أجل تعزيز كلمتهم ومكاسبهم.
إنّ القادمين من عالم العقائد الدينية في سورية تحديداً إلى سدة الحكم، يقيّمون الحوكمة والنشاط السياسي والحريات من وجهة نظرهم الخاصة.
وهذا ما يتعارض مع التعددية اللازمة لحماية الفئات المختلفة ثقافياً ودينياً في سورية، ويضعهم أمام عداوة أمنية خطرة يقودها من اختلفوا معهم من رفاقهم في الجهاد، وأمام عداوة سياسية واجتماعية أقل خطراً، ربما، يقودها شارع كان يتوقع ألّا تعود ذهنية الشلل إلى إدارة المؤسسات.
خلال الثورة السورية، تشكل أمامنا عدد لا يستهان به من التيارات الفكرية؛ الليبرالية منها والعقائدية، والمتشدّدة في توجهها، والغالبة في ميلها إلى الوسطية على مستوى المطالب السياسية والاقتصادية.
ولأنّ الكلمة كانت للسلاح، ولأنّ الرصاص حمل لغة التغيير أمام مشهد آلاف الشهداء، مدنيين وعسكريين، ممن كانوا يحلمون، مثلنا اليوم، ببلد حر يسوده العدل والقانون، وتتولى الكفاءات الحقة مسؤولية إدارته، فقد صحونا، بعد كل تلك الفوضى الثورية الرومانسية، على مشكلات عديدة تحتاج إلى نقاش وحوار وصراع سلمي.
وذلك كله يحتاج أولاً إلى ضمان ألّا يُقطع لسان أحد، ولو بالمعنى المجازي، وألّا تُغتال معنوياً شخصيات لها انتماؤها النقي لهذا الشعب المقهور.
ولأجل كل ذلك، هل يمكن أن يسود المناخ الوطني اللازم للجلوس مع الجميع؟ لقد قال أحمد الشرع، الرئيس السوري، إنه مستعد للحوار مع حزب الله اللبناني.
أليست السويداء أقرب المشاكل إلينا؟ إذا أردنا أن نطلق الشعارات الممكنة في واقعنا السوري، فعلينا أولاً فهم سياقات هذا الواقع وتقديمها من دون انحياز سياسي.
أتحدث هنا ككاتب، ممن يمكن أن يدفعوا الناس إلى التفكير والبحث والسؤال عن حقوقهم، وأن يضعوا السياسيين أمام المشورة لا المصالح، وأن يقرعوا الجرس قرب القادة، لعلّ الحكمة تقيم التوازنات الأهلية العاجلة قبل أن يأكل الناس بعضهم بعضاً.
حالة خوف واسعة في بعض المناطق السورية المعزولة بسبب انتماءات سكانها، إضافة إلى احتضان متخبط لبقايا من الجهاديين المحليين والأجانبالعدالة والقانون، وملف الجنايات الضخم من زمن الأسد، هناك من يعمل عليه وفقاً لبيانات حكومية رسمية.
وفي المقابل، هناك مناطق تنشط فيها السرقات والتهديدات والاغتيالات؛ لأن بناء المنظومة الأمنية يحتاج استشارات عاجلة، وتدخّل خبرات، وتعاوناً إقليمياً، وقبل كل شيء مساواة بين جميع المواطنين الراغبين بالعمل في سلك الأمن الداخلي.
هناك ثغرات كبيرة أمكن ملاحظتها من تتبع الحوادث الأمنية في سورية.
فليس من الضروري تصوير عمليات المداهمة بطريقة الأكشن الأسدية ولغة تيك توك.
هناك أساليب أكثر توثيقية وسرية.
ما يهم هو التحقيقات، وضمان الحقوق، بعيداً عن الاستعراض.
نحن بحاجة إلى بناء القوة الأمنية اللازمة لحماية المواطنين ومؤسسات الدولة من الهجمات العسكرية الداخلية، وتوفير خدمات شرطية تتجاوز مجالس الصلح الشعبوية، التي تطلق في كل مرة رصاصة تقاعد على العدالة والقانون ومساواته بين الجميع.
بين الحوار والجدل السوري، والتنافس على التفكير في مستقبل الحكم ونمطه، تعيش الحرية الفكرية في سورية اليوم مأزق انتهاء نشوة النصر.
ويقول بعض من حملوا همومها: ها نحن مضينا في الثورة حتى سقوط الأسد، ولكن من سيبني البلاد مجدداً يجب أن يُجمع عليه كل السوريين، وأن تتوزع بينهم المهام السياسية والإعلامية والاقتصادية، وأن يختلفوا من دون قتل، وأن يقبلوا أن ثمة من لم يقتنع حتى اليوم بأن سقوط الأسد شيء، وسقوط نظامه شيء آخر لم يجرِ تماماً بعد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك