تختصر حال مخيّمَي عين التل والنيرب شمال غربي سورية معاناة اللاجئين الفلسطينيين بعد أعوامٍ من الحرب.
ففي عين التل، يعود الأهالي إلى الركام لأنهم لا يملكون كلفة البقاء خارجه، وينتظرون المياه كأنّها موعد نجاة.
وفي النيرب، يلتهم الفقر تفاصيل الحياة، ويدفع الأسر إلى الاستدانة وانتظار المساعدات.
في منطقة حندرات شمالي مدينة حلب، تبدو الأرض بقعة خراب واسعة؛ تراب قاسٍ يعلو الحجارة، وبقايا أبنية مهدّمة وجدران مقطّعة وطرقات مطمورة بالركام، قبل أن ترتفع تلة حندرات، حيث يقع مخيم عين التل للاجئين الفلسطينيين، كما تسمّيه وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، والذي يبقى شاهداً على آثار معارك مرّت من هنا ولم تترك خلفها سوى الخراب.
من بعيدٍ، لا تُوحي التلّة الواقعة شمال غربي سورية بأيّ بوادر حياة، بل تبدو تلّةً من بيوتٍ مهدّمة وركامٍ مفتوح على السماء، حتى إنّ الناظر إليها بالكاد يصدّق أنّ عائلاتٍ عادت لتسكن بين هذه الأنقاض.
لكن بعد اجتياز مسافة داخل المخيم والصعود إلى أعلى التلّة، تظهر الحياة محصورة في شارعين فقط؛ شارع الجبل وشارع المدرسة، كأنّ المخيم كلّه انكمش في هذين الممرّين الصغيرين.
هناك، بين البيوت المُتعبَة والجدران المفتوحة على الخراب، تبدو العودة أقرب إلى محاولة تثبيت وجود منها إلى عودة مكتملة.
عائلات فلسطينية سورية عادت قبل أن تعود الخدمات، لأنّ الإيجارات في أماكن النزوح أرهقت كاهلهم، ولأنّ بعض الوعود بالترميم تشترط وجود أصحاب البيوت في المكان.
يقول عضو لجنة التنمية في المخيم، حسين قويسمي، لـ" العربي الجديد"، إنّ عين التل كان يضمّ قبل الحرب نحو 1500 إلى 1600 عائلة، بينما عادت إليه اليوم نحو 250 عائلة فلسطينية، إضافة إلى عائلات سورية تقيم في المنطقة.
ويقدّر قويسمي حجم الدمار بنحو 75% من المخيم، في مقابل 25% من البيوت القائمة جزئياً أو القابلة للترميم، كاشفاً أن" الأهالي بحاجة إلى المياه والكهرباء والنظافة، وإلى عيش حياة كريمة".
لا تتوقف الأزمة عند البيوت المهدّمة.
ففي عين التل خزان مياه نفّذته إحدى المنظمات، لكنّه بقي شاهداً جديداً على عجز الخدمات، كما يقول الأهالي.
يتوسط الخزان الخراب والأنقاض، ولا يستفيد منه السكان كما يجب، بسبب تلف الشبكة وتسرّب المياه في الأرض أو في خطوط الصرف الصحي، ما يجعل وصول المياه إلى المنازل أمراً نادراً ومكلفاً.
أكثر ما يشبه الحياة في عين التل هو ساعة وصول المياه.
عندها فقط تتحرك الأزقة القليلة المأهولة؛ خراطيم تمتد إلى خزانات فوق أسطح متهالكة، غالونات تُحمَّل على الأكتاف، ونساء ينتظرن دورهنّ، فيما يحاول الرجال رفع المياه إلى بيوتٍ لم يكتمل ترميمها بعد.
في تلك الساعة، يشطف بعض الأهالي عتبات بيوتهم، ويملأ آخرون ما تيسّر من أوعية، كأنّ المياه لا تصل إلى المخيم بصفتها خدمة حيوية، بل فرصة مؤقتة للنجاة من العطش والغبار.
ويقول إمام وخطيب مسجد فلسطين في المخيم، خالد أبو الحسن، إنّ المياه تصل إلى بعض الأهالي مرّة كل 12 أو 13 يوماً، ما يضطرّ العائلات إلى شراء المياه عبر الصهاريج.
ويوضح لـ" العربي الجديد" أنّ كلفة الخزان كانت تصل في السابق إلى نحو عشرة دولارات أميركية، قبل أن تنخفض إلى نحو النصف بعد دخول صهاريج، أولويّتها خدمة السكان لا تحقيق الأرباح، لكن السعر يبقى ثقيلاً على عائلات لا تملك دخلاً ثابتاً.
ويضيف: " الناس هنا تفكر بالمياه قبل أيّ شيء.
النساء يقفن في الطرقات ساعتين أو ثلاث ساعات لتعبئة الغالونات، والرجال يتركون أعمالهم ليلحقوا موعد الضخّ".
تختصر فاطمة رستم جزءاً من حكاية المخيم، وهي التي نزحت في العام 2013 بعد أن قُتل زوجها قنصاً، وتنقلت بين السكن الجامعي ومنطقة الميدان في حلب، قبل أن تدفعها كلفة الإيجار إلى العودة.
لكنها حين وصلت، وجدت بيتها مدمّراً.
تقول لـ" العربي الجديد": " تفاجأتُ بأن بيتي صار على الأرض"، قبل أن يفتح لها بعض الجيران بيتاً تقيم فيه من دون إيجار.
تتحدث عن عتمة الليل في المخيم، وعن بيوتٍ يدخلها البرد والحشرات والزواحف، وتقول إنّ الشارع الذي تقيم فيه حظي ببعض ألواح الطاقة الشمسية، بينما" يبقى المخيم كلّه عتمة، ولا يستطيع الناس الحركة بعد المغيب، خصوصاً في الشتاء".
أما يونس أحمد، البالغ من العمر 67 عاماً، فلم يستطع إكمال شهادته.
وقف الرجل فوق ما تبقّى من بيتٍ شيّده خلال أعوامٍ طويلة، ثم غلبته الدمعة.
وُلد يونس في المخيم، وتزوّج فيه، وعاش فيه قبل أن يخرج منه عقب الحرب.
عاد أخيراً من منطقة الميدان بعدما عجز عن دفع الإيجار، وبعد أن صار البقاء قرب البيت شرطاً لاحتمال حصوله على أعمال ترميمٍ.
بالنسبة إليه، لا يبدو الركام مجرد حجارة، بل ذاكرة بيت وحيّ ومخيم نشأ فيه، كما يقول، فهو" جزء من فلسطين".
داخل أحد البيوت في عين التل، تعيش ملك زيدان مع ابنها محمد عباس، بعدما دُمّر بيت العائلة.
في الداخل، تنتشر أوعية المياه والسطول والعبوات البلاستيكية، بعضها للشرب وبعضها للغسيل والتنظيف.
تقول زيدان لـ" العربي الجديد" إنّ" قلّة المياه غيّرت شكل الحياة اليومية داخل البيت.
كنّا نشطف كلّ يوم، أحياناً مرتين أو ثلاث مرّات، بينما نشطف الآن مرة واحدة فقط، وأحياناً يوماً بعد يوم، ونمسح الغبار بدل غسل الأرض".
ورغم أنّها حظيت منذ أيامٍ فقط بالتيار الكهربائي، غير أنّ المياه ما تزال همّها الأكبر.
لا يقتصر الخطر في عين التل على غياب الخدمات، إذ يتحدث الأهالي عن مخلّفات حربٍ وذخائر غير منفجرة يخشون أن تصل إليها أيادي الأطفال.
ويقول أبو الحسن إنّ" الألغام والذخائر العنقودية ما زالت موجودة في بعض البيوت وتحت الأنقاض، لذلك، لا يشعر الأهالي بالأمان عندما يخرج أطفالهم إلى اللّعب قرب الركام.
يُضاف إلى ذلك ضعف المواصلات، إذ إنّ خط النقل إلى المخيم يتوقف عن العمل بعد المغيب، ما يجعل أي حالة طارئة ليلاً مشكلة مضاعفة في منطقة ما تزال شبه معزولة".
وعلى بُعد كيلومتراتٍ وجيزة شرقي مدينة حلب، يبدو مخيم النيرب للاجئين الفلسطينيين عالماً مختلفاً.
هنا لا يظهر الدمار بالصورة ذاتها التي تفرض نفسها في عين التل، ولا تبدو الخدمات غائبة أو منهارة، بل يمكن وصفها بالجيّدة، قياساً ببلادٍ خرجت للتوّ من حربٍ طويلة.
تبدو خدمات المياه والكهرباء والصرف الصحي والمدارس والنظافة قريبة بشكل عام من الخدمات المتوفرة في مدينة حلب.
غير أنّ ذلك لا يعني أنّ المخيم خارج الأزمة؛ فالمعاناة لم تعد في الركام، بل في الفقر والضغط السكاني وضعف فرص العمل وتراجع المساعدات.
في النيرب، تبدو الحياة أكثر انتظاماً ممّا هي عليه في عين التل؛ محال مفتوحة، خضروات معروضة في الأزقّة، أطفال يلعبون قرب البيوت، ورجال يجلسون أمام الدكاكين في مشهدٍ أقرب إلى أحياء حلب الشعبية.
غير أنّ هذه الحركة لا تُخفي ما يقوله الأهالي عن ضيق المعيشة وتراجع القدرة على الشراء.
يقول مختار مخيم النيرب، مصطفى الداهودي، لـ" العربي الجديد"، إنّ عدد سكان المخيم كان قبل أعوامٍ نحو 25 ألف نسمة، لكنه ارتفع اليوم إلى ما بين 35 و37 ألفاً، بعد وصول نازحين من مدينة حلب ومن مخيم عين التل.
ويوضح أنّ الخدمات الأساسية موجودة عموماً، وأنّ المياه تصل عبر الشبكات المعتمدة في المدينة، فيما تحضر وكالة أونروا في ملفات التعليم والصحة والنظافة والصرف الصحي.
ويضيف أنّ الكهرباء تحسّنت كثيراً مقارنةً بأعوامٍ سابقة، وقد تصل في بعض الأيام إلى نحو 20 ساعة تشغيلية في اليوم الواحد.
لكنّ التعليم، رغم استمراره، يعكس جانباً آخر من الضغط.
ويشير الداهودي إلى وجود مدارس ابتدائية وإعدادية تخدم أبناء المخيم، غير أنّ الأعداد كبيرة قياساً بالطاقة الاستيعابية، إذ قد يصل عدد الطلاب في الصف الواحد إلى 50 أو 55 طالباً.
ويقول إنّ هذا الاكتظاظ" يؤثر على العملية التعليمية وكفاءة الطلاب"، مؤكداً أنّ المخيم يحتاج إلى مدارس أكثر أو صفوف أقلّ ازدحاماً.
بالنسبة إلى الفلسطيني السوري محمد مسعود، فإنّ الخدمات تحسّنت كثيراً، مقارنةً بالفترة السابقة، ولا سيّما الكهرباء والمياه والنظافة والتعليم، لكنّه يرى أنّ المشكلة الكبرى اليوم تكمن في فرص العمل.
ويقول لـ" العربي الجديد": " الحركة ليست سيئة تماماً، لكنّها تحت درجة الوسط.
نحتاج إلى فرص عمل أكثر حتى يستطيع الناس تأمين احتياجاتهم".
في محل بقالة صغير داخل المخيم، يُعطي محمد غميض صورة أوضح عن أثر الفقر على الحياة اليومية.
يقول إنّ تحسّن الكهرباء ساعده في حفظ بضائعه وتشغيل البرادات، لكنّه في الوقت نفسه خلق عبئاً جديداً بسبب ارتفاع الفواتير.
ويضيف لـ" العربي الجديد": " بتنا نعمل ونشقى فقط لتسديد فواتير الكهرباء، عوض رعاية أنفسنا.
المطلوب فقط أن تُخفَّف الكلفة قليلاً".
لكن دفتر الدَّين في المحل يكشف ما لا تقوله الشوارع المزدحمة.
يوضح غميض أنّ عائلاتٍ كثيرة تشتري الأرز والسكر والزيت بالدَّين، لأنها لا تملك المال الكافي، وكانت في السابق تسدّد بين معونةٍ وأخرى.
أمّا اليوم، مع تراجع المساعدات أو انقطاعها عن كثيرين، فقد تراكمت الديون، وبات السؤال اليومي للأهالي: " كيف نُطعم أولادنا؟ "، وفق قوله.
بين مخيّمَي عين التل والنيرب، لا تبدو حكاية اللاجئين الفلسطينيين في حلب واحدة، لكنّها تتقاطع عند إشكالية البحث عن حياةٍ كريمة بعد الحرب، وكأنّهما يقدّمان صورتين مختلفتين لأثر الحرب السورية؛ مرّة في الحجر، ومرّة في قدرة الناس على البقاء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك