أعجبُ، مثلما يعجب معي سودانيون كثر، ممَّن عرفوا شيئاً عن تاريخ بلادهم القريب قبل البعيد، فلا أرى عجبهم غريباً عليّ، ولكنه عجب غريب من هؤلاء الممسكين بأعنّة الحكم في السودان من عسكريين ومدنيين سياسيين.
أقول هذا، وإن يغلبني الاقتناع أن منسوبي تلك القوات العسكرية وأولئك السياسيين هم بالفعل سودانيون انتماءً، ملتزمون بالحفاظ عليه، ومؤتمنون على حمايته.
لقد تأسَّس الجيش السوداني على أيدي الإدارة الكولونيالية البريطانية التي حكمت السودان نحو 60 عاماً ميلادياً.
ليستعجب الكثيرون لماذا طوتْ الكولونيالية البريطانية أوراقها، ولملمت مالها في السودان، ولم تؤثر البقاء مثل ما فعلت في الهند، حقبة تجاوزت المئتي عام.
أدرك المستعمر الكولونيالي كيف أبلى جنود السودان مع قوات الحلفاء في مقاتلة جيوش المحور من قوات هتلر وقوات موسوليني، بثبات يؤرَّخ له في جبهتي ليبيا وإثيوبيا، إبّان سـنوات الحرب العالمية الثانية.
عرف السودانيون الرصانة العسكرية وانضباطها مـن خرّيجي الكليات العسكرية، مثل كلية ساندهيرست الملكية البريطانية التي تأسّست عام 1802، كما عرفوا أصول الإدارة من إداريين، تخرَّجوا من الجامعات البريطانية الرّاسخة: كمبريدج وأوكسفورد.
للعسكرية السُّـودانية تقاليد ورثوها من خرّيجي ساندهيرست، وهم من أسَّسوا" قوات دفاع السُّودان".
ظلّ الإرث الذي تركه مؤسِّسوها الضبَّاط البريطانيون عقيدة ثابتة لجيش السودان لحماية البلاد والحفاظ عـلى حدودها السُّـودان، ولم تتحوَّل تلك العقيدة، إلا حين ارتبكـتْ إدارة البلاد على يد سـياسيين، نجحوا في إقناع القوى الكولونيالية بمنحهم الاستقلال عام 1956م، ثمّ كان الفشل الأعظم الذي لحق بعجزهم عن إدارة البلاد، فوصفهم المفكر السياسي السوداني الرّاحل منصور خالد، أنَّهم" النخبة التي أدمنتْ الفشـل".
لم يعرف العسكريون السُّودانيون تطلعاً لممارسة السياسة، إلَّا بعد أن ارتبك تصرّفَ السياسيين المدنيين، فدعوهم جهاراً لتولي أمر إدارة البلاد، فانفتحت شهية العسكر للحكم.
كلما تعثَّر السياسيون هـبَّ العسكر، وأحياناً بتحريضٍ من قادتهم، ليستولوا على الحكم بقـوّة السَّلاح.
ثُمَّ دارت على السودان الدائرة الجهنمية، فصار عقب كلِّ حكم مدني فاشل، يقع انقلابٌ عسكري، فعرف السُّودان عشرات المحاولات الانقلابية الناجحة والفاشلة.
وهكذا لم ينعم أكبر أقطار القارّة الأفريقية، باستقرارٍ يذكر منذ استقلاله عام 1956.
لم يعرف العسكريون السُّودانيون تطلعاً لممارسة السياسة، إلَّا بعد أن ارتبك تصرّفَ السياسيين المدنيينها نحن نعيش ونشهد الآن أكثر حلقات الدائرة الجهنمية فشـلاً، ذلك الانقلاب الذي وقع في 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2021، وقاده الجنرال عبد الفتاح البرهان، هذا الذي يقود حرباً منذ 2023، وقال عنها إنها" حرب كـرامة".
يقاتل الجنرال باسم الجيش السُّوداني الرَّسمي قوات غير رسمية تمرَّدتْ عليه، ويصفها بالمليشيا، وهو من ساهم في صناعتها وإنشائها، أوّل مرّة.
في السودان الحالي، جنرال يدير الآن أمور البلاد، بعشوائية فوضوية لا مثيل لها، لا في السودان ولا في كل أنحاء القارة الأفريقية.
هي بدعة في مجال السياسة كما في العسكرية.
جيش السودان الرسمي 30 عاماً بعد الاستقلال صار غير جيش السودان في الـ30 عاماً التي تلتْ 1989، يوم استولى حزب الإسلاميين وضباطه المجندون خفية في صفوف ذلك الجيش، فحكموا السودان بعقيدة هي غير عقيدة القوات المسـلحة السودانية الرسمية المكلفة بحماية البلاد.
حكمت الجبهة الإسلامية السودانية من 1989 وإلى 2019 بعقيدة مستوحاة من نصف الآية (41) من سورة الحج: " الذين إن مكّناهم في الأرض.
"، فبسطوا سيطرة حزبهم على السودان.
الجيش الرَّسمي الذي قضى حقبة الأعوام الثلاثين تحت حكم الجبهة الإسلامية، لم يعد جيشاً رسمياً لحماية البلاد، بل لحزب سياسي اسمه الجبهة الإسلامية.
بعدها، تمَّ" تجييش" الدولة السودانية المدنية بأكملها لأجندات ذلك الحزب، حتى تكون الصورة أوضح لعيون الجميع من مجتمع دولي ومجتمع إقليمي وبلدان مجاورة، فإن الانتفاضة السودانية التي أسقطت حكم الإسلاميين، يجري حالياً طيُّ صفحتها تماماً، تمهيداً لعودة عناصر الجبهة الإسلامية التي سادت 30 عاماً، ثم بادتْ.
ثمَّة قادة إسلاميون في شـرخ ثمانينياتهم، يحلمون حتى هذه الساعة بالعودة إلى كراسي الحكم في السّودان، حكم أمر الواقع بلا شرعية ولا يملك مقدرات للحكم.
جنرال يدير الآن أمور البلاد، بعشوائية فوضوية لا مثيل لها، لا في السودان ولا في كل أنحاء القارة الأفريقيةيقود الجنرال البرهان جيش الدولة الرَّسمي، والذي جرى تحوير عقيدته لصالح حزب سياسي، قد أسقطت نظامه انتفاضة شعبية كاسحة، مدّعـياً بلا تفويض من أية جهة سوى شرعية السلاح، أنه جاء ليساند زوراً تلك الانتفاضة.
لخلافه مع المليشيا التي ساهم بنفسه في إنشائها، وهي أيضاً بلا شرعية، ظلَّ يقاتلها حتى الساعة ومنذ أربعة أعوام، قتالاً ليس لسكّان البلاد، بتنوّع انتماءاتهم واختلاف سحناتهم وألسنتهم، شأن به.
يتقاتل اثناهما على غنيمة استوليا عليها بليل، يدّعي كلُّ واحد منهما أنَّهُ ملك شرعية للسيطرة عليها، لينفرد بحكم البلاد.
وقف المجتمع الدولي والإقليمي عاجزاً أمام حرب تدور داخل السودان، يدفع أثمانها، نهباً وقتلاً واغتصاباً، شعبٌ سوداني مغلوب على أمره.
تدخل تلك الحرب عامها الرابع، وقد أغرتْ أطرافاً طامعة، همّها الصيد في الماء العكر.
ولأن السودان حملَ وَعداً بسلةٍ لغذاء إقليمه بثرواتٍ مائية وزراعية وحيوانية، بجانب ما خفيَ في باطن أرضه من ثروات النفط والمعادن الثمينة، كالذهب واليورانيوم وسواهما، فقـد أغرت تلك القصعة طامعين كثر.
منهم وسـطاء تتخفّى مطامعهم ببراءة مُخادعة، والعالم غافل أو متغافل، فيما الدولة الأكبر في القارّة الأفريقية، وهي من أوائل بلدانها التي تخلصتْ من السيطرة الكولونيالية، تتدهور أحوالها إلى تشـظٍ وانهيـار وفناء محتوم.
للسُّودانيين في عاميتهم مثلٌ ذو دلالات: " لو دار أبيك خربتْ، خُذ منها ما تشاء واذهب لحالك"!ماذا ينتظر السودانيون من الأمم المتحدة، أو الاتحاد الأفريقي، أو جامعة الدول العربية، أو حتى ممَّن جاورهم من شعوب وبلدان، حسبوا أن مشاعر نسبٍ وأخوة جمعتهم بهم؟ الإجابة: لا شيء.
مَن يدّعون سيطرة على أحوال السُّودان، مِن جيشٍ محوَّر العقيدة، أو مليشيا متمرّدة لا أصل لها ولا فصل، فإنَّ ذلك المثل الذي حدثتك عنه يؤكد لك أنَّ كليهما يريان داراً لأبيهما قـد آلت إلى خرابٍ ماثل، ويَحلّ لأيٍّ منهما أن يأخـذ نصيباً ممّا بقيَ منها، ثُمَّ يذهب لحاله.
لعلّ آخر ما قد يلتفتَ إليه ذانك الدعـيّان، هو حال من سكنوا تلك الدّار: أكانوا أحياءً أولئك السودانيون أم أمواتاً، فليس الأمرُ من شـؤونهم، ناهيك أن يكون شأناً يعني المجتمع الدّولي أو المجتمع الإقليمي.
تنظر لترى بعينيك أنَّ مَن أؤتمنَ على إدارة الذّهب السوداني يفتح حساباً لشخصه في مصرف في دولة مجاورة، بملايين الدولارات، مِن دون أن ترفّ له عين.
وغيره من يُكلفون بإدارة دواليب الدولة لا تُعرف لهم مؤهِّلات ولا مقدرات، بل ولا معرفة بما كلفوا به.
أجهزة عدلية في صدارتها هواة لا دراية لهم بأبجديات القانون والقضاء والعدل.
فوضى عارمة تجليـَّاتها في انتشار الأسـلحة القاتلة، ومعها اللباس والرُّتب العسكرية، تُباع وتشترى عياناً في أسواق المدينة.
ثمّة أراضٍ تُنتهك، وحدود يتغوَّل عليها من يتغوّل، ومُسيّرات تتسابق في فضاءات البلاد، ولا يُعرف مصدرها، أو من يعرف يتغافل، غباءً أو خوفاًلا يكاد أحدٌ يحترم هيبة للدولة، تلك التي ظلت قائمة مستقلة منذ قرابة 80 عاماً حسوماً.
يتلاشى الانتماء لوطن كان يوماً اسمه" السودان"، فيتراجع مجتمع الناس إلى طوائف متنافرة، وقبائل متصارعة، وعشائر تنافس بعضها بعضاً، صارت المحاصصات لغة السلطة غير الواقعية، والمجاملات المجانية لغة اليوم.
ثمَّة مِنْ أزلام الحكومة القائمة مَن يريد حصَّته مِن وزارات المال.
وآخرون يسألون عَن حصَّتهم في الوظائف الدبلوماسية، فالسَّفارات السودانية الخارجية، جائزة للرَّاحة ورواتبها بالعمـلات الأجنبية، آمنون في الخارج وبلادهم تحترق.
هنالك مَـن يُصـدر قرارات سـامية، ويعيّن بموجبها وزراء وقيادات إدارية ومصرفية وعسكرية، فـيُفاجأ السُّودانيون بأنَّ هنالك من يُلغي قرارات كهذه بعد سـاعات من إصدارها وبلا مبرِّرات تعلـن.
لكأنَّ أشباحاً لا يراها الناس تمسك بخيوط لعبة الحُكْم.
ثمّة اتفاقيات تُعقد لقروضٍ مع أطرافٍ أجنبية لا يُركن لخلوص نياتها، ولا يعلم أحدٌ مَن فوّض مَن ليوقعها، والعملات المحلية كما الأجنبية، في فوضى عارمة.
ثمّةُ أراضٍ تُنتهك، وحدود يتغوَّل عليها من يتغوّل، ومُسيّرات تتسابق في فضاءات البلاد، ولا يُعرف مصدرها، أو من يعرف يتغافل، غباءً أو خوفاً.
يحدث ذلك كله وكهول العهد البائد في أحلامهم يعمهون.
كان في القارّة الأفريقية بلدٌ عظيمُ الشأن، قصَمتْ ظهره نُخبٌ من السياسيين والعسكريين من أبنائه، فهل يُكتب له فناءٌ على أيديهـم، وعلى أيدي الطامعين؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك