بعد أكثر من عامين من القطيعة السياسية والتجارية التي فجرتها أزمة الصحراء الغربية، تستعد الجزائر وإسبانيا لفتح صفحة جديدة من العلاقات، تقودها المصالح الاقتصادية والطاقوية التي ظلت بمنأى عن الخلافات الدبلوماسية.
وتأتي الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى الجزائر، الأولى منذ نحو ست سنوات، مؤشراً على انتقال البلدين من إدارة الأزمة إلى استعادة الشراكة، في ظل احتفاظ الجزائر بمكانتها موردا رئيسيا للغاز الطبيعي إلى السوق الإسبانية طوال فترة التوتر.
وتعد الجزائر أبرز مورد لإسبانيا بالغاز الطبيعي، بكميات سنوية تصل إلى 10 مليارات متر مكعب، ينقل أغلبها عبر خط أنابيب" ميدغاز" الرابط مباشرة بين البلدين، فضلا عن شحنات الغاز الطبيعي المسال.
وفي خريف 2021، أنهت الجزائر العمل عبر أنبوب ثان يربطها بإسبانيا مروراً بالمغرب، وهو" خط المغرب العربي - أوروبا"، المعروف أيضا باسم" بيدرو دوران فارال".
كما تعد مدريد من أوائل موردي الجزائر بمختلف السلع والبضائع.
في مارس/آذار 2022، نشبت أزمة حادة بين البلدين إثر إعلان سانشيز دعمه لمقترح الحكم الذاتي الذي طرحه المغرب قبل سنوات، بوصفه حلا وحيدا للنزاع في الصحراء الغربية المتنازع عليها بين جبهة البوليساريو والرباط.
وأدت الأزمة إلى استدعاء الجزائر سفيرها من مدريد، ولاحقا جمدت معاهدة الصداقة وحسن الجوار بين البلدين، الموقعة عام 2002.
وكان من تداعيات الأزمة، أن توقفت واردات الجزائر من إسبانيا بصورة شبه كاملة، بداية من يونيو/حزيران 2022، بينما استمر تدفق صادرات البلد العربي نحو مدريد بشكل عادي، ولا سيما الغاز الطبيعي والمشتقات النفطية.
وسببت هذه الوضعية اختلالا واضحا في الميزان التجاري بين البلدين، الذي رجحت كفته لصالح الجزائر، التي استمرت صادراتها في التدفق إلى إسبانيا، خصوصا بعد ارتفاع أسعار الغاز وبلوغها مستويات قياسية في أعقاب الحرب الروسية الأوكرانية، ما مكن البلاد من تحقيق إيرادات أعلى، بينما توقفت المبيعات بصورة شبه كلية في الاتجاه المعاكس.
ووفق بيانات سابقة لمعهد التجارة الخارجية الإسبانية، تراجعت مبيعات مدريد إلى الجزائر بنحو 93% في ديسمبر/كانون الأول 2022، أي بعد ستة أشهر من تعليق عمليات الاستيراد، مشيرة إلى أن معدل التصدير الشهري بين يونيو/حزيران وديسمبر/كانون الأول 2022 بلغ 10.
8 ملايين يورو فقط، مقابل معدل بلغ 169 مليون يورو بين يناير/كانون الثاني ومايو/أيار من العام ذاته، أي قبل دخول تقييد الواردات حيز التنفيذ.
وفي عز أزمة المقاطعة الجزائرية للسلع والمنتجات الإسبانية، راجعت شركة المحروقات الحكومية" سوناطراك" أسعار عقود الغاز مع شركة" ناتورجي" مرتين (في عامي 2022 و2024)، التي تعد أكبر زبون للغاز الجزائري في هذا البلد الأوروبي، ما أدى إلى دفع سعر أعلى للغاز.
ونتيجة لهذه المقاطعة التجارية الجزائرية، أكدت منظمات لرجال الأعمال في إسبانيا، في أكثر من مناسبة، أن العديد من القطاعات تكبدت خسائر فادحة، خصوصاً قطاعات الخزف والبلاط ومستحضرات التجميل والمنتجات الزراعية والغذائية.
بداية التطبيع منذ خريف 2024بداية من خريف 2024، لاحت بوادر تطبيع العلاقات التجارية والاقتصادية مجددا بين البلدين، إذ أصدر بنك الجزائر المركزي تعميما إلى جميع المؤسسات المالية والمصارف المعتمدة في البلاد، متضمنا الضوء الأخضر لإعادة فتح عمليات التجارة الخارجية من إسبانيا وإليها، بعد أن كانت قد علقت منذ يونيو/حزيران 2022.
وأشار التعميم إلى أنه، بموجب لوائح الصرف السارية، فإن البنوك المعتمدة مطالبة بالسهر على التأكد من أن معاملات التجارة الخارجية وصرف العملة سليمة وقانونية.
وأضاف بنك الجزائر المركزي: " في هذا الإطار، على البنوك المعتمدة أن تأخذ في الحسبان أن عمليات التوطين البنكي المتعلقة بالتجارة الخارجية من إسبانيا وإليها يجب أن تتم معالجتها وفق تنظيمات الصرف السارية المفعول".
والتوطين البنكي هو عملية تسجيل لدى أحد البنوك داخل البلاد بغرض الموافقة على تحويل العملة الصعبة (النقد الأجنبي) إلى الخارج من طرف المستورد، لصالح الجهة المصدرة، لاقتناء سلعة أو خدمة.
وأعقب عودة العلاقات التجارية والاقتصادية إلى طبيعتها تبادل زيارات وزارية رسمية بين البلدين، كان آخرها زيارة وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس إلى الجزائر نهاية مارس/آذار الماضي.
كما استضافت الجزائر إسبانيا بوصفها ضيف شرف الدورة الـ57 لمعرض الجزائر الدولي، في خطوة عكست تحسن العلاقات الثنائية، إذ أشاد الرئيس عبد المجيد تبون، خلال زيارته للجناح الإسباني، بمستوى التعاون الاقتصادي بين البلدين.
كما استوردت الجزائر عشرات الآلاف من رؤوس الأغنام من إسبانيا لتلبية الطلب على أضاحي عيد الأضحى لهذا العام، في مؤشر إضافي على عودة المبادلات التجارية إلى مسارها الطبيعي.
الغاز والطاقة خارج التجاذباتفي هذا السياق، يرى الرئيس التنفيذي الأسبق لشركة النفط الوطنية الجزائرية" سوناطراك"، نور الدين شرواطي، أن قطاع الطاقة ظل بمنأى عن التجاذبات السياسية التي عرفتها العلاقات الجزائرية الإسبانية على مدار العقود الماضية، مشيراً إلى أن إسبانيا تعد من أقدم زبائن الغاز الجزائري، وأن التعاون في هذا المجال حافظ على استمراريته حتى في أصعب مراحل الأزمة الدبلوماسية بين البلدين.
وقال شرواطي لـ" العربي الجديد" إن العلاقات الطاقوية بين الجزائر وإسبانيا بنيت على أسس استراتيجية منذ عقود، مذكرا بإنجاز خط أنابيب الغاز المغاربي - الأوروبي خلال تسعينيات القرن الماضي، ثم خط" ميدغاز" الذي يربط البلدين مباشرة، معتبراً أن هذه المشاريع تعكس عمق الشراكة في مجال الطاقة وأهميتها للطرفين.
وأضاف أن الغاز ظل ملفاً غير قابل للمساس رغم التوترات السياسية، بالنظر إلى طابعه الحيوي بالنسبة للبلدين، مؤكداً أنّ الجزائر حافظت على مكانتها بوصفها المورد الأول لإسبانيا بالغاز الطبيعي، رغم المنافسة المتزايدة من الغاز الطبيعي المسال، ولا سيما الأميركي.
مدريد حسمت لصالح غاز الجزائروأشار إلى أن الدولة والحكومة الإسبانيتين حسمتا خيارهما لصالح الجزائر، باعتبارها المورد الأول الموثوق والدائم للغاز، حتى مع استمرار سياسة مدريد القائمة على تنويع مصادر الإمداد لتفادي الاعتماد على مصدر واحد.
وأوضح شرواطي أن السياسة الطاقوية الإسبانية تقوم على تنويع مصادر الإمداد لتفادي الاعتماد المفرط على مورد واحد، لكنه شدد على أن مدريد ما زالت تعتبر الجزائر المورد الأكثر موثوقية واستقراراً، لاعتبارات تتعلق بقربها الجغرافي والبنية التحتية القائمة بين البلدين.
ولفت إلى أنّ محدودية الربط البيني لشبكة الغاز الإسبانية مع بقية أوروبا، نتيجة تعثر مشاريع خطوط الأنابيب العابرة لجبال البيرينيه مع فرنسا، تجعل الجزائر شريكاً استراتيجياً لا يمكن الاستغناء عنه، إذ تقلص هذه الوضعية قدرة إسبانيا على تعويض الإمدادات الجزائرية عبر السوق الأوروبية المنقولة بخطوط الأنابيب.
واعتبر شرواطي أنّ الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى الجزائر تمثل فرصة لتعزيز الثقة السياسية بما يواكب متانة العلاقات في قطاع الطاقة، الذي أثبت خلال السنوات الماضية أنه يشكل ركيزة الاستقرار في العلاقات الثنائية، حتى في فترات الخلاف السياسي.
نحو انخراط إسباني في رفع إنتاج الحقول الجزائريةبدوره، يرى خبير الطاقة والرئيس التنفيذي السابق لإحدى الشركات الفرعية التابعة لـ" سوناطراك"، بالشراكة مع الولايات المتحدة، بغداد مندوش، أن العلاقات الطاقوية بين الجزائر وإسبانيا تعيش أفضل مراحلها منذ سنوات، مؤكدا أن التعاون بين البلدين لم يتأثر على المستوى الطاقوي رغم فترات التوتر السياسي التي شهدتها العلاقات الثنائية، بل واصل تسجيل مستويات مرتفعة من الشراكة والاستثمار، بالنظر إلى الطابع الاستراتيجي الذي يكتسيه قطاع الطاقة بالنسبة للطرفين.
ويشير مندوش، في حديث لـ" العربي الجديد"، إلى أن الحضور الإسباني في قطاع المحروقات الجزائري يتجسد أساساً من خلال شركتي" ريبسول" و" سيبسا".
فشركة" ريبسول" تنشط منذ سنوات بالشراكة مع" سوناطراك" في حقل حاسي بركين، كما وسعت نشاطها منذ عام 2023 إلى مشروع رقان للغاز، بينما تواصل" سيبسا" العمل مع" سوناطراك" في حقل تيميمون الغازي، في إطار شراكات طويلة الأمد تعكس متانة التعاون بين الجانبين.
ويضيف أن إحدى أبرز ركائز هذا التعاون تتمثل في خط أنابيب" ميدغاز"، الذي يربط الجزائر بإسبانيا عبر البحر الأبيض المتوسط، بطاقة نقل تقارب 12 مليار متر مكعب سنويا، ويعد من أهم البنى التحتية الاستراتيجية لتزويد السوق الإسبانية بالغاز الجزائري.
كما تمتلك" سوناطراك" 51% من الشركة المشغلة للأنبوب، فيما تعود النسبة المتبقية إلى شركاء إسبان، بما يعكس المصالح المشتركة في ضمان استقرار الإمدادات، إلى جانب عقود توريد طويلة الأجل تمتد حتى عام 2031، حافظت بفضلها الجزائر، خلال السنوات الأخيرة، على موقعها بوصفها أكبر مورد للغاز إلى إسبانيا.
ويعتقد مندوش أن الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء الإسباني قد تشكل فرصة لتوسيع التعاون الطاقوي، من خلال مشاركة الشركات الإسبانية في جولة العطاءات الأخيرة التي طرحتها الجزائر للاستثمار في قطاع المحروقات، فضلاً عن الانخراط في برامج" سوناطراك" الرامية إلى تطوير الحقول النفطية والغازية الصغيرة والمتوسطة باستخدام تقنيات الاستخلاص المعزز، بما يرفع الإنتاج ويطيل العمر الإنتاجي للحقول.
ويؤكد أن الشركات الإسبانية، وعلى رأسها" ريبسول"، تمتلك خبرة وتكنولوجيا متقدمة في هذا المجال، ما يؤهلها لقيام بدور أكبر في مشاريع تطوير قطاع المحروقات الجزائري خلال المرحلة المقبلة، إضافة إلى ملف الطاقات المتجددة، الذي قطعت فيه إسبانيا أشواطاً كبيرة.
أما جمال بو عبد الله، الرئيس السابق لنادي التجارة والصناعة الجزائري الإسباني، فيعتقد أن الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز تمثل فرصة لإعادة العلاقات الثنائية إلى مسارها الطبيعي، بعد مرحلة من التوتر السياسي استمرت بين عامي 2022 و2024، مشيراً إلى أن البلدين يسعيان اليوم إلى فتح صفحة جديدة، خاصة على الصعيد الاقتصادي، في ظل تغير المعطيات التي حكمت تلك المرحلة.
ويؤكد بو عبد الله، في حديث لـ" العربي الجديد"، أن التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما تغير أوضاع أسواق الطاقة مقارنة بعام 2022، دفعت مدريد إلى إعادة ترتيب أولوياتها تجاه الجزائر، التي استعادت منذ بداية عام 2024 موقعها بما هي أكبر مزود لإسبانيا بالغاز الطبيعي، وهو ما يمنح العلاقات الثنائية بعداً استراتيجياً يتجاوز الخلافات السياسية السابقة.
ويضيف أنّ الجزائر بدورها لديها مصلحة في تطوير التعاون مع إسبانيا، مستشهدا بتأكيدات الرئيس عبد المجيد تبون بشأن أهمية بناء شراكات مع الاقتصادات الكبرى، وفي مقدمتها الاقتصاد الإسباني، بالنظر إلى ما تمتلكه مدريد من خبرة صناعية وتكنولوجية يمكن أن تسهم في دعم مسار تنويع الاقتصاد الجزائري.
وبحسب المتحدث، فإن الإصلاحات الاقتصادية التي تبناها البلدان خلال السنوات الأخيرة توفر أرضية مناسبة لتعزيز التعاون، إذ ركزت الجزائر على توجيه سياساتها نحو التصنيع وتحديث النسيج الصناعي بالاعتماد على التكنولوجيا، في حين واصلت إسبانيا توسيع قاعدتها الصناعية وتحديث قطاعات الإنتاج والخدمات، بما يفتح المجال أمام إقامة شراكات أكثر عمقاً خلال المرحلة المقبلة.
ويلفت بو عبد الله إلى أن المبادلات التجارية بين البلدين تبلغ حالياً نحو سبعة مليارات دولار سنوياً، مع تسجيل فائض لصالح الجزائر مدفوعاً بصادرات الغاز، معتبراً أن زيارة سانشيز يمكن أن تشكل محطة لإطلاق مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي، من خلال بحث آفاق الاستثمار والشراكة، ومناقشة مستقبل العلاقات الثنائية بما ينسجم مع المصالح المشتركة للبلدين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك