طيفٌ واسعٌ من الفاعلين لهم مصلحة في تفجيرات دمشق، يمتد من قوى إقليمية ودولية كبرى وصولاً إلى أجنحة داخل منظومة الحكم، وما بينهما بعض القوى المحلية التي ترغب بخلط الأوراق في سورية لإنتاج مناخ فوضوي يشكّل شرطاً لاستمرارها وإنعاش مكانتها.
وواضح أن التفجيرات كانت ذات بعد استراتيجي، أي من نمط لا يهتم لحجم النتائج التدميرية المباشرة، بل بالتداعيات التي ستتركها على المستوى الاستراتيجي بعيد المدى، وبالتالي لم تكن مقصودة بذاتها مثل تفجير المقهى قرب القصر العدلي، الذي انطوى على هدف محدّد مغلق ذي طابع ثأري انتقامي أو تحذيري موجّه إلى القضاء، وربما بغرض جعل الحكومة السورية تحسب ألف حساب من تفعيل مبدأ العدالة الانتقالية ومحاكمة مَن تورّط بالدم السوري.
في حين أن الهدف هنا أعمق وأبعد من مطلب محدّد إلى استهداف البيئة الاستراتيجية السورية، بغرض تغيير المسارات، وعكس التحوّلات الجارية، أو وقفها، والهادفة إلى رفع القيمة الجيوسياسية لسورية بتوافق إقليمي ودولي.
من الحقائق الجيوسياسة، التي يعيد العالم اكتشافها، أن سورية توفر بنية لوجستية مميزة، باعتبارها نقطة ربط بين البحر المتوسط والخليج العربي، وبقربها من أوروبا، تمثل مركزاً لوجستياً يربط الأخيرة بالخليج وبالعكس، ما يجعلها بوابة للتأثير في الطاقة وضمان سلاسل إمدادها إلى أوروبا، في ظل عدم القدرة على إيجاد بدائل مضمونة لنفط الخليج، رغم ما تتميّز به أوروبا من مرونة في توزيع الاعتماد على مصادر الطاقة، إلّا أن الانعكاسات الفورية لإغلاق مضيق هرمز كانت ملموسة بشكل كبير على الحياة والنمو في المقلب الأوروبي.
هناك نظام إقليمي يتغيّر ويُراد وضع بدائل لتحالفاته ونمط تشغيله وتموضعه الاستراتيجيوقد تضافرت أسباب عدّة، لإحداث تحوّل كبير في البيئة الاستراتيجية السورية، نتج عنه رابحون وخاسرون، في الداخل والخارج، آخرها، وربما دافعها المباشر، الحرب على إيران، وما أنتجته من تداعيات على المستوى الإقليمي، ولا سيّما تراجع القيمة الاستراتيجية لإسرائيل في الغرب، وتحوّلها من شريك في البنية الأمنية والاستراتيجية، خاصّة بالنسبة للقوى الأوروبية الكبرى، إلى فاعل سلبي يهدّد المصالح الأوروبية، ويهدّد بتغيير المعادلات في المنطقة، والتي كان للقوى الأوروبية دور فاعل في إرسائها تاريخياً.
أيضاً، ساهم موقف الدول الإقليمية التي أبدت استجابة سريعة للتطورات، في تسريع التحوّلات الجارية، والتي يقع الموقع الاستراتيجي السوري في صلبها، إذ هناك نظام إقليمي يتغيّر ويُراد وضع بدائل لتحالفاته ونمط تشغيله وتموضعه الاستراتيجي، بحيث يكون طارداً لهيمنة إيران وإسرائيل، وأكثر استقلالية تجاه الولايات المتحدة، ويملك القدرة على لعب أدوار أمنية مستقبلية لإدارة الصراعات ومواجهتها إن لزم الأمر، بعد أن ثبت أن حروب الآخرين في المنطقة تأتي على حساب مصالحهم بالدرجة الأساسية.
ما علاقة هذا بتفجيرات دمشق المتزامنة مع زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون؟ قبل الإجابة يستلزم ترتيب قائمة المستفيدين من هذه التفجيرات؛ إذ تأتي في مقدمتهم إسرائيل، التي تتضرّر بدرجة كبيرة من التحوّل الحاصل، ليس على الصعيدَين، المعنوي والسياسي فحسب، ولكن على الصعيد الجيوسياسي، إذ تخسر مكانتها في مشروع الممرّ الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، بعد أن كانت ركيزته الأساسية، كما تخسر روسيا امتيازاتها في الساحل السوري الذي كان يمنحها القدرة على موازنة النفوذ الغربي في المنطقة، وتخسر إيران سورية نهائياً، وربما ستكون لهذه الخسارة أصداء مدويةً في لبنان والعراق.
وتنسَّق هذه الأطراف مع فواعل محلية، تتشابك معها مصلحياً، في تعطيل التحوّلات الهادفة إلى إعادة تموضع سورية استراتيجياً ضمن البنية الإقليمية الجديدة، وتوفر هشاشة البيئة الأمنية ملاذات تشغيلية للأطراف المحلية تُسهل أعمالها بدرجة كبيرة، وهنا تجب الإشارة إلى أنّ الفواعل المحلية لا تقدم على مثل هذه الأعمال الخطيرة، ما لم تتلقَّ ضوءاً أخضر بوجود سياق جديد للمرحلة المقبلة، وقد تكون تلك التفجيرات إعلاناً عن ولادة هذا السياق، وهنا تجب الإشارة إلى الخرق الأمني عبر استهداف منطقة أمنية بامتياز في دمشق، ما قد يؤشّر إلى تورّط جناح داخل البنية الأمنية للنظام لا يروقه انفتاح الحكم على الخارج.
توفر هشاشة البيئة الأمنية ملاذات تشغيلية للأطراف المحلية تُسهل أعمالها بدرجة كبيرةبالعودة إلى الإجابة عن السؤال، تمثل زيارة ماكرون والوفد الاقتصادي الكبير المرافق له، إعلاناً نهائياً عن تموضع سورية الجديد في المعادلات الإقليمية والدولية، وموافقة دولية على البنية الإقليمية الجديدة التي باتت قيد الإعلان عن هياكلها، بعد أن أعلنت عن توجهاتها ومعتقداتها وتصوّراتها لأمن المنطقة وعلاقاتها السياسية والاقتصادية مع العالم الخارجي.
وكان من الواضح أن لدى ماكرون، وربما من خلفه المخابرات الغربية، بما فيها الأميركية، تقديرات لردّات الفعل المحتملة على هذه الخطوة وحدودها، وهو ما تجلى بوضوح في إصرار ماكرون على إتمام الزيارة واستكمال فعالياتها رغم المخاطر.
في الحسابات الأمنية، قد يكون ما حصل مجرّد خرق يصعب تكراره، وربما رسالة إلى من يهمّه الأمر، وفشلت في تحقيق المُراد.
وقد تكون أيضاً بداية لصراع جيوسياسي بأدوات حقيقية هذه المرّة، سيّما أن هناك تغيّرات من شأنها التأثير على مصالح اللاعبين بدرجة كبيرة، ما يدفعهم باتجاه تبنّي خيارات راديكالية على مبدأ عليَّ وعلى أعدائي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك