بعد أن أعلنت حركة حماس حل لجنة الطوارئ التي كانت تدير قطاع غزة على المستويات الإدارية والمدنية، فقد أصبح القطاع رسميًا يعيش في حالة من غياب الحوكمة الرسمية.
صحيح أن حماس قد أبقت على المدراء والعاملين بالوزارات، وأن السلطة الفلسطينية ما زالت لها بعض الفعاليات والبرامج المهمة بالقطاع، وخاصة في مجالي الصحة والتعليم، إلا أن الصحيح كذلك يظهر بأن القطاع الآن يعيش حالة من غياب الحكومة الرسمية التي تسير أموره.
يشار هنا إلى أن السلطة كانت هي جهة الحوكمة الرسمية قبل منتصف حزيران من العام 2007، وأن حماس هي التي أصبحت، بعد أحداث الانقسام، الجهة الرسمية التي تدير شؤون الحكم بالقطاع.
يشار هنا إلى أن الجهة الرسمية التي من المفترض أن تتولى شؤون الحكم في قطاع غزة مهنيًا وفنيًا في هذه المرحلة هي لجنة التكنوقراط، وفق أحد بنود خطة ترامب التي أصبحت تحمل قرار مجلس الأمن رقم 2803.
واضح أن نتنياهو وحكومته اليمينية يعملان على إعاقة دخول اللجنة إلى قطاع غزة، لأنه يركز على أولوية نزع سلاح حماس بدلًا من تنفيذ الخطة كحزمة واحدة، بما يشمل دخول لجنة التكنوقراط، والبدء بتنفيذ عملية التعافي المبكر وإعادة الإعمار، والسماح بإدخال الخيام والكرفانات.
تكمن أولوية نتنياهو بنزع السلاح، بينما تكمن أولوية القوى الوطنية بدخول لجنة التكنوقراط وما يتبعها من مهمات، على أن يتزامن ذلك مع انسحابات تدريجية من قبل جيش الاحتلال من قطاع غزة، وذلك بدلًا من زيادة مساحة السيطرة الاحتلالية، بحيث إنها قد وصلت إلى 70%، حسب تصريحات نتنياهو.
إلى جانب استمرارية التقدم غرب الخط الأصفر بمساحة القطاع، يستمر جيش الاحتلال بشن الهجمات على خيام النازحين، بما يشمل عمليات اغتيال محددة.
ظهرت بعض المؤشرات من مجلس السلام التي تشي بخطورتها على القضية الوطنية وعلى مستقبل القطاع، منها الإعلان عن إلغاء عمليات الأونروا، التي ترمز إلى قضية اللاجئين، ومنها منح حصانة لأعضاء المجلس بكل مستوياته، بما يلغي آليات المساءلة والرقابة، ويعرض الأصول والأراضي لمخاطر السيطرة الدائمة، ومنها التحضير لإنشاء منطقة خضراء شرق مدينة رفح كمشروع تجريبي، إلى جانب اقتطاع مساحات من الأراضي لصالح قوات الاستقرار.
وعليه، فهناك تحديات سياسية يواجهها شعبنا بالقطاع، إلى جانب التحديات المعيشية ذات الطبيعة الاقتصادية والاجتماعية.
إن شح الغذاء والدواء، وغلاء الأسعار، وظهور ظاهرة تجار الحرب، وبعض الأحداث التي تشي بتزايد الاضطراب بالنسيج الاجتماعي، مثل الصراعات الداخلية ذات الطابع العنيف، أمرٌ يتطلب تدخلًا منسقًا بين القوى المجتمعية الفاعلة بالمجتمع.
إن التحديات التي يواجهها شعبنا بالقطاع تتطلب التقدم بمبادرات مجتمعية وآليات عمل تعمل على سد الفراغ.
يتوفر بالمجتمع الفلسطيني خبرة مهنية وإدارية واسعة، وهياكل وأطر تعبر عن منظمات العمل الأهلي والقطاع الخاص والنقابات.
إننا بحاجة إلى تعاضد هذه الهياكل والمكونات بهذه الظروف الاستثنائية التي يمر بها شعبنا، من أجل سد فراغ الحوكمة السائد.
بالتأكيد، فإن هذا المقترح ذو طبيعة مؤقتة وانتقالية، ريثما يتم دخول لجنة التكنوقراط للمباشرة بتنفيذ مهماتها.
إننا بحاجة إلى تشكيل هيئة لمنظمات المجتمع المدني تعمل على تقديم الخدمات والإشراف عليها، ومراقبة بعض الظواهر، مثل غلاء الأسعار وهشاشة حالة السلم الأهلي.
إن الهيئة المنشودة من الهام أن تعمل على صيانة السلم الأهلي والتماسك الاجتماعي.
ومن المناسب للهيئة أيضًا أن تحظى بمرجعية وطنية من القوى الوطنية الفلسطينية، وكذلك من السلطة والمنظمة، كما يجب أن تدفع الهيئة إلى مناهضة مخططات التهجير، مثل فكرة المدن الخضراء، وتفضح أهدافها، وكذلك مناهضة محاولات فصل القطاع عن الضفة عبر الدفع باتجاه المشاركة بالانتخابات العامة، التي يجب أن تشمل القطاع والقدس والضفة كأراضٍ فلسطينية موحدة سياسيًا وقانونيًا وجغرافيًا، وفق القانون الدولي ووفق البرنامج الوطني الفلسطيني.
وعليه، فليس من المناسب ترك القطاع بدون منظومة حوكمة، علمًا بأن الاحتلال يهدف إلى استغلال الفراغ لبث الفوضى بالبنية المجتمعية، لجعل القطاع مكانًا غير مناسب للعيش، بهدف تنفيذ مخطط التهجير والتطهير العرقي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك