أصبحت فكرة «الحكومة الواسعة» من أكثر الشعارات رواجًا في النظام السياسي الإسرائيلي، إذ تُطرح باعتبارها مخرجًا للأزمة الراهنة وحلًا ينهي حالة الاستقطاب السياسي، ويستند إلى أغلبية صهيونية كبيرة.
لكن محاولة ترجمة هذا الطموح إلى ائتلاف حكومي فعلي تكشف أن مفهوم «الحكومة الواسعة» يخفي خلفه قائمة طويلة من الخلافات والانقسامات.
وقالت صحيفة معاريف إن مشروع «المؤشر» المتخصص في دراسة المجتمع الإسرائيلي لم يكتفِ بقياس مستوى التأييد لـ«الائتلاف الواسع» أو «ائتلاف جميع الأحزاب الصهيونية»، بل تناول أيضًا سؤالًا أكثر عملية يتعلق بالأحزاب والشخصيات التي يرغب الجمهور في رؤيتها داخل الحكومة، وتلك التي يرفض التعامل معها.
وأظهرت الدراسة أن الدعم النظري لفكرة الحكومة الواسعة لا ينعكس بالضرورة على القبول بمشاركة جميع الأحزاب فيها.
فعلى سبيل المثال، يرى 53% من اليهود الحريديم أن رئيس الحزب الديمقراطي، يائير غولان، غير مؤهل للانضمام إلى ائتلاف حكومي.
وتزداد الصورة تعقيدًا عند مقارنة مواقف مؤيدي الحكومة الواسعة من الأحزاب المختلفة.
فبين الإسرائيليين الداعمين لتشكيل ائتلاف واسع أو حكومة تضم الأحزاب الصهيونية، تتراوح نسبة المؤيدين لمشاركة كل من حزب «قوة يهودية» -الذي يترأسه إيتمار بن غفير- والحزب الديمقراطي بين 2% و3% فقط.
في المقابل، يؤيد نحو خُمس المستطلعين إشراك الحزب الديمقراطي مع استبعاد «قوة يهودية»، بينما يرغب نحو ثلثهم في مشاركة الحزب مع استبعاد الحزب الديمقراطي.
أما ما يقرب من نصف مؤيدي الحكومة الواسعة، فيرفضون مشاركة الحزبين معًا.
وتشير هذه النتائج إلى أن شريحة واسعة من المطالبين بحكومة موسعة تتصور ائتلافًا يستبعد الأحزاب الحريدية والعربية، إضافة إلى «قوة يهودية» والحزب الديمقراطي، الأمر الذي يجعل مفهوم «الحكومة الواسعة» أقل اتساعًا على أرض الواقع.
ولا يتغير المشهد كثيرًا عند استبدال حزب «قوة يهودية» بحزب «الصهيونية الدينية»، برئاسة بتسلئيل سموتريتش.
فالداعمون لمشاركة الحزب الديمقراطي و«الصهيونية الدينية» معًا في حكومة واحدة لا تتجاوز نسبتهم بين 4% و6%.
كما يرفض كثيرون الجمع بين الحزبين داخل ائتلاف واحد، وهو ما يعكس استمرار حالة الاستقطاب السياسي.
وتُظهر الدراسة أن محاولة توسيع الائتلاف تؤدي عمليًا إلى نتيجة معاكسة، إذ يتقلص عدد الشركاء المحتملين كلما اتسعت قائمة الأطراف التي لا يرغب الجمهور في مشاركتها بالحكومة.
كما بينت النتائج أن نسبة الرافضين لحزب «قوة يهودية» تكاد تتساوى مع نسبة الرافضين للحزب الديمقراطي، إذ تبلغ نحو ثلث الإسرائيليين في الحالتين.
غير أن الرافضين للحزب الديمقراطي ترتفع نسبتهم بين مؤيدي فكرة الحكومة الواسعة مقارنة بالرافضين لحزب بن غفير.
وعند مقارنة الحزب الديمقراطي بـ«الصهيونية الدينية»، أظهرت البيانات أن 25% من مؤيدي الحكومة الموسعة يرغبون في رؤية الحزب الديمقراطي داخل الائتلاف، مقابل 38% يفضلون ضم «الصهيونية الدينية»، ما يمنح حزب سموتريتش أفضلية واضحة في هذا السياق.
وترى صحيفة معاريف أن هذه الأرقام تعكس ميزان القوى الانتخابي في إسرائيل، حيث يتمتع اليمين بثقل انتخابي أكبر من معسكر اليسار ويسار الوسط المؤيد ليائير غولان، ما يفسر الفجوة بين موقعي الحزبين في حسابات الائتلافات المستقبلية.
وأشارت الدراسة إلى أن الفجوة بين الرغبة الشعبية في تشكيل حكومة واسعة وصعوبة تحديد مكوناتها تظهر بوضوح في النموذج الانتخابي التجريبي الذي أعده مشروع «المؤشر».
ويعتمد النموذج على متوسط نتائج استطلاعات الرأي، مع الأخذ في الاعتبار اتجاهات التأييد، والتغيرات الإحصائية، والعلاقات بين الأحزاب المختلفة.
وبحسب نتائج المحاكاة، يحقق تحالف يضم الليكود و«الصهيونية الدينية» ونفتالي بينيت وإسرائيل بيتنا وغادي آيزنكوت أغلبية 61 مقعدًا في نحو 99.
6% من السيناريوهات، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة إمكانية تشكيل حكومة فعلية بهذا التكوين، نظرًا للخلافات الأيديولوجية والشخصية بين أطرافه.
ورغم أن الحسابات الرقمية تشير إلى إمكانية تشكيل حكومة واسعة في معظم السيناريوهات، فإن العقبات السياسية تبقى كبيرة، خاصة فيما يتعلق بقضايا مثل تجنيد الحريديم، وإصلاح النظام القضائي، والعلاقة بين الدين والدولة.
وفي المقابل، لا يحصل الائتلاف الحاكم الحالي على أغلبية 61 مقعدًا إلا في 8.
9% من المحاكاة، بينما تتمكن المعارضة، باستثناء الأحزاب العربية، من تحقيق الأغلبية في 22.
5% من الحالات.
كما أظهرت النتائج ارتفاع نسبة الناخبين المترددين، التي تتراوح بين 7% و9.
7%، بحسب السيناريوهات المختلفة، ما يشير إلى وجود كتلة انتخابية مؤثرة لم تحسم خياراتها بعد.
وخلصت الدراسة إلى أن النقاش السياسي في إسرائيل لم يعد يقتصر على الانقسام بين مؤيدي بنيامين نتنياهو ومعارضيه، بل بات يدور أيضًا حول شكل الحكومة الواسعة وحدودها.
فبينما تحظى فكرة الوحدة بدعم ملحوظ، تظل الخلافات حول هوية الشركاء المحتملين العقبة الرئيسية أمام تحويلها إلى واقع سياسي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك