أثارت منشورات موثقة ومتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي جدلا واسعا بشأن برنامج “صائفة الأطفال” المخصص لأطفال مخيمات تندوف، بعدما كشفت عن عرض تأشيرة سفر إلى إسبانيا للبيع مقابل 250 مليون سنتيم جزائري، في واقعة فجرت موجة واسعة من الانتقادات والتساؤلات حول كيفية تدبير البرنامج وآليات الإشراف عليه.
وتعود القضية التي اطلعت عليها جريدة هسبريس الإلكترونية إلى أحد المشرفين المستفيدين من تأشيرة ضمن البرنامج، وأحد المؤطرين البارزين للمخيمات الذي نشر “تدوينات” من داخل الأراضي الإسبانية قبل أن يتداول لاحقًا منشورًا يتضمن عرض التأشيرة للبيع مرفقًا برقم هاتف للتواصل.
وأعادت هذه الواقعة إلى الواجهة النقاش حول مدى شفافية اختيار المشرفين والمستفيدين من البرنامج، في ظل مطالب بفتح تحقيق للكشف عن ظروف منح التأشيرات والوقوف على مدى وجود اختلالات تسمح باستغلال المبادرات الإنسانية لتحقيق مكاسب شخصية؛ ما يفرض مراجعة أكثر صرامة لآليات المراقبة، ضمانا لعدم تحويل الامتيازات الممنوحة في إطار البرنامج إلى وسيلة للاتجار أو الاستفادة غير المشروعة.
وفي موازاة ذلك تتواصل الانتقادات الحقوقية الموجهة إلى برنامج “صائفة الأطفال”، إذ يرى عدد من الفاعلين داخل مخيمات تندوف أن المبادرة تحولت، في حالات عديدة، إلى وسيلة لتوظيف الأطفال في أنشطة دعائية تخدم أطروحة جبهة البوليساريو داخل عدد من الدول الأوروبية، بدل الاقتصار على أهدافها الإنسانية.
كما تتجدد التساؤلات بشأن الضمانات القانونية المعتمدة لحماية الأطفال أثناء إقامتهم لدى أسر مضيفة، ومدى خضوع هذه العملية لمراقبة تضمن سلامتهم وتصون حقوقهم.
وتأتي هذه التطورات لتغذي المطالب بإجراء افتحاص مستقل وشامل للبرنامج، والكشف عن مختلف أوجه التدبير المرتبطة به، سواء في ما يتعلق باختيار المشاركين أو بمسار التأشيرات أو بظروف إقامة الأطفال خارج المخيمات.
تفاعلا مع الموضوع قال زين العابدين الوالي، رئيس المنتدى الإفريقي للأبحاث والدراسات في حقوق الإنسان، إن المعطيات المتوفرة في الآونة الأخيرة تكشف عن وجود إساءة استخدام ممنهجة لنظام التأشيرات الجماعية التي تمنحها عدد من الدول الأوروبية، وفي مقدمتها إسبانيا، في إطار برنامج “عطل من أجل السلام”، مشيرا إلى أن الأمر يعكس انحرافا خطيرا عن الأهداف الإنسانية للبرنامج، من خلال تحويل التأشيرات إلى وسيلة للاتجار عبر إعادة تخصيص المقاعد المخصصة للأطفال لفائدة بالغين أو أقارب لمسؤولين في جبهة البوليساريو، بما يتيح تسهيل الهجرة غير النظامية إلى فضاء “شنغن” تحت غطاء إنساني، ويقوض نزاهة الإجراءات القنصلية الدولية.
وأوضح الوالي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن التجاوزات لا تقتصر على التلاعب بوثائق السفر، بل تمتد إلى ما وصفه بـ”التربح والافتراس المالي الممنهج”، لافتا إلى وجود معطيات تفيد بقيام بعض منظمي البرنامج بتحويل المساعدات المالية والإعانات التي تمنحها البلديات والهيئات الداعمة في الدول المضيفة إلى حسابات خاصة، عبر تضخيم مصاريف السفر أو إدراج نفقات وهمية، رغم أن التكاليف الفعلية تكون مغطاة مسبقا من جهات مانحة أخرى.
وتابع المتحدث ذاته: “إن هذه الممارسات تحول معاناة أطفال المخيمات إلى مصدر ريع غير مشروع لشبكات النفوذ المشرفة على البرنامج، فضلا عن امتداد الانتهاكات إلى المساعدات العينية المخصصة للأطفال، من خلال اعتراض التبرعات والمستلزمات التي يحملها القاصرون أثناء عودتهم إلى المخيمات، وفرض إتاوات غير قانونية عليها، بشكل يحرمهم من الاستفادة منها ويكرس ثقافة الإفلات من العقاب داخل منظومة تدبير البرنامج”.
وأكد الفاعل الحقوقي نفسه أن الانتهاكات تتجاوز الجوانب المالية لتبلغ مستوى الخرق البنيوي للقواعد الآمرة في القانون الدولي، من خلال توظيف الأطفال في أنشطة دعائية وإقحامهم في صراعات الكبار تحت مسمى “سفراء صغار”، وإجبارهم على تبني شعارات ومواقف سياسية لا يدركون أبعادها، موردا أن ذلك يشكل انتهاكا جسيما للمادة 36 من اتفاقية حقوق الطفل، لأنه يصادر حق القاصر في طفولة محايدة ويحول رحلات الاستجمام إلى ممارسة قسرية للمناورة السياسية.
وأشار المصرح عينه إلى أن هذا الاستغلال يتماهى مع إستراتيجية قائمة على التلقين الإيديولوجي، تبدأ بالتهيئة التعبوية قبل السفر، وتستمر طيلة فترة الإقامة خارج المخيمات، بهدف ترسيخ ثقافة العداء والعسكرة المبكرة بدل التربية على قيم التسامح والسلام، ما يعيد إنتاج الصراع في أجيال لم تكن طرفا فيه.
كما لفت زين العابدين إلى أن البرنامج يفرز آثارا خطيرة على هوية الأطفال، من خلال تكريس الاغتراب اللغوي والثقافي نتيجة الانفصال المتكرر عن أسرهم وإقامتهم في بيئات مغايرة، الأمر الذي يفضي، بحسب تعبيره، إلى “فجوة تواصلية مع ذويهم وإضعاف ارتباطهم ببيئتهم الأصلية، فضلا عن إلقائهم في فراغ قانوني وسيادي نتيجة تفويض الجزائر، بصفتها الدولة المضيفة، صلاحياتها المتعلقة بحماية القاصرين لجبهة البوليساريو”، وهو ما اعتبره خرقا لالتزاماتها بموجب الميثاق الإفريقي لحقوق ورفاهية الطفل.
واسترسل الخبير في مجال حقوق الإنسان بأن الدول المضيفة تتحمل بدورها جانبا من المسؤولية نتيجة الاكتفاء بالتأشيرات الجماعية دون اعتماد تحقق بيومتري فردي، ما يفتح المجال أمام مخاطر التهجير الصامت والاتجار بالبشر تحت غطاء التضامن الإنساني.
وسجل المتحدث عينه أن أخطر مظاهر هذا الانحراف تتجسد في “الإقامة القسرية”، التي تتحول فيها الرحلات الصيفية المؤقتة إلى تهجير دائم يمتد لسنوات، عبر مساطر تبني أو وصاية وصفها بـ”المشبوهة”، بما يؤدي إلى فصل الأطفال عن أسرهم البيولوجية، ويفرغ مبدأ المصلحة الفضلى للطفل من مضمونه، ويحول القاصرين إلى أدوات لخدمة إستراتيجيات سياسية تقوم على تفتيت الهوية والروابط الأسرية.
ودعا زين العابدين الوالي، في ختام حديثه لهسبريس، إلى ضرورة الانتقال من منطق التضامن العاطفي إلى منطق المساءلة القانونية، عبر إخضاع برنامج “عطل من أجل السلام” لتدقيق دولي مستقل وشامل يطال مختلف مساراته المالية والإدارية والحقوقية، واعتماد نظام تحقق بيومتري فردي وصارم لجميع الأطفال المستفيدين، بشكل يضمن سلامة الهويات ويمنع أي استغلال أو اتجار بالتأشيرات أو بالبشر تحت غطاء العمل الإنساني.
وخلص رئيس المنتدى الإفريقي للأبحاث والدراسات في حقوق الإنسان إلى أن استمرار هذه الخروقات يجد تفسيره في الصمت المؤسساتي الذي تبديه بعض الأطراف الدولية، التي تغلب الاعتبارات الجيوسياسية على الحقوق الأساسية للأطفال، مشددا على أن حماية القاصرين تقتضي تفعيل آليات الرقابة والمساءلة الدولية وضمان احترام قواعد القانون الدولي واتفاقيات حقوق الطفل دون أي انتقائية.
من جانبها سجلت مينة لغزال، منسقة تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، أن برنامج “عطل من أجل السلام” ظل، على امتداد أكثر من أربعة عقود، يقدم باعتباره مبادرة إنسانية تروم تمكين أطفال مخيمات تندوف من الاستفادة من الرعاية الطبية والاستجمام الصيفي بعيدا عن الظروف المناخية القاسية بمنطقة لحمادة، غير أن غياب الرقابة الدولية المستقلة أفرز واقعا يثير تساؤلات حقوقية متزايدة حول الأهداف الفعلية للبرنامج وحدود التزامه بالمبادئ الإنسانية التي أنشئ من أجلها.
وأضافت لغزال، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن البرنامج انطلق أواخر سبعينيات القرن الماضي استجابة لاحتياجات إنسانية ملحة، شملت توفير الرعاية الصحية والفحوصات الطبية والمكملات الغذائية للأطفال، إلا أن احتكار جبهة البوليساريو، إلى جانب شبكات التضامن الدولية المتحالفة معها، لتدبيره وإدارته، أدى إلى غياب معايير الشفافية والرقابة المستقلة، وتحويل المساعدات الإنسانية إلى وسيلة لترسيخ الولاءات التنظيمية، بما جعل استفادة الأطفال وتنقلهم مرتبطة، في كثير من الأحيان، باعتبارات سياسية أكثر منها إنسانية.
وأكدت الناشطة الحقوقية ذاتها أن هذا الواقع أسهم في تغليب الاعتبارات الإيديولوجية على المصلحة الفضلى للطفل، وهو ما يفسر تصاعد الانتقادات الحقوقية التي تتهم البرنامج بالانحراف عن أهدافه الإغاثية الأصلية، في ظل تقارير متواترة تتحدث عن تحوله إلى أداة للاستغلال السياسي والتربح المالي، وأوضحت أن من أبرز مظاهر هذه الاختلالات انعدام الشفافية في اختيار المستفيدين والمشرفين، واعتماد منطق المحسوبية والزبونية السياسية بدل الاستجابة للحاجيات الإنسانية، فضلا عن فضائح إساءة استخدام التأشيرات الجماعية الممنوحة، خاصة من طرف إسبانيا، عبر استغلالها لتسهيل هجرة بالغين تحت غطاء البرنامج، إلى جانب رصد حالات مرتبطة بالتربح الشخصي واختلاس المساعدات المالية والعينية المخصصة للأطفال.
كما عرجت المصرحة على أن أخطر الانتهاكات تتجسد في توظيف الأطفال داخل أنشطة وتجمعات ذات طابع سياسي، وتقديمهم باعتبارهم “سفراء صغارا” لخدمة سرديات إيديولوجية، بدل تمكينهم من حقوقهم في الراحة والنمو السليم، مسلطة الضوء على إخضاع القاصرين لعمليات تلقين ممنهجة قبل وأثناء سفرهم، وترسيخ ثقافة العداء والعسكرة لديهم؛ ما يشكل خرقا لاتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، التي تكفل حمايتهم من الاستغلال السياسي وتضمن حقهم في تعليم قائم على قيم السلام والتسامح.
وعن الآثار المترتبة على هذه الممارسات أوردت لغزال أن تداعياتها لا تقف عند حدود الاستغلال السياسي، بل تمتد إلى طمس الهوية الثقافية والعائلية للأطفال، نتيجة تكرار فترات الإقامة خارج المخيمات، بما يفرز حالات اغتراب لغوي واجتماعي ونفسي تعمق المسافة بينهم وبين أسرهم، واسترسلت بأن بعض الحالات تتحول فيها الرحلات المؤقتة إلى إقامات طويلة الأمد أو دائمة داخل الدول المضيفة، بما يؤدي إلى تفكيك الروابط الأسرية وحرمان الآباء من حقهم في رعاية أبنائهم وتنشئتهم.
ونبهت المتحدثة إلى أن استمرار هذه الاختلالات يجد تفسيره في الفراغ القانوني القائم داخل مخيمات تندوف، معتبرة أن تنصل الجزائر من مسؤولياتها القانونية بصفتها الدولة المضيفة، وتفويض صلاحيات إدارية وقضائية لجهة غير دولية، يضع الأطفال في وضعية هشة تفتقر إلى الحماية القانونية الفعالة، ويحد من فرص مساءلة المتورطين في أي انتهاكات أو تجاوزات.
وأجملت مينة لغزال بأن حماية أطفال مخيمات تندوف تقتضي انتقال المجتمع الدولي من الاكتفاء بمتابعة هذه الملفات إلى فرض رقابة مستقلة وآليات مساءلة فعالة، عبر فتح تحقيقات دولية وضمان شفافية تدبير البرنامج، بشكل يعيد الاعتبار للمصلحة الفضلى للطفل ويحول دون توظيف المبادرات الإنسانية في خدمة أجندات سياسية أو تحقيق مكاسب مالية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك