جهاز الاستثمار العُماني يكشف خطة تحرير الغاز من محطات الكهرباء عبر مشاريع طاقة متجددة تعادل إنجاز 50 عامًا، لضخه في المناطق الصناعية والهيدروجين الأخضرأثير - مـحـمـد الـعريـمـيفي كل لحظة، يُضخ متر مكعب جديد من الغاز الطبيعي من باطن الأرض العُمانية، ليقف فور خروجه أمام مفترق طرق يمثل المعضلة الأبرز لصانع القرار اليوم: هل نوجهه إلى محطات الكهرباء لضمان استقرار الإمدادات المحلية؟ أم نضخه في شرايين المصانع والمناطق الاقتصادية ليتحول إلى منتجات ووظائف؟ أم نُصدّره كغاز مسال ليضخ سيولة نقدية مباشرة في الخزينة العامة؟لم يعد الهاجس الاقتصادي في عُمان مقتصرًا على حجم الإنتاج، بل تجاوزه إلى سؤال القيمة: ”كيف نستخدم هذا الغاز لنحقق منه أعلى عائد تنموي؟ “، هذا التساؤل يكتسب إلحاحًا غير مسبوق في ظل التحولات الهيكلية التي يشهدها الاقتصاد الوطني، والتقلبات العميقة التي تضرب أسواق الطاقة العالمية.
حضور عالمي وإنجازات تعزز الموثوقيةقبل الغوص في الاستهلاك الداخلي، لا بد من الإشارة إلى المكانة المرموقة التي حفرها الغاز العُماني على الخارطة العالمية، فعلى مدار أكثر من 25 عامًا، رسخت سلطنة عُمان مكانتها كواحدة من أكثر موردي الغاز الطبيعي المسال موثوقية في العالم.
وتؤكد البيانات الرسمية هذا الثقل الإستراتيجي؛ فقد شهدت الأيام الماضية من شهر يونيو 2026 انطلاق أول شحنة غاز طبيعي مُسال على متن الناقلة الوطنية ”مسقط“ إلى الأسواق العالمية، في خطوة غير مسبوقة تعزز تكامل قطاعي الغاز والشحن البحري، وتؤكد أن إسهام سلطنة عُمان لم يعد يقتصر على الإنتاج، بل امتد إلى النقل عبر أسطول وطني.
وعلى صعيد الأسواق، لم يكتفِ الغاز العُماني بهيمنته التقليدية على الأسواق الآسيوية الكبرى (كالهند واليابان وكوريا الجنوبية)، بل نجح مؤخراً في اختراق قلب أوروبا، وقد توج هذا الاختراق ببدء تسليم شحنات الغاز إلى شركة ”سيفي“ الألمانية، في أول تعاقد من نوعه لتصدير الغاز العُماني إلى أكبر اقتصاد في أوروبا، فضلاً عن تسليم شحنات جديدة لشركة ”شل“ العالمية بموجب عقود إستراتيجية طويلة الأجل، ولضمان استدامة هذا الحضور، بدأت سلطنة عُمان فعليًا بإنشاء" قاطرة جديدة" للغاز المسال في ولاية صور، والتي من شأنها أن ترفع الإنتاج السنوي إلى 15.
2 مليون طن متري.
سياق عالمي مضطرب، وملاذ عُماني آمنلا يمكن قراءة هذه المعادلة بمعزل عن المشهد العالمي، فوفقًا لـ" تقرير سوق الغاز للربع الثاني من عام 2026 الصادر عن وكالة الطاقة الدولية (IEA)”، وقبل إغلاق مضيق هرمز، كانت إمدادات الغاز الطبيعي المسال (LNG) في منطقة الشرق الأوسط تكافح للحفاظ على استقرارها، وفي خضم هذا المشهد الجيوسياسي القلق، برزت عُمان وقطر كقوتي توازن رئيسيتين أسهمتا في تعويض العجز الإقليمي.
لم يكن هذا الاستقرار وليد الصدفة، بل جاء ثمرة لبنية تحتية وتحالفات إستراتيجية، أبرزها خط أنابيب ”دولفين“ البحري الذي يربط مواقع الإنتاج القطرية بمراكز الطلب في عُمان، بضخ يتجاوز 2 مليار متر مكعب، هذا التدفق المستقر حوّل سلطنة عُمان إلى وجهة طاقة آمنة، ترسل إشارة طمأنة للمستثمر الأجنبي بأن مصنعه في الدقم أو صحار لن يتوقف بسبب أزمات الإمداد، لكن هذا الوفر المريح يضعنا مجدداً أمام تحدي الإدارة الموجهة للكفاءة.
لغة الأرقام: كلفة الفرصة البديلة ومأزق الاستهلاك المباشرحين نُخضع هذه المعادلة للغة الأرقام، وتحديداً لبيانات النشرة الإحصائية يونيو 2026، وإحصاءات الطاقة أبريل 2026 من المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، تتكشف لنا صورة بالغة الدقة تشخص واقع الغاز العُماني.
على صعيد الإمدادات، تُظهر البيانات وفرة مبشرة؛ إذ تخطى إجمالي الغاز الطبيعي المتاح لسلطنة عُمان بنهاية مايو 2026 حاجز الـ 24,177.
7 مليون متر مكعب، مسجلاً نموًا بنسبة 6.
5% على أساس سنوي، وتوزع هذا الضخ بوضوح بين الغاز غير المصاحب والاستيراد بحجم بلغ 18,807.
3 مليون متر مكعب، والغاز المصاحب بواقع 5,370.
4 مليون متر مكعب.
رغم هذا الوفر، ابتلعت محطات توليد الطاقة وحدها نحو 6,581.
3 مليون متر مكعب حتى نهاية مايو، بزيادة استهلاكية حادة بلغت 13.
3%.
ويشمل ذلك استهلاك الغاز في محطات توليد الطاقة، والمحطات التابعة لوزارة الدفاع، ومحطة جامعة السلطان قابوس، إضافة إلى المحطات التابعة لشركات النفط والغاز، كما استهلكت المشاريع الصناعية 12,394.
9 مليون متر مكعب بنمو بلغ 8.
2%.
أما المناطق الصناعية، والتي تشمل استهلاك الشركة العُمانية للغاز الطبيعي المسال، فقد انخفض استهلاكها بنسبة 30.
3% إذ استهلكت 79.
4 مليون متر مكعب، في حين استحوذت حقول النفط على 5,122.
1 مليون متر مكعب، بانخفاض قدره 3.
9%، ويشمل ذلك الفاقد وفروقات العدادات ومعامل التقلص.
ولتقريب الصورة أكثر، تكفي الإشارة إلى أن استهلاك محطات الكهرباء في شهر أبريل 2026 فقط 1,376.
6 مليون متر مكعب، في حين ذهب 2,497.
7 مليون متر مكعب للمشاريع الصناعية؛ وهي المشاريع القادرة فعليًا على توليد فرص العمل ودعم التنويع الاقتصادي.
مالياً، يظل الغاز الطبيعي صمام أمان حقيقي للخزينة العامة؛ فقد أنعش الإيرادات الحكومية مسجلاً ارتفاعًا ملحوظًا بنسبة 36% ليبلغ 593 مليون ريال عُماني بنهاية مارس 2026، وانسحب هذا الأداء القوي أيضًا على مسار التجارة الخارجية، حيث نمت صادرات الغاز الطبيعي المسال بنسبة 6.
3% محققة إيرادات بلغت 773 مليون ريال حتى نهاية أبريل 2026، وقد لعب هذا النمو دورًا حيوياً ومباشرًا في التخفيف من وطأة التراجع الذي شهده إجمالي صادرات النفط والغاز، والذي انخفض بنسبة 7.
5% ليستقر عند 4,720 مليون ريال عُماني خلال الفترة ذاتها.
التدخل المؤسسي: إحلال إستراتيجي لتحرير الغازأمام هذا التجاذب بين ضمان استقرار الكهرباء وتحقيق العائد الصناعي والتصديري، بدأت وزارة الطاقة والمعادن ومؤسسات الدولة في هندسة حلول بنيوية لتغيير قواعد اللعبة، ويبرز دور جهاز الاستثمار العُماني كأحد الفاعلين الرئيسيين في توجيه هذه البوصلة.
لقد فكّك معالي عبدالسلام المرشدي رئيس جهاز الاستثمار العماني في اللقاء الإعلامي الأخير للجهاز هذه الإستراتيجية بوضوح تام، مشيرًا في ردّه على سؤال ”أثير“ إلى أن تخفيض تكلفة الإنتاج وتقليص الدعم وزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة هي أهداف محورية لتوفير الغاز المُستهلك حاليًا في إنتاج الكهرباء، وإعادة توجيهه نحو صناعات تخلق فرص عمل حقيقية.
وأكد معاليه واضعاً إطاراً زمنياً لهذا التحول أن مشاريع إنتاج الكهرباء التي ستُنجز خلال السنوات القليلة القادمة، تعادل ما تم بناؤه في الخمسين عامًا الماضية، مما يضمن هامشاً آمناً لاقتناص الفرص الاستثمارية المستقبلية.
يعني هذا التوجه إطلاق عملية إحلال واسعة النطاق؛ فبناء محطات ضخمة للطاقة الشمسية وطاقة الرياح لم يعد ترفاً بيئياً، بل ضرورة اقتصادية حتمية تهدف إلى ”تحرير“ ملايين الأمتار المكعبة من الغاز من محطات الكهرباء، لضخها مباشرة في خطوط الإنتاج الصناعي.
كيف ينعكس هذا التحول على الأرض؟كما أشرنا في الأرقام، فإن ارتفاع استهلاك المشاريع الصناعية من الغاز ليتجاوز 12.
3 مليار متر مكعب يعكس وجود محركات اقتصادية حقيقية تدور.
ومع تفعيل خطة ”تحرير الغاز“، سيُضخ المزيد من هذا المورد في المناطق الصناعية والاقتصادية الخاصة.
إن توفر غاز مستقر وبأسعار تنافسية هو الشرط الأساسي لجذب استثمارات بمليارات الدولارات في قطاعات واعدة كصناعة ”الصلب الأخضر“ والبتروكيماويات، والأهم من ذلك؛ أن الغاز سيشكل وقوداً انتقالياً حيوياً للعبور نحو اقتصاد ”الهيدروجين الأخضر“، ما يفتح أبواباً واسعة أمام الشركات المحلية والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة للاندماج في سلاسل إمداد مبتكرة، وخلق مسارات وظيفية مستدامة.
بناءً على ذلك، فإن إدارة الغاز الطبيعي في سلطنة عُمان تتجاوز اليوم حسابات الاستخراج والتصدير المباشر، لتشكل اختبارًا حقيقيًا لكفاءة تخصيص الموارد، فالقيمة الأعلى للغاز لا تتحقق بحرقه لتوليد الكهرباء، ولا بتسييله كسلعة خاضعة لتقلبات الأسعار، بل بتوظيفه كمدخل صناعي في اقتصاد يتسم بالذكاء والمرونة، ومن خلال تسريع الانتقال نحو الطاقة المتجددة، تؤمن سلطنة عُمان شبكة كهرباء مستدامة، وتسلّح في الوقت عينه مناطقها الصناعية بالوقود اللازم لبناء قاعدة تصديرية صلبة، تعتمد على ما تصنعه العقول والأيادي العُمانية، لا على ما تستخرجه من باطن الأرض فحسب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك