برلين- “القدس العربي”: قررت ألمانيا إغلاق معسكرها العسكري في مدينة أربيل شمال العراق، وسحب غالبية جنودها منه بحلول نهاية أيلول/سبتمبر المقبل، في خطوة تنهي أكثر من عقد من الوجود العسكري الألماني المباشر إلى جانب قوات البيشمركة، وتأتي نتيجة انسحاب القوات الأمريكية وفقدان المظلة الدفاعية التي كانت تحمي الموقع من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة.
وبحسب مجلة “دير شبيغل” الألمانية، أبلغت وزارة الدفاع أعضاء لجنة الدفاع في البرلمان بالقرار، موضحة أن بقاء القوات الألمانية في المعسكر المتعدد الجنسيات قرب مطار أربيل لم يعد ممكنا بعد مغادرة القوات الأمريكية، التي كانت توفر الحماية للموقع، ولا سيما من خلال منظومات “باتريوت” للدفاع الجوي.
وقالت وزارة الدفاع الألمانية إن الانسحاب يجري بالتنسيق مع الولايات المتحدة والشركاء الدوليين، وإن برلين ستقلص وجودها العسكري في شمال العراق، من دون إنهاء تعاونها مع قوات البيشمركة بصورة كاملة.
جاء القرار بعد أشهر من التوتر الأمني المتصاعد في المنطقة، إذ تعرض المعسكر الدولي في أربيل لهجمات متكررة بالصواريخ والطائرات المسيرة منذ بدء الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في الربيع الماضي.
ورغم أن القوات الألمانية لم تكن هدفا مباشرا للهجمات، فإن وجودها بالقرب من الوحدات الأمريكية جعلها عرضة للخطر، واضطر الجنود الألمان إلى الاحتماء مرارا داخل الملاجئ المحصنة.
وتمكنت الدفاعات الجوية الأمريكية من اعتراض غالبية الصواريخ والمسيرات التي أطلقت باتجاه الموقع.
رغم أن القوات الألمانية لم تكن هدفا مباشرا للهجمات، فإن وجودها بالقرب من الوحدات الأمريكية جعلها عرضة للخطر، واضطر الجنود الألمان إلى الاحتماء مرارا داخل الملاجئ المحصنةوكانت ألمانيا قد بدأت منذ شباط/فبراير الماضي تقليص عدد جنودها في أربيل بسبب مخاوف من اتساع المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وسحبت أفرادا لم تعد هناك ضرورة لبقائهم في الموقع.
وبحسب موقع دويتشلاند فونك الإخباري الألماني، لا يوجد حاليا في المعسكر سوى نحو 30 جنديا ألمانيا، بينهم مستشارون عسكريون وفريق طبي يعمل في مستشفى المعسكر، إضافة إلى متخصصين في تقنية المعلومات والخدمات اللوجستية.
وتعمل وزارة الدفاع خلال الأسابيع المقبلة على إعداد خطة لتفكيك المنشآت الألمانية ونقل المعدات، وسط بحث في حجم التجهيزات التي يمكن إخراجها، وتلك التي ستترك في الموقع بسبب ضيق الوقت والتحديات الأمنية واللوجستية.
ويمثل إغلاق المعسكر نهاية مرحلة بدأت عام 2015، عندما أرسلت الحكومة الألمانية مدربين ومستشارين عسكريين إلى شمال العراق لمساعدة قوات البيشمركة في مواجهة تنظيم “الدولة الإسلامية”، الذي كان يسيطر آنذاك على مساحات واسعة من العراق وسوريا.
وسبق إرسال المدربين موافقة ألمانية مثيرة للجدل على تزويد قوات البيشمركة بالأسلحة والذخيرة، لتمكينها من وقف تقدم التنظيم نحو مناطق إقليم كردستان.
وواصل الجيش الألماني خلال السنوات التالية تدريب القوات الكردية وتقديم المشورة لها ضمن التحالف الدولي لمواجهة التنظيم، إلى جانب المشاركة في دعم المؤسسات الأمنية العراقية ومنع عودة التنظيم إلى النشاط.
ولم يقتصر دور الوجود الأمريكي والدولي في أربيل على التدريب العسكري، بل مثل، من وجهة نظر السلطات الكردية، عاملا للردع وضمانة نسبية لأمن الإقليم في ظل التوترات مع بغداد والعمليات العسكرية التركية ضد حزب العمال الكردستاني في المناطق الحدودية.
مستشارون ألمان داخل القنصليةورغم إغلاق المعسكر، لا يعتزم وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس إنهاء التعاون العسكري مع قوات البيشمركة بصورة نهائية.
ووفقا للخطة المنشورة على موقع وزارة الدفاع الألمانية، سيبقى عدد محدود من المستشارين العسكريين الألمان في أربيل بعد نهاية أيلول/سبتمبر، لكنهم سينتقلون من المعسكر قرب المطار إلى مقر القنصلية الألمانية داخل المدينة، حيث سيواصلون تقديم المشورة إلى القوات الكردية.
وبذلك تتحول المهمة الألمانية في أربيل من وجود عسكري ميداني داخل معسكر دولي إلى بعثة استشارية محدودة وأقل ظهورا، فيما يستمر التفويض العام لمشاركة الجيش الألماني في العراق والأردن ضمن مهمة مواجهة تنظيم الدولة ودعم المؤسسات الأمنية العراقية.
قلق برلماني على مصير الأكرادوأثار الإعلان المفاجئ عن الانسحاب تساؤلات داخل لجنة الدفاع في البرلمان الألماني بشأن سرعة القرار وتداعياته الأمنية والسياسية.
وطالب نواب من حزب الخضر بعقد جلسة خاصة للجنة قبل بدء العطلة البرلمانية الصيفية، للحصول على معلومات تفصيلية عن الانسحاب وتأثيره في أمن إقليم كردستان وقوات البيشمركة.
ولا يمثل خروج القوات الأمريكية والألمانية من المعسكر مجرد خفض لعدد الجنود الأجانب، إذ تخشى السلطات الكردية أن يؤدي تراجع الوجود الدولي إلى إضعاف عامل الردع الذي وفره الوجود الأمريكي في أربيل طوال السنوات الماضية.
ويفتح الانسحاب الباب أمام تساؤلات حول قدرة الأكراد على مواجهة الضغوط الأمنية المتزايدة بعد انحسار الحضور العسكري الغربي في شمال العراق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك