في عتمة هذا العالم وذهول الضمير الإنساني، ترتفع من أرض غزة وفلسطين صرخةُ وجعٍ ثاكل، تخرق جدار الصمت العالمي، وتجرح نياط القلوب التي لم تمت بعد.
إنها استغاثة الدم النازف من وريد العروبة، ونداء الحق الصارخ إلى العالم أجمع، وإلى الأمتين العربية والإسلامية، وإلى قوى محور المقاومة الأحرار، لعل في هذا الوجود من لا يزال يسمع أنين الحجارة واستجداء الأنفاس وسط الركام.
هناك، على تلك البقعة المقدسة الدامية، يُذبح الإنسان، وتُنتهك الطفولة على مذبح العدو الصهيوني الإسرائيلي الغاشم، الذي أعمل في الأرض فسادًا، فما ترك شجرًا ولا حجرًا ولا بشرًا إلا وأذاقه مرارة التنكيل والإبادة.
إن المشهد في غزة فاق حدود المحتمل، وعجزت عن وصفه مصطلحات البلاغة؛ فهو مشهد تذوب منه الصخور كمدًا، حيث يمتزج غبار الموت برائحة البارود، وتتحول الأحياء الآمنة، في غمضة عين، إلى مقابر جماعية تضم أشلاء أطفال في عمر الزهور.
أطفال غارت أعينهم من التعب، وجفّت مآقيهم من الدموع، وتتلوى أمعاؤهم خاويةً من الجوع، ويتزاحمون في طوابير طويلة مضنية، يملؤها الانكسار والأمل الضعيف، باحثين عن لقمة عيش تسد رمقهم، أو جرعة ماء ملوثة تدفع عنهم غائلة الهلاك.
إنهم يواجهون كل أنواع المعاناة التي يمكن لعقل بشر أن يتخيلها؛ من قصف همجي أعمى يحيل بيوتهم ركامًا فوق رؤوسهم، إلى حصار خانق يقطع عنهم الدواء والكساء والغذاء، ليغدو الموت جوعًا أو مرضًا سلاحًا مسلطًا على رقاب الأبرياء، في ظل تخاذل دولي مخزٍ.
يا أحرار العالم، ويا أبناء العروبة والإسلام، ويا بنادق المقاومة الشريفة، إن فلسطين اليوم ليست مجرد قضية على طاولة المفاوضات، بل هي جرح البشرية الغائر وشرفها الذي يُستباح كل يوم.
كيف يغمض للعالم جفن، وأمهات غزة يودعن فلذات أكبادهن بالدموع والحسرات، ويحملن أشلاءهم في أكياس؟ كيف يطيب للمسلم عيش، أو يهدأ للعربي بال، ومقدساتهم تُدنّس، وأهلهم في بيت المقدس وأكنافه يُسامون سوء العذاب، ويواجهون آلة الحرب الصهيونية بصدور عارية وإرادة من حديد؟ إنها مناشدة بلسان الثكالى والأيتام، ونداء يستنهض النخوة والمروءة، ويدعو كل ضمير حي إلى أن يقف في وجه هذا الطغيان السافر، ويكسر طوق الصمت، وينتصر للدماء الزكية التي تسيل في غزة الصامدة، لتعلم الأجيال أن الكرامة لا تُوهب، بل تُنتزع، وأن ليل الظلم الصهيوني، مهما طال واشتد، فلا بد أن يبدده فجر الحرية والعدالة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك