يكشف برنامج" الدحيح" في حلقة (2026/5/6) أن الزجاج لم يكن مجرد مادة تُستخدم في النوافذ والأواني، بل أحد الابتكارات التي غيرت مسار الحضارة الإنسانية، إذ انتقل عبر آلاف السنين من مادة نادرة تضاهي الذهب في قيمتها إلى ركيزة أساسية للعلم والصناعة والاتصالات الحديثة.
وتبدأ الحلقة (يمكن مشاهدتها كاملة عبر هذا الرابط) بمشهد ساخر يقود إلى قصة تاريخية مشوقة، يستعيد فيها أحمد الغندور حكاية صناع الزجاج في جزيرة مورانو الإيطالية، الذين عاشوا تحت رقابة صارمة لأنهم امتلكوا سرا صناعيا منح مدينة البندقية مكانة اقتصادية استثنائية لقرون.
list 1 of 4بخدعة كيميائية عمرها آلاف السنين.
ابتكار زجاج" يمتص" ثاني أكسيد الكربونlist 2 of 4من الفولاذ إلى الكربون.
كيف أعادت الألياف تشكيل جسم السيارة؟list 3 of 4الكوابل البحرية والكهرباء.
الشرايين الخفية التي تحكم العالمlist 4 of 4كيف تكشف زجاجات البلاستيك من يلوث سواحل المحيط الهادي؟ويستعرض البرنامج الذي يبث على منصتي" AJ+ عربي" و" الجزيرة 360" حكاية الحرفي أنطونيو ديلا ريفيتا، الذي خاطر بحياته للهروب من جزيرة مورانو حاملا خبرته في صناعة زجاج" الكريستالو"، موضحا أن السلطات الفينيسية كانت تعتبر تسرب هذه المعرفة تهديدا مباشرا لمكانتها التجارية، ففرضت قيودا صارمة على الحرفيين لحماية الاحتكار.
ومن هذه الحكاية، يعود الغندور بالمشاهد ملايين السنين إلى الوراء، موضحا أن الزجاج لم يبدأ في الأفران، بل وُلد في الطبيعة عندما صهرت حرارة النيازك والبراكين الرمال، لتنتج أول أشكال الزجاج الطبيعي التي ألهمت الإنسان لاحقا بمحاولة تقليدها وصناعتها.
ويضرب البرنامج مثالا بتميمة الجعران الشهيرة ضمن مقتنيات الملك توت عنخ آمون، التي أثبتت التحليلات الحديثة أنها صُنعت من زجاج طبيعي تشكّل إثر اصطدام نيزك بالصحراء الغربية قبل نحو 29 مليون سنة، كما يتناول الزجاج البركاني" الأوبسيديان" الذي استخدمه الإنسان القديم في أدواته الحادة.
وينتقل بعد ذلك إلى بدايات الصناعة، مستعرضا الروايات التاريخية والأثرية التي تربط اكتشاف الزجاج بمصر وبلاد الرافدين، حيث ظهرت أولى القطرات الزجاجية داخل أفران صهر المعادن، قبل أن يطور الحرفيون تقنيات تشكيل معقدة جعلت الزجاج سلعة فاخرة لا يقتنيها سوى الملوك والنخب.
ويبين البرنامج أن نقطة التحول جاءت مع اكتشاف تقنية النفخ في الزجاج خلال القرن الأول قبل الميلاد، وهو ابتكار أحدث ثورة في الإنتاج، إذ خفض الكلفة وسرّع التصنيع، ثم استثمره الرومان لتعميم استخدام الزجاج وتطوير أنواعه الشفافة والملونة، فاتحين الباب أمام انتشاره في مختلف مناحي الحياة.
ويوضح البرنامج أن تراجع الإمبراطورية الرومانية لم ينه قصة الزجاج، بل نقل مركزها إلى الشرق، حيث حافظت الحضارتان البيزنطية والإسلامية على هذه الصناعة، وأضاف العلماء والحرفيون المسلمون تقنيات جديدة أسهمت في تطويرها، قبل أن تنتقل لاحقا إلى أوروبا وتؤسس لنهضتها الزجاجية.
ويستعرض الغندور إسهامات علماء مثل جابر بن حيان، إلى جانب تطوير تقنيات الحرق الاختزالي والزخرفة بالمينا والذهب، التي منحت الزجاج بريقا يحاكي المعادن النفيسة، وبلغت أوجها في مصر والشام خلال العصر المملوكي، قبل أن تنتقل مع التجار والحرفيين إلى البندقية.
ويبين البرنامج أن مدينة مورانو تحولت إلى مركز عالمي لصناعة الزجاج بعدما جمعت خبرات الحضارات السابقة، لكن حكومة البندقية فرضت عزلة على الحرفيين ومنعتهم من مغادرة الجزيرة، حفاظا على أسرار إنتاج زجاج" الكريستالو" الذي أصبح رمزا للتفوق الاقتصادي الأوروبي.
ويشير إلى أن هذا الاحتكار أثار منافسة واسعة، دفعت الملك الفرنسي لويس الرابع عشر إلى استقطاب صناع مورانو سرا للمشاركة في إنشاء صناعة وطنية للمرايا، وهو ما مهد لبناء قاعة المرايا الشهيرة في قصر فرساي، وفتح الباب أمام منافسة أوروبية أنهت الاحتكار تدريجيا.
ولا يقتصر أثر الزجاج على العمارة والاقتصاد، إذ يوضح الغندور أن تطور صناعة العدسات أدى إلى ظهور النظارات الطبية، التي مكنت العلماء والكتاب والحرفيين من مواصلة أعمالهم رغم ضعف البصر، فأطالت أعمارهم المهنية وأسهمت في استمرار الإنتاج العلمي والمعرفي.
ثم يربط البرنامج بين العدسات الزجاجية والثورة العلمية، موضحا أن التلسكوبات كشفت للإنسان أسرار الكون عبر اكتشافات غاليليو، بينما فتحت المجاهر الباب أمام رؤية الكائنات الدقيقة على يد أنطوني فان ليفينهوك، لتصبح قطعة زجاج واحدة أداة غيرت فهم البشر للعالم.
ومع الثورة الصناعية، يوضح البرنامج أن الحاجة إلى زجاج أكثر صلابة دفعت العلماء إلى تطوير أنواع جديدة تتحمل درجات الحرارة المرتفعة، مثل زجاج" البوروسيليكات"، الذي أصبح أساسا للأدوات المخبرية والأواني المقاومة للحرارة، وأسهم في توسيع آفاق البحث العلمي والصناعة الحديثة.
كما يتناول قصة اكتشاف الزجاج المصفح على يد العالم الفرنسي إدوارد بينيديكتوس، بعدما لاحظ مصادفة أن قارورة زجاجية متشققة احتفظت بتماسكها، وهو ما قاد إلى تطوير زجاج السيارات والمباني الآمن، الذي رفع معايير السلامة وأنقذ ملايين الأرواح حول العالم.
ويستعرض البرنامج كذلك تقنية" الطفو" التي أحدثت نقلة نوعية في تصنيع الألواح الزجاجية المسطحة، وجعلت إنتاجها بكميات كبيرة ممكنا، لتصبح الواجهات الزجاجية وناطحات السحاب إحدى أبرز سمات المدن الحديثة، بعدما تحول الزجاج إلى عنصر رئيس في العمارة المعاصرة.
ولا تتوقف رحلة الزجاج عند حدود البناء، إذ يربط الغندور بين تنقية الزجاج والثورة الرقمية، موضحا أن الألياف الضوئية المصنوعة من زجاج شديد النقاء أصبحت العمود الفقري لشبكات الإنترنت، ومكنت من نقل كميات هائلة من البيانات عبر القارات والمحيطات بسرعات غير مسبوقة.
كما تتناول الحلقة تطور الزجاج المستخدم في الهواتف الذكية والشاشات، من الأنواع المقاومة للخدش والصدمات إلى الزجاج المرن الذي أتاح ظهور الأجهزة القابلة للطي، في تأكيد على أن الابتكار في هذه المادة ما زال يفتح آفاقا جديدة أمام التطور التقني.
ويختتم البرنامج بالتأكيد على أن قصة الزجاج تتجاوز حدود مادة صناعية شفافة، فهي قصة معرفة تنقلت بين الحضارات، وكشفت للإنسان العالم من حوله، ومكنته من رؤية الكون والكائنات الدقيقة والتواصل عبر القارات، لتصبح رحلة الزجاج في جوهرها رحلة الحضارة الإنسانية نفسها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك