حين أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أنه ترك تعليمات بالرد على إيران إذا نجحت أي محاولة لاغتياله، بدا الخبر للوهلة الأولى وكأنه وصية عسكرية ستبقى نافذة حتى بعد غياب صاحبها.
فالرئيس يتحدث عن قرار مصيري يتعلق باستخدام القوة العسكرية، ويبدو من ظاهر التصريح أن تنفيذ تلك التعليمات قد أصبح معلقًا على وقوع حدث معين، لا ببقاء الرئيس في منصبه.
غير أن هذا الخبر يثير سؤالاً دستورياً أكثر أهمية من الخبر نفسه: هل يملك رئيس الولايات المتحدة أن يترك أوامر عسكرية ملزمة تُنفذ بعد وفاته أو فقدانه لمنصبه؟ أم أن سلطته تنتهي بانتهاء ولايته الدستورية، لتبدأ سلطة رئيس جديد يملك كامل الحرية في اتخاذ القرار من جديد؟وهنا ينتقل النقاش من السياسة إلى القانون؛ فالمسألة في النظام الأمريكي لا تتعلق بما يريده رئيس، وإنما بما يسمح به الدستور، وبالحدود التي تقف عندها إرادة الأشخاص حين تبدأ سلطة المؤسسات.
ولأن النظام الدستوري الأمريكي لا يحتمل فراغاً في قمة السلطة، وضع الدستور الأمريكي آلية واضحة وفورية لما يحدث عند غياب الرئيس.
فإذا توفي الرئيس، أو أُقيل، أو استقال، تنتقل الرئاسة إلى نائب الرئيس بحكم الدستور، فلا يتولى المهمة بصفة مؤقتة، بل يصبح رئيساً كامل الصلاحيات، يملك وحده سلطة القرار، بما في ذلك القرارات العسكرية الأكثر حساسية.
وقد نظم التعديل الخامس والعشرون من الدستور الأمريكي، المُقرّ عام 1967، آلية انتقال السلطة وحالات عجز الرئيس عن ممارسة مهامه، بما لا يترك مجالاً للفراغ أو للتنازع على من يملك القرار.
وهنا تكمن المفارقة الدستورية التي يغفل عنها كثيرون، فنائب الرئيس في النظام الأمريكي لا يصبح منفذاً لإرادة سلفه، ولا حارساً على وصيته السياسية، وإنما يصبح صاحب القرار الدستوري الجديد.
وله أن يعتمد الخطط العسكرية الموضوعة، أو يعدلها، أو يوقفها بالكامل إذا رأى أن المصلحة الوطنية تقتضي ذلك.
فالدستور الأمريكي في انتقال إدارة الدولة من الرئيس لنائبه، يورّث السلطة، لكنه لا يورّث إرادة من غادرها.
ومنذ اللحظة التي تنتقل فيها السلطة، تنتقل معها كامل المسؤولية الدستورية.
فالرئيس الجديد لا يرث قرار الحرب، وإنما يعيد تقييم المشهد وفق المعطيات القائمة، ثم يتخذ قراره هو.
ذلك أن سلطة استخدام القوة العسكرية في الولايات المتحدة مستمدة من كون الرئيس القائد الأعلى للقوات المسلحة بموجب المادة الثانية من الدستور الأمريكي، وهي صفة تنتقل بالمنصب لا بالشخص، فتثبت لمن يتولى الرئاسة وتنقطع عمّن غادرها.
بل إن سلطة الرئيس العسكرية ليست مطلقة، فالدستور الأمريكي يجعل إعلان الحرب من اختصاص الكونغرس، كما وضع قانون صلاحيات الحرب الفيدرالي الصادر عام 1973 قيوداً على استخدام الرئيس للقوة العسكرية دون الرجوع إلى الكونغرس خلال مدة محددة.
وهذا يؤكد أن القرار العسكري في الولايات المتحدة محكوم بمنظومة متوازنة من الصلاحيات بين الرئيس والكونغرس، لا بإرادة فردية تمتد إلى ما بعد المنصب.
وإذا كانت السلطة تنتقل دستورياً من رئيس إلى آخر، يبقى سؤال أكثر دقة: هل يختلف الأمر إذا جاء الرئيس الجديد من الحزب نفسه، أم من الحزب المنافس؟ والجواب أن الدستور الأمريكي لا يميّز بين الحالتين، فالرئيس الجديد، أيّاً كان انتماؤه الحزبي، لا يتلقى سلطاته بوصفه امتداداً لمن سبقه، وإنما بوصفه صاحب الاختصاص الدستوري الأصيل منذ اللحظة التي يدخل فيها البيت الأبيض.
وله أن يُبقي على سياسات سلفه إذا رآها محققة للمصلحة الوطنية، وأن يعدلها أو يلغيها إذا تغيرت الظروف.
فالمعيار في النظام الأمريكي ليس هوية الرئيس السابق أو انتماءه الحزبي، وإنما تقدير الرئيس القائم للمصلحة العامة وقت اتخاذ القرار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك