قناة القاهرة الإخبارية - موجز أخبار الثانية صباحا من القاهرة الإخبارية قناة التليفزيون العربي - مقترح جديد بشأن مضيق هرمز في محادثات مسقط.. هل تقبل واشنطن بالعرض العماني؟ قناة القاهرة الإخبارية - مهلة أمريكية لحسم الاتفاق مع إيران..والحرس الثوري يعلن إغلاق مضيق هرمز| تغطية خاصة قناة الجزيرة مباشر - Decisive showdown in Kansas City.. Will the Tango continue its path toward the cup? القدس العربي - عندما تتحول نظريات المؤامرة الى واقع مرير! القدس العربي - ضربات عسكرية أمريكية إيرانية تصيب مذكرة التفاهم وجهود دبلوماسية قطرية باكستانية لإنقاذها قناة القاهرة الإخبارية - الحرس الثوري الإيراني يعلن إغلاق مضيق هرمز حتى إشعار آخر القدس العربي - خبير إسرائيلي بالشؤون الاستراتيجية الاتفاق الإطاري مع لبنان ليس اتفاق سلام… بل هو في أحسن الأحوال بداية الطريق القدس العربي - حروب ومفاوضات القدس العربي - جبهة داخلية واسعة تنتقد عودة ترامب إلى قصف إيران
عامة

الكباشي وصندوق باندورا

سودانايل الإلكترونية

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميدتظل الأساطير الإغريقية القديمة قادرة على إعطاء اشارات لتفكيك مشهد السياسة المعاصرة ببراعة. ففي أسطورة “باندورا”، يُقاد البشر بفعل الفضول أو الضرورة لرفع غطاء جر...

كتب الأستاذ الجامعي د.

محمد عبد الحميدتظل الأساطير الإغريقية القديمة قادرة على إعطاء اشارات لتفكيك مشهد السياسة المعاصرة ببراعة.

ففي أسطورة “باندورا”، يُقاد البشر بفعل الفضول أو الضرورة لرفع غطاء جرة مغلقة.

تنفث منها شرور العالم ومصائبه التي لا يمكن السيطرة عليها بعد خروجها، ولا يتبقى في القاع إلا “الأمل”.

في المشهد السياسي السوداني اليوم، يبدو أن عضو مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول شمس الدين كباشي، قد تقدم بخطوة ثانية ليرفع غطاء واحدة من أكثر جرار الأزمة السودانية حساسية… جرة “دبلوماسية الظل” واللقاءات غير المعلنة.

واللقاء الذي تكشفت تفاصيله مؤخراً في القاهرة بينه وبين مسعد بولس، مبعوث ومستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يعبر في جوهره عن لحظة كاشفة لصدام حتمي وعميق بين منطقين وفلسفتين في إدارة الدولة… منطق “العقيدة الأيديولوجية المطلقة”، ومنطق “البراغماتية والضرورة السياسية لبقاء الدولة”.

فبمجرد تسريب أنباء اللقاء، سارعت المنصات الحاضنة للتيار الإسلامي والراديكالي في السودان إلى إطلاق نداءات التخوين، ملمحة إلى أن الكباشي هو “المؤتمن الخائن” الذي يتفاوض سراً من وراء ظهر الجبهة الداخلية.

يمكن تفكيك هذا السلوك فلسفياً بالعودة إلى مذهبين في الأخلاق.

ويجب هنا أن نكون دقيقين.

فحركة التيار العقائدي التي هي أقرب إلى نموذج “الأخلاق التكليفية الدينية” التي لا تقبل التأويل أو المساومة، لأنها تستمد قدسيتها مما تفترضه نصا مقدسا لا من عقل محض كما يفترض كانط.

يتحرك هذا التيار وفق رؤية تآمرية ترى أن “الأمانة” قيمة صلبة لا تقبل التجزئة.

ففي وعيه، تعني الأمانة (ميثاق) بالاستمرار في خيار الحسم العسكري المطلق واجتثاث الخصم.

وأي تواصل مع الخارج يُفسَّر على أنه تراجع عن العهد وخيانة لدماء الشهداء.

إن التخوين هنا يعبر بوضوح عن “قلق وجودي” من أن تفضي هذه اللقاءات السرية إلى تسوية دولية تُقصيهم وتجفف نفوذهم السياسي في مرحلة ما بعد الحرب.

في المقابل، يبدو تحرك الجنرال وفق منطق البراغماتية المستند إلى “أخلاق المسؤولية والمآلات” عند عالم الاجتماع ماكس فيبر.

يدرك رجل الدولة الواقعي أن السياسة تُدار في بيئة دولية نسبية ومتحركة تحكمها موازين القوى.

وأن الأمانة الحقيقية تتجلى في حماية “جسم الدولة” ومؤسساتها من الفناء والانهيار الشامل، عبر الجلوس مع القوى الدولية الشائكة واستكشاف الخيارات المتاحة.

ولمن يتابع مسار كباشي منذ سنوات، فإن هذا التحول نحو المنطق البراغماتي لا يبدو معزولاً عن تجربة سابقة تركت أثرها العميق في تكوينه كرجل دولة.

فكباشي نفسه هو من نطق، وهو عضو المجلس العسكري الانتقالي آنذاك، بعبارته الشهيرة “وحدث ما حدث” وهو يصف أمام الرأي العام ما جرى في ساحة القيادة العامة يوم 3 يونيو 2019، عندما واجه الاعتصام السلمي فضاً دموياً راح ضحيته عشرات المدنيين من الثوار.

تلك العبارة، بما حملته من التباس، ظلت وصمة في الذاكرة الجمعية السودانية، ودليل اتهام صريح استحضرته لاحقاً أصوات كثيرة طالبت بالمحاسبة.

واليوم، يبدو أن الرجل ذاته، الذي أدان نفسه من حيث لم يدر، بدأ يدرك أن الهروب من الاستحقاقات الكبرى، سواء كانت استحقاق المحاسبة أو استحقاق التفاوض، لا يحمي الدولة ولكن ربما يراكم عليها الأزمات.

وإن كان لا يمكن الجزم بأن الرجل قد راجع كامل إرثه، فإن انخراطه اليوم في فتح قنوات مباشرة بدل الصمت أو التمويه، يمثل مسافة واضحة عمّا كانه في تلك اللحظة، وربما كان درساً استخلصه من كلفة الغموض الباهظة التي دفعها هو والدولة معاً.

يعيد لقاء القاهرة إلى الأذهان أيضاً ما يمكن تسميته “البرود الاستراتيجي” الذي تميز به كباشي، فهو نفسه من قاد سابقاً مفاوضات المنامة السرية مع قوات الدعم السريع، وواجه حينها ذات الآلة التخوينية والاتهامات بالارتهان.

وإذا كانت المنامة قد تعثرت لظروف موضوعية وإقليمية لم تكن قد نضجت بعد، فإنها رسخت في عقيدته العسكرية مبدأً ثابتاً….

أن قنوات الاتصال يجب أن تظل مفتوحة، وأن الواقعية تفرض صياغة الحلول خلف الأبواب المغلقة، بعيداً عن ضوضاء الشارع الشاحن بالعواطف.

قد يتساءل القارئ الناقد، أين يقف هذا “البرود الاستراتيجي” من الخط الفاصل بين البراغماتية الحكيمة والانتهازية المذمومة؟ الإجابة تكمن في أن كباشي يمارس هنا براغماتية “المضطر” لا براغماتية “الطامح”.

فهو لا يبحث عن صفقات رابحة بقدر ما يسعى لتجنب خسائر كلية للدولة، في مشهد يذكرنا بسياسة “الشر الأقل” التي طالما لجأ إليها قادة دول في لحظات افتراق تاريخية.

غير أن هذا التمييز، على وجاهته، لا ينبغي أن يتحول إلى صك براءة مسبق.

فالتاريخ السياسي حافل بقادة بدأوا “براغماتيين مضطرين” وانتهوا إلى تسويغ تنازلات لم تكن في صالح دولهم، عندما غاب عنهم من يحاسبهم أو يراقب حدود مناوراتهم.

والسؤال المشروع الذي يستحق أن يُطرح بجدية بقدر ما يُطرح سؤال التخوين….

مَن يضمن أن “دبلوماسية الظل” لن تتحول، في غياب الرقابة والشفافية، إلى مساحة تُعقد فيها تفاهمات لا تخدم إلا توازنات القوة داخل مؤسسة الجيش نفسها؟ فالبراغماتية فضيلة فقط عندما تخدم الدولة، لكنها قد تنقلب انتهازية عندما تُدار بمعزل عن أي شكل من أشكال المساءلة، ولو كانت مساءلة مؤجلة.

وتكمن الذروة التراجيدية اليوم في أن لقاء المبعوث الأمريكي يحمل مؤشرات أكثر قرباً وجدية لصياغة تفاهمات حقيقية مع إدارة أمريكية تبحث عن صفقات حاسمة وسريعة.

ويعلم كباشي أن هذا التنسيق، الذي جرى بعلم وإطلاع رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان ونائبه مالك عقار، وبتسلسل مر عبر وزارة الخارجية، يهدف لحماية شرعية الدولة.

لكنه يدرك في الوقت نفسه أن كلفة هذا التقارب قد تعصف بالانسجام الهش للجبهة الداخلية التي يشكل الإسلاميون مركز ثقلها العسكري في الخنادق.

مهما يكن من امر، يضعنا هذا المشهد أمام صدام حتمي بين شرعيتين في السودان اليوم… “شرعية الخندق العقائدية” التي يستمد منها التيار الإسلامي مشروعيته، ويرى أن نصر الدولة لا يتحقق إلا بحد السيف واجتثاث الخصم تماماً.

و”شرعية الدولة البراغماتية” التي يمثلها بكلال الكباشي، وترى أن الدولة كائن جيوسياسي يحتاج للاعتراف الدولي والتمويل، لإعادة البناء، وأن العناد الأيديولوجي قد ينتهي بنصر عسكري في خندق ضيق، وهزيمة ساحقة للدولة على خارطة المجتمع الدولي.

فعندما حاولت “باندورا” في الميثولجيا الاغريقية إغلاق صندوقها بعد فوات الأوان، لم يتبقَّ في القاع إلا “الأمل”.

وفي الحالة السودانية، فإن الأمل المتبقي في قاع السيادة السودانية المتراوحة بين المتآكلة والمنهارة يمثل الرغبة في الحفاظ على كيان الدولة ومؤسساتها وسط أمواج الجيوبوليتيك المتلاطمة.

ليبقى السؤال المفتوح الذي لن تجيب عنه هذه اللحظة التاريخية وحدها وهو هل سيكون “الأمل” المتبقي في قاع الصندوق السوداني بذرة بناء دولة جديدة ومؤسساتها، أم مجرد سراب يعيد إنتاج ذات الصراع بثياب أكثر حداثة وتنظيماً؟فإن كان الأمل بذرة، فذلك يعني أن يتحول هذا الانفتاح البراغماتي إلى مدخل حقيقي لعملية سياسية شاملة، تُبنى فيها الدولة على أساس المؤسسات لا على موازين القوة العسكرية اللحظية فقط.

prof.

mohamed.

ahameed@gmail.

com.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك