القدس العربي - ضربات عسكرية أمريكية إيرانية تصيب مذكرة التفاهم وجهود دبلوماسية قطرية باكستانية لإنقاذها قناة القاهرة الإخبارية - الحرس الثوري الإيراني يعلن إغلاق مضيق هرمز حتى إشعار آخر القدس العربي - خبير إسرائيلي بالشؤون الاستراتيجية الاتفاق الإطاري مع لبنان ليس اتفاق سلام… بل هو في أحسن الأحوال بداية الطريق القدس العربي - حروب ومفاوضات القدس العربي - جبهة داخلية واسعة تنتقد عودة ترامب إلى قصف إيران القدس العربي - ترامب وأوروبا في قمة أنقرة رويترز العربية - إعلام رسمي: البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني أغلقت مضيق هرمز الجزيرة نت - بعد صدمة المونديال.. فينيسيوس يوجه رسالة اعتذار ووعد للجماهير البرازيلية الجزيرة نت - ماذا يعني تصدر المغرب التصنيع الأفريقي؟ وكالة سبوتنيك - الحرس الثوري: إغلاق مضيق هرمز حتى إشعار آخر بعد اعتراض سفينة وإطلاق طلقة تحذيرية عليها
عامة

المرأة التونسية : الفاعلة الغائبة عن معادلة التمويل الأخضر

تونس الرقمية
تونس الرقمية منذ 1 ساعة

تُمثّل النساء التونسيات اليوم 65% من قاعدة حرفاء مؤسسات التمويل الأصغر، وهي نسبة تجعل من هذا القطاع أحد أكثر الفضاءات المالية اختراقاً للنوع الاجتماعي في المنظومة الاقتصادية التونسية غير أنّ هذا الحضو...

تُمثّل النساء التونسيات اليوم 65% من قاعدة حرفاء مؤسسات التمويل الأصغر، وهي نسبة تجعل من هذا القطاع أحد أكثر الفضاءات المالية اختراقاً للنوع الاجتماعي في المنظومة الاقتصادية التونسية غير أنّ هذا الحضور الكمي الكاسح يصطدم، عند الانتقال إلى ملف التمويل الأخضر، بواقع مغاير تماماً اذ تتراجع النساء إلى موقع الحلقة الأضعف في نماذج الأعمال التي تصمّمها المؤسسات المالية.

تكشف دراسة تحليلية معمّقة، غطّت 32 بحثاً علمياً حول الحالة التونسية، عن تشخيص دقيق لهذه المفارقة: يتوفّر القطاع على رأسمال بشري نسائي واسع، لكنه يفتقر حتى الآن إلى الهندسة المالية القادرة على الجمع بين الانتقال البيئي والمساواة بين الجنسين ضمن معادلة ربحية مستدامة.

تندرج هذه المفارقة في سياق اقتصادي كلي خاص حيث سجّلت تونس نمواً بنسبة 2.

5% خلال سنة 2025 مقابل 1.

4% فقط في 2024، فيما تستهدف السلطات بلوغ معدل نمو سنوي في حدود 4.

2% ضمن مخطط التنمية 2026-2030.

وتراجع معدل البطالة الاجمالي إلى 15% خلال الثلاثي الأول من 2026، إلا أنّ الفجوة بين الجنسين تبقى صارخة: إذ تصل بطالة النساء إلى نحو 20.

7%، مقابل 12.

3% فقط لدى الرجال، بل وترتفع بطالة الخريجات الجامعيات إلى أكثر من 30% مقابل أقل من 12% لدى نظرائهنّ الذكور.

تُضاف إلى هذه الاختلالات الهيكلية تحديات مناخية متصاعدة، من جفاف وتصحّر وتآكل للسواحل، في اقتصاد تهيمن عليه القطاعات غير المنظمة وتتفاوت فيه الفرص جهوياً بشكل حاد.

يلعب التمويل الأصغر، منذ تسعينيات القرن الماضي، دوراً اجتماعياً محورياً بوصفه قناة تمويل بديلة لفائدة الفئات المحرومة من الولوج إلى القطاع البنكي التقليدي، وفي مقدمتها النساء.

ويطرح الاستعجال المناخي الراهن سؤالاً جوهرياً بالنسبة لصنّاع القرار المالي: هل بالإمكان تحويل هذه الأداة من مجرد آلية لمكافحة الفقر إلى رافعة حقيقية للانتقال البيئي؟ وإن كان الجواب بالإيجاب، فهل تحتلّ النساء، وهنّ الأغلبية الساحقة بين المستفيدين، موقعاً مركزياً في هذا التحوّل أم تُترك على هامشه؟تعتمد الدراسة موضوع التحليل إطاراً منهجياً يُفكّك نموذج الأعمال إلى تسعة مكوّنات أساسية، تشمل القيمة المقدَّمة والفئة المستهدفة وآليات التقديم والموارد ومصادر الإيرادات والتكاليف، لتخلص إلى أنّ الإمكانات المتاحة تفوق بكثير قدرة النماذج الاقتصادية الحالية على استيعابها وتثمينها.

يبرز من هذا التحليل درس أول لافت بحكم ميل غالبية الدراسات المرصودة إلى تقديم صورة أحادية للمرأة التونسية بوصفها ضحية للتغيّر المناخي، أكثر عرضة للصدمات وأكثر اعتماداً على الموارد الطبيعية.

وتحمل هذه الصورة قدراً من الصحة، غير أنها تُخفي معطى موثقاً بالقدر ذاته باعتبار اضطلاع هذه النساء عملياً بدور الفاعل الأساسي الذي لا غنى عنه في إدارة الموارد على المستوى المحلي فبإدارتهنّ اليومية لمياه المنزل والحدائق والمخزونات الغذائية، طوّرن معرفة دقيقة وعملية بالأنظمة البيئية المحيطة بهنّ، ويكنّ في الغالب أول من يرصد التحوّلات المناخية وأول من يُكيّف ممارساته معها.

بعبارة أخرى، لا تعشن هؤلاء النساء الانتقال البيئي بشكل سلبي فحسب، بل يخترنه ويقُدنّه عملياً في الميدان.

ورغم ذلك، لا تزال منتجات التمويل الأصغر الأخضر، من قروض موجهة للطاقة الشمسية والفلاحة العضوية والري الموفِّر للمياه، تُصمَّم دون إدماج فعلي لهذه الخبرة النسائية التراكمية.

وتُظهر المعطيات أنّ القيمة التي تُدركها النساء في هذه العروض ذات طابع غير مالي في الأساس، مثل تحسّن جودة الهواء وتعزيز الأمن الغذائي وتخفيف الأعباء المنزلية، فيما يبقى البُعد المالي المرتبط بتحسين الدخل غامضاً بالنسبة لهنّ، وهو ما يُقلّص من إقبالهنّ على هذه المنتجات رغم توفّرها.

بناء النموذج الاقتصادي من الأساستتقاطع هذه الإشكاليات مع واقع مؤسسي لا يقلّ تعقيداً ذلك ان طرح منتجات مالية خضراء يحظى بقبول مبدئي لدى مؤسسات التمويل الأصغر، لكنه يُصنَّف في الوقت نفسه ضمن خانة المخاطرة المرتفعة والكلفة الباهظة.

ويتطلّب تقييم مشروع في الطاقات المتجددة أو الفلاحة المستدامة كفاءات تقنية متخصصة لا يمتلكها في الغالب موظفو القروض، فيما تبقى استثمارات تكوين الفرق وبناء الشراكات مع المهندسين الزراعيين وإرساء آليات المتابعة البيئية، فوق طاقة تحمّل معظم المؤسسات منفردة.

ونتيجة لذلك، تظل قنوات التوزيع تقليدية عبر الوكالات المادية والأعوان الميدانيين، وهي غير ملائمة لمتطلبات التوعية والإرشاد التقني التي تستوجبها هذه المنتجات المستحدثة، بينما تبقى الحلول الرقمية، رغم اعتبارها مساراً واعداً للوصول إلى النساء في المناطق الريفية، دون الاستغلال الكافي حتى الآن.

تكشف الدراسة أيضاً عن نقطتين تستحقان الانتباه من الباحثين وصنّاع القرار على حدّ سواء.

تفترض معظم الأدبيات المتوفرة أنّ فوائد القروض التقليدية كفيلة بتمويل العروض الخضراء الجديدة، وهو افتراض هشّ بالنظر إلى العوائد غير المضمونة لهذه الأنشطة، في حين تُهمَل مصادر دخل بديلة كرسوم الاستشارة والحوافز المرتبطة بالأداء البيئي والتمويل المختلط بين القطاعين العام والخاص.

كما يغيب الرجال وسكان المناطق الريفية العميقة شبه كلياً عن عيّنات هذه الدراسات، وهي فجوة معرفية تحدّ من فهم الديناميكيات الفعلية على أرض الميدان.

تحمل هذه المعطيات في طياتها إشارة إيجابية حيث تعد أدوات الإصلاح متوفّرة أصلاً ولا تتطلب ابتكاراً من الصفر.

وتتّضح أولوية التدخل بالنسبة لمؤسسات التمويل الأصغر في التوقف عن معاملة كافة الحرفاء ككتلة متجانسة، إذ لا تتشابه احتياجات امرأة ريفية ناشطة في الفلاحة مع احتياجات شابة حضرية تسعى لإطلاق مشروع أخضر.

ويستوجب ذلك تجزئة العروض التمويلية، إلى جانب تكوين أعوان القروض على أبعاد تتجاوز المنطق المالي التقليدي لتشمل البيئة والمساواة بين الجنسين، وبناء شراكات هيكلية مع التعاونيات النسائية ومزوّدي التكنولوجيا الخضراء.

وتتحمّل السلطات العمومية مسؤولية موازية تتمثل في ترجمة الاستراتيجية الوطنية للتمويل الأخضر إلى آليات ملموسة قابلة للتنفيذ، عبر إحداث صناديق ضمان جزئية تُؤمّن القروض الخضراء الممنوحة للنساء، وإرساء فضاءات تجريب تنظيمي تسمح باختبار منتجات مالية مبتكرة دون تعريض استقرار النظام للمخاطر، إلى جانب تطوير أدوات قياس أثر تجمع بين الأبعاد المالية والاجتماعية والبيئية في آنٍ واحد.

أما الشركاء الدوليون، من الوكالة الفرنسية للتنمية إلى المؤسسات الأممية، فمدعوّون للانتقال من منطق تمويل المشاريع الظرفية إلى بناء منظومة مستدامة، عبر المساهمة في تطوير المنتجات المبتكرة، وتيسير تبادل الخبرات مع تجارب مقارنة كالمغرب وبنغلاديش، ودعم بحوث ميدانية تشاركية تجعل من النساء شريكات فعليات في تصميم الحلول، لا مجرد موضوع دراسة تُبنى عليه الاستنتاجات.

يبقى الاستثمار في المرأة التونسية، في نهاية المطاف، خياراً مالياً سليماً بقدر ما هو التزام مجتمعي، إذ تُرجّح المعطيات المتاحة تمتّع النساء بقدرة أعلى على الصمود أمام الصدمات المناخية وبمعدلات سداد أكثر استقراراً، وهو ما ينعكس مباشرة على سلامة المحافظ المالية الخضراء لمؤسسات التمويل الأصغر.

وبقدر ما تُحسم هذه المعادلة بسرعة أكبر، بقدر ما يتحوّل التمويل الأصغر من أداة تاريخية لمكافحة الفقر إلى رافعة استراتيجية للانتقال البيئي العادل في تونس.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك