من الناحية السياسية، لا يكفي أن يسقط نظام ليقوم نظام جديد مكانه، وخلع بشّار الأسد حدث مضى عليه أكثر من 18 شهراً، أما ولادة نظام جديد فمسار قد يكون طويلاً، وهو في حاجة إلى معطياتٍ محليةٍ ودوليةٍ وبناء اجتماعي وسياسي واقتصادي وقانوني جديد، يبدأ من الداخل نحو الخارج، بتحويل الوقائع العسكرية التي أدّت إلى سقوط النظام الهارب إلى واقع سياسي واجتماعي، مع استيعاب كامل لمجريات السنوات الخمس عشرة، التي استغرقها الأسد ليكمل تدمير سورية قبل أن ينهار نظامه ويختفي في ليلة واحدة، في لحظة" الآن" تبدو سورية أمام إزاحة سياسية واقتصادية، فيما يمكن أن يسمّى مشروعاً يقف خلفه أحمد الشرع، من خلال ممارسة عملية واسعة طاولت مضامير عديدة، وكان المفتاح الأساسي لها الحكومة التي شكلها.
في زيارة تتجاوز العلاقات السياسية البروتوكولية، وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، ومن بوابة الموقع الفرنسي في أوروبا والعالم، وبما تمثله بلاده في الاتحاد الأوروبي، وما يختزنه الوعي السياسي في الإقليم منذ" سايكس بيكو" في 1916، فإن حضور ماكرون ومن معه من وفود اقتصادية ذات خلفية استثمارية عريضة يعني أن أوروبا كلها بدأت بالتعاون الفعلي مع سورية، ليس بوصفها ملفاً إنسانياً ومصدّراً للاجئين وبؤرة أمنية ملتهبة، بل سوقاً ذا طاقة كامنة عالية، وفرصةً يمكن معها إعادة تموضع كلي لهذا الموقع الجغرافي الهام، والذي أمضى كل الوقت منذ الاستقلال (1946) في رحلة توهان وبحث عن الذات، قضى منها الشعب 55 عاماً رهينة تم استنفاذها حتى الرمق الأخير.
لم تكن الهوية الاقتصادية السابقة لائقة بسورية، وكان انتماؤها السياسي شاذّاً بتبني موقف الوهم" اليساري" في البداية، وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي كان الوقوف العبثي خلف المشروع الإيراني، وبالتبعية كان الخيار الاقتصادي موازياً للسياسات الرثة التي أوصلت سورية إلى أن تصير بلداً منهكاً يحتل مراتب متدنية في سلم التنمية العالمي، ثم جاء التغيير حاسماً في الملفين، بإخراج سورية من الاصطفاف الإيراني، والتخلي عن الشعارات ويافطات الضجيج التي كانت مرفوعة في كل مكان، واللجوء إلى لغة هادئة صبورة تخاطب الجميع بكثير من التعقل، والبدء بانزياح اقتصادي نحو السوق المفتوح الذي بوشر به مع ساعات سقوط النظام الأولى، وهو السلوك الذي تلقفته الإدارة الأميركية وبنت عليه موقفاً واعداً من الإدارة الجديدة، فعينت مبعوثاً خاصاً ليبقى قريباً من موقع الحدث، ويبني علاقات قوية مع القادة الجدد، ثم مسحت اسم سورية من قوائم العقوبات الكثيرة التي طاولتها وكان جديدها أخيراً وعداً أميركياً بحذف ما تبقى منها بعد إجراء مراجعة سريعة، الأمر الذي سيمنح سورية جبهة استثمارية واسعة.
أصبحت السمة السياسية السورية واضحة بالنأي عن مشروع إيران، والمرتبط بتموين حزب الله في لبنان، فسورية بإدارتها الجديدة قادرة، إن أرادت، على تطبيق خنق إمدادي بقطع كل خطوط التغذية التي كانت تمرّ من طهران إلى الحزب عبرها فيما مضى، وهذه السياسة تقرب سورية من دول الإقليم التي تعِدُ باستثمارات واسعة.
تركز السمة الاقتصادية فيما يبدو على اقتصاد حر وتعامل واسع بالدولار، وتخفيف قبضة الدولة عن حركة السوق، وهذا خيار يروق الغربَ، ويمنح حتى المستثمر المحلي فرصة حقيقية، ولكن بعد استكمال البنى التحتية اللازمة لتمكين هذا المسار، كبناء قضاء نزيه ونظامٍ مصرفي فعّال، وقوانين استثمار تؤدّي إلى استقرار في السوق وتقويه وتعزّز الثقة به.
بهذا الوجه الجديد، تواجه سورية العالم، ومن موقعها على هذه الركائز تستطيع أن تصل إلى مجتمع التنمية المطلوب، مع ملاحظة بعض عوائق قد تظهر، متمثلة بمجموعات التشدّد الإسلامي، أو بقايا النظام القديم وأفكاره وبعض أساليبه.
وعلى ذلك، يجب أن يكون زخم التوجّه الجديد قوياً جارفاً، خصوصاً بوجود الدعم والمساندة التي تلقاها سورية من المجتمع الدولي ومعظم دول الإقليم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك