لم يمضِ على إعلان مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران سوى أسابيع قليلة، حتى أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنّها انتهت، مبدّداً ما تبقى من أمل في أن تقود تلك المذكرة إلى تسويةٍ تنهي واحداً من أخطر النزاعات التي شهدتها المنطقة، وقد يؤدّي استمراره إلى فوضى شاملة غير مسبوقة فيها.
لم يكن موت المذكّرة مفاجئاً.
بالعكس تماماً، كان متوقعاً.
ليس هناك أدلّ على هذا من الطريقة التي أعلن فيها ترامب انتهاءها على هامش قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة: " أعتقد أنّ الأمر انتهى.
لا أريد التعامل معهم بعد الآن، إنّهم حثالة"، وحتى لو قال بعضهم إنّه لا يتعيّن أن تؤخذ تصريحات ترامب على محمل الجد، لأنّها يمكن أن تحمل الشيء ونقيضه في الوقت نفسه، فإنّ لهجته هنا تشي بما يفكّر فيه فعلاً.
منذ اللحظة الأولى، بدا واضحاً أنّ ذلك" التفاهم" كان مجرّد هدنة اضطرارية فرضتها ظروف الحرب وكلفة استمرارها على الطرفين، فالولايات المتحدة أرادت وقفاً مؤقتاً للتصعيد يضمن أمن الملاحة في الخليج ويمنع انفلات أسعار الطاقة، بينما أرادت إيران التقاط أنفاسها بعد مواجهة عسكرية مكلفة، على أمل أن يتحوّل وقف النار إلى بوابة لتخفيف العقوبات واستعادة شيء من الاستقرار الاقتصادي.
نظرت واشنطن إلى التفاهم الهشّ وسيلة لضبط السلوك الإيراني، بينما تعاملت طهران معه بداية لتغيير السياسة الأميركية تجاهها، وكان هذا أقرب إلى الوهم، فالقضايا التي صنعت العداء بينهما أكثر من أربعة عقود بقيت جميعها على حالها، بل إنّ حرب الأربعين يوماً زادتها تعقيداً، خصوصاً لجهة تحويل المرور عبر مضيق هرمز إلى ورقة مقايضة سياسية في يد الإيرانيين.
ينقل تقرير على موقع" بي.
بي.
سي" أعدّه سعيد جعفري، عن أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، روبرت بيب، قوله إنّ المشكلة في أن ترامب" لا يريد الاعتراف بالهزيمة الاستراتيجية التي تعرّض لها"، فلا تزال معظم العوامل التي أشعلت الحرب قائمة، فيما لم تتحقق الأهداف التي أعلنتها واشنطن، من تغيير النظام والتوصل إلى اتفاق نووي إلى شل برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، فكلّها رحّلت إلى مفاوضات متوقعة، من دون أفق واضح لمسارها وآلياتها.
أهم ما ينقص تلك المذكرة أنّها لم تُبنَ على الثقة، بل على انعدامها.
ففي العلاقات الدولية يمكن للدول أن توقع اتفاقات، وهي تختلف في المصالح، لكنّها تحتاج حدّاً أدنى من الثقة بأن الطرف الآخر سينفذ التزاماته.
وفي الحالة الأميركية الإيرانية، دخل كل طرف التفاهم، وهو مقتنع سلفاً بأن الآخر سيبحث عن أول فرصة للتراجع أو إعادة تفسير البنود بما يخدم مصالحه، وهذا ما كان واضحاً في خطاب الطرفين، حتى قبل أن يجف حبر التوقيع على المذكّرة.
بالإضافة إلى انعدام الثقة بين الطرفين، من واقع التجارب السابقة، وبينها إلغاء الاتفاق النووي بينهما لعام 2015، فإنّ البيئة الإقليمية نفسها لم تكن مهيّأة لنجاح أي تفاهم، فالشرق الأوسط لم يعد ساحة صراع ثنائي بين واشنطن وطهران، بل شبكة معقدة من الحروب والفاعلين والمصالح.
وأي حادث في مضيق هرمز، أو في لبنان، أو العراق، قادر على إعادة إشعال المواجهة.
ولهذا تحوّلت كل حادثة أمنية إلى اختبار مباشر للمذكّرة.
ومع أول تبادل للاتهامات بشأن استهداف الملاحة في مضيق هرمز، عاد الطرفان إلى لغة القوة، ثم توالت الضربات العسكرية والردود المتبادلة التي طاولت أراضي البحرين والكويت، قبل أن تعلن واشنطن عملياً انتهاء الاتفاق.
لم تمت مذكّرة التفاهم لأنّها انتُهكت، بل لأنّها لم تولد أصلاً على أرض صلبة.
اعتمدت على الحاجة المتبادلة أكثر مما اعتمدت على الثقة المتبادلة، ولذلك كان انهيارها مسألة وقت لا أكثر، فهي مجرّد فاصلة قصيرة بين جولتين من الصراع.
وُقعت لأنّ الحرب أصبحت مكلفة، وسقطت لأنّ أسباب الحرب بقيت كما هي.
وهكذا لم تكن المذكّرة بداية سلام، بل كانت هدنة هشّة.
مذكرة وُلدت ميتة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك